رمضان كريم مع يوميات المنهاج (2).
رمضان كريم مع يوميات المنهاج (1).
-----------------------------------------------
اليوم الثامن
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
اللسان العربى:
يدلل الخلاق العليم على المنهاج ومثانيه بطرق شتى منها بنية اللغة. فقد وصف عز وجل القرآن الكريم بأنه عربى اللسان فى سبعة مواضع، إشارة السبع المثانى. ووصف لسان القرآن بأنه عربى فى ثلاثة مواضع، إشارة المنهاج ("متشابه التكرار"). كأن القرآن أنزل عربياً لقدرة اللسان العربى على تضمين المعانى فى المتشابه، بمعنى آخر قدرته المجازية وتنوع ضروب المجاز فيه. فى صورة أخرى أن اللسان العربى فيه من ثراء الدلالة التى تتيح الإكنان وما يتطلبه. أسهب اللغويون فى مزايا اللسان العربى، وأطنبوا فى لغة القرآن والأوطان، لكنهم – على قدر علمنا – لم يحيطوا علماً بالدلالة المنهاجية فى بنية اللغة، من ذلك أربعة ملامح:
أولاً: هذا الإستدلال التكرارى على لسان المثانى، يعززه جذر اللغة العربية متمثلا فى الحروف. لو جردتها من التنقيط تحصل على دلالة من الإعجاز: "الأزواج الثلاثة" فى حروف "ب"، "ت"، "ث"، وحروف "ج"، "ح"، "خ"، إشارة قانون التأويل المنهاجى الأساسى. ثم إشارة السبع المثانى فى حروف: "د" و"ذ"، "ر" و"ز"، "س" و"ش"، "ص" و"ض"، "ط" و"ظ"، "ع" و"غ"، "ف" و"ق". التطابق فى تثنية رسم الحرف. إقتضاء التجريد من التنقيط ليظهر هذه الدلالة المنهاجية يدلل من وجه آخر على مطلب التجريد كمعول تأويل قرآنى فى التأويل المنهاجى لاستخلاص وإظهار السبع المثانى. له أدلة أخرى بيناها فى كتاب “إشراق المنهاج”.
ثانياً: تتميز العربية عن اللغات الأخرى بصيغة الثنائى دلالة على المثانى فى عصب اللغة. اللغات الأخرى تعتبر التثنية من الجمع. على سبيل المثال، كما هو معلوم، فكلمة "كتابان" مثنى فى العربية وليس جمعاً، بينما فى الإنجليزية تضاف أداة الجمع حرف "s" للإسم: "Two books"، فضلاً عن إضافة كلمة ثانية لتدل على التثنية. هذا من تجلى عبقرية العربية، لسان الذكر الحكيم.
ثالثاً: الخط العربى كتابة فيه دلالة على ثنائية من السبع المثانى "الجزئى والكلى" متمثلة فى ثنائية "الفرد والمجتمع". فالخط العربى له رسم واحد سواء كتب باليد أو بالآلة، يحتفظ بالإفراد سواء كجزء من الكلمة أو كحرف منفصل، فجملة: "سواء كجزء من الكلمة" بها الألف والهمزة و"من" على الإفراد، وبالتجميع فى الكلمات. أما اللغات الأخرى فتكتب إما حروف مفردة بالكامل كما فى اللغات الأوروبية: "English"، ويمكن أن تكتب باليد متصلة "مشبكة" الكلمات كاملة سوى حروف الوصل، فإما تفرد وإما تجمع وليس من وسطية. فترى الدلالة على المثانى فى بنية الخط، ومنها وسطية الاسلام في ثنائية “الفرد والمجتمع” من مثاليات الجدل المنهاجي.
رابعاً: ثراء الدلالة اللغوية فيما تحمله من معانى. لسنا فى حاجة إلى ذكر ما تبحر فيه علماء اللغة مثل الإشتقاق والمجاز، لكنا نضيف أن هذا الثراء والزخم الدلالى قادر بكفاءة لا تتوفر فى اللغات الأخرى على تضمين المتشابه والمنهاج مستتراً، الأمر الذى حارت وتعبت معه العقول إلى وقتنا هذا، لذا قال الحكيم العليم:
* إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * (يوسف: 2)
إشارة المثانى فى تثنيته بالجعل بدلاً للتنزيل فى سورة الزخرف (3)، مفتتح السورة أيضاً، وكلتا السورتين صدرها حروف مقطعة من المتشابهات. قوله تعالى: " تَعْقِلُونَ" فى مستهل سورة التأويل والسبع المثانى له مغزاه الخاص بالسورة، وله مدلولان : الأول من جهة الوضع والتأليف وهو أن اللسان العربى فيه من ثراء الدلالة المجازية والمباشرة ومن المرونة ما يتطلبه العقل من تضاريس الفكر والخيال والشعرية أيضاً فى التعبير عن المعانى المبتغاة، سلس التعبير أو أحجيته. الثانى من جهة القراءة والتفسير والتأويل والتدبر بصفة عامة، فهذه التى فيها إتعاب القرائح وإثارة حافظة العقول لفض مستغلق المتشابه ومجازه للوقوف على والإلمام بمقاصد التنزيل على تنوعها، التى منها النذير والبشير، و تضمين خاتمية الرسالة المحمدية وعدم التفريط، ومنها المنهاج ومثانيه، مطلب العقل. فى ذلك تفصيل فى مقام آخر بعونه تعالى وهداه، جل فضله.
تأصيل: روى عن النبى، صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "أوَّلُ مَنْ فُتِقَ لِسانُهُ بالعَرَبِيَّةِ المُبَيِّنةِ إسْماعِيلُ، وهُوَ ابنُ أرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً". الحديث الشريف عليه أقوال، لكنا نضع الإستدلالات المنهاجية السابقة فى جانب الإثبات باعتبار لفظة “المبينة”. فإن كان إسماعيل، عليه السلام، أول من فتق العربية فالمعنى أصولها ونظمها بهذه الكيفية المتداولة. بهذا النظر فكون نبى الله، عليه السلام، قد تعلمها من قبيلة جهم أو من يعرب بن قحطان، كما قيل فى الروايات، فما تعلمه - إن كان - كانت لغة فجة، مماثلة للعامية العربية فى التوصيف، أوحى إليه تعالت قدرته بأصولها المعلومة لأهل العربية، وجل الوحى الهداية إلى صراط الله المستقيم. فالدلالة المنهاجية السابقة المطابقة للدلالة فى الذكر الحكيم، خاصة الحروف المقطعة فى أوائل السور التى بها نفس الدلالات المنهاجية، لهى برهان على أن ما قصده الرسول، عليه الصلاة والسلام، هو “المبينة” بمعنى “الفصحى”، كما فسرت، التى استلهمها شعراء الجاهلية. ليس فى الأعجميات هذا الرسم والنظم البديع ذو الدلالة الفلسفية. ولا تكون لغة القرآن بهذه الدلالة المنهاجية إلا وحياً من الخلاق العليم لا تعليماً من أحد أو مجرد إلهام، فى جانب إثبات الحديث الشريف، ونسبة العربية الفصحى إلى نبى الله إسماعيل، عليه السلام، صادق الوعد. وما توفيقى إلا بالله هو الأعلم والمستعان.
رمضان كريم، وصيام مقبول بإدن الرحمن الرحيم.
اليوم التاسع
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مداد البحر:
قول الخالق البارى المصور:
* وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * (لقمان: 27)
وقوله:
* قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا * (الكهف: 109)
بترتيب النزول، دلل البارى سبحانه على كلماته اللامتناهية أولاً بكل ما فى الأرض من شجر دبروه على هيئة الأقلام تكتب بمداد البحر ولو كانت سبعة أبحر، ولم يذكر المداد الذى تدلل عليه الأقلام والكلمات. ودلل جل وعلا فى الثانية بالبحار كمداد ولم يذكر الأقلام لدلالة عليها مادية هى المداد، ولدلالة غير مادية أى معنوية هى المجردات العقلية التى ليست بحاجة إلى أقلام، التى هى المثانى. دليل السبع المثانى فى الأولى أوضح بالرقم سبعة يصحبه البحر إفراداً وجمعاً، ثنائية “الجزء والكل”، كما سبق بيانها. ودليل آخر فى عجز الآية “عزيز حكيم”، بمعنى أقلام ومداد يسطرون الحكمة، التى هى هنا المنهاج بإشارة ثلاثية فى الآية الثانية، وهى هنا أيضاً السبع المثانى، التى لا تنضب لأنها كليات الوجود تشمله كله، تكتنفه كله، وتناصحه كله. فإن إستطعت الإحاطة بكم ما فى الأرض من شجر على هيئة أقلام، أو الإحاطة بمياه البحار كمداد، ربما قد أحطت بما تسطره السبع المثانى من موجودات وأحوالها ومصائرها، وهو أمر عسير المنال عليه التحدى المضمر فى الآيتين الكريمتين. لسنا فى حاجة إلى تكرار أن التكرار متشابه، أو أن الأيتين من المتشابهات. منتهى الدلالة كون السبع المثانى هى كليات الوجود.
رمضان كريم، ودمتم على صيام وقيام فيهما القبول بمشيئة القدوس السلام.
اليوم العاشر
عدم التفريط:
قوله العليم الحكيم:
* وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ * (الأنعام: 38)
عن عدم التفريط أورد الإمام السيوطى، رحمه الله، فى مصنفه "الإتقان" / باب "فى العلوم المستنبطة من القرآن"، الحديث الشريف:
>قال صلى الله عليه وسلم: "ستكون فتن. قيل:وما المخرج منها؟ قال: كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم" (أخرجه الترمذى وغيره). ثم أورد مقالات لعلماء كثر منها:
>وقال الشافعى مرة بمكة: "سلونى عما شئتم أخبركم عنه من كتاب الله" ثم ألقوا إليه بأحجية شرعية فأجابها من القرآن والسنة …..
وقال القاضى أبو بكر العربى فى "قانون التأويل": "علوم القرآن خمسون علما وأربعمئة علم وسبعة آلاف علم وسبعون ألف علم، على عدد كلم القرآن مضروبة فى أربعة، إذ لكل كلمة ظهر وبطن وحد ومطلع، وهذا مطلق دون إعتبار تركيب وما بينها من روايط، وهذا ما لا يحصى ولا يعلمه إلا الله" ......
وقال الراغب: ".....وجعل من معجزة هذا الكتاب أنه مع / قلة الحجم، متضمن للمعنى الجم، بحيث تقصر الألباب البشرية عن إحصائه، والآلات الدنيوية عن استيفائه، كما نبه عليه بقوله: "ولو أنما فى السموات والأرض من شجرة أقلام...." (لقمان: 27) .......
وأنا أقول: قد اشتمل كتاب الله العزيز على كل شيئ، أما أنواع العلوم فليس منها باب ولا مسألة هى أصل إلا وفى القرآن ما يدل عليها. وفيه عجائب المخلوقات، وملكوت السموات والأرض، وما فى الأفق الأعلى، وتحت الثرى، وبدء الخلق، وأسماء مشاهير الرسل والملائكة، وعيون أخبار الأمم السابقة.....الخ.
واعتنى الأصوليون بما فيه من الأدلة العقلية، والشواهد الأصلية والنظرية... فاستنبطوا منه أدلة على وحدانية الله ووجوده وبقائه وقدرته وعلمه وتنزيهه عما لا يليق به، وسموا هذا العلم بأصول الدين.
وتأملت طائفة منهم معانى خطابه، فرأت منها ما يقتضى العموم، ومنها ما يقتضى الخصوص إلى غير ذلك، فاستنبطوا منه أحكام اللغات من الحقيقة والمحاز، وتكلموا فى التخصيص، والإخبار، والنص، والظاهر والمجمل، والمحكم والمتشابه، والأمر والنهى، والنسخ، إلى غير ذلك من أنواع الأقيسة، واستصحاب الحال، والإستقراء، وسموا هذا الفن أصول الفقه". <
الذى عدوه وصنفوه ليس بمحيط بثراء الدلالة فى القرآن الكريم، وهم يقرون ذلك أنه فوق طاقة البشر، إنما فى علم الله ما وراءهم ولم يعلم بعد. لكنه تعالى ضمن كتابه ما يريد أن يٌعلِمه لعباده، لحاجة العباد إليه. ومعجزة كتاب الله استدرك عليها الراغب، رحمه الله، عاليه: "معجزة هذا الكتاب أنه مع / قلة الحجم، متضمن للمعنى الجم، بحيث تقصر الألباب البشرية عن إحصائه، والآلات الدنيوية عن استيفائه"، ما أسلفناه من ثراء الدلالة وكثافتها منقطعة النظير. أستشهد أحد العلماء بمداد البحر فى سورة لقمان الذى ينضب ولا يفى، بيناه فى اليومية السابقة.
ثم تأمل قول العزيز العليم:
* لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * (يوسف: 111)
* وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ ۖ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا * (الإسراء: 12)
تعالت حكمته جعل كتابه ليس فقط لا يفرط فى شيئ، إنما أيضاً به تفصيلاً لكل هذا الشيئ، وأكثر أنه فصل الشيئ تفصيلاً، بالمفعول المطلق الذى بيناه من قبل بأنه ينقل الفعل إلى مدارك أعلى فى التفعيل، مثَله من الترتيل إلى التجويد، فأى تفصيل أعلى من التفصيل فى هذا الحيز المحدود من النص وصفحات الكتب؟ ليس التحدى هنا للكفار فقط أن يأتوا بسورة من مثله، إنما التحدى لكل العقول البشرية قاطبة أن تستخرج كنوز القرآن التى لم تسطر بعد. لذا دلهم تعالى وقال:
* وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَىٰ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا * (الإسراء: 89)
* وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَـٰذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا * (الكهف: 54)
تكرار ثنائى بإشارة المثانى، به تقديم وتأخير "لِلنَّاسِ" دلالة على جدل المثانى، فقد عقب فى الكهف بأن الإنسان أكثر الأشياء جدلاً، ولم يقل جدالاً (بينا الفارق فى الكتاب وأن الجدال حالة خاصة من الجدل). فالقرآن لم يفرط فى شيئ، وفصل كل شيئ، وضرب الأمثال للإحاطة بكل شيئ، والأمثال من المتشابه الذى به المنهاج الذى ينبنى على السبع المثانى التى هى كليات الوجود، التى لا تفرط فى شيئ من الوجود، ولهذا ينضب مداد البحر على بساط السبع المثانى. فعدم التفريط لا يعقله بشر من طريق النص إلا أن يكون من قبيل الأساطير، إنما أصله الكليات، سواء كليات الشرعة أو كليات المنهاج. عليه تفصيل بمشيئة العلى القدير هوالأعلم.
رمضان كريم، وصيام مقبول بإذنه جل فضله.
- Add new comment
- 16 views













