لو نظرت في العامل القاسم المشترك الأعظم في الكون والحياة لما وجدت سوى المثانى، في الجماد والأحياء سواء. فالكواكب السيارة والنجوم والشمس والقمر كل له فلك فيه يسبح بأمر ربه، وأن هذا الفلك لا يستقيم ولا يدوم إلا بتوازن بين قوتين، مثاني. فالقمر مثلا يدور حول الأرض بفعل التوازن بين القوة الطاردة المركزية والجاذبية الأرضية. الأرض نفس الشيء بالنسبة للشمس، مثلها كل الأجرام السماوية. لو جئنا للأحياء فالبينات لا تحصى، ولتسأل أصحاب الطب عن توازن الإنسان ليقف على قدمين بدلا من أربع، والجهاز العصبي للإنسان يتكون في الحقيقة من جهازين، إرادي ولا إرادي، مثنى أيضا. إن دققنا أكثر فتجد صحة الإنسان لا تستقيم إلا في توازن بين الوسط الحامضي والوسط القاعدي، مثنى. وقد خلق الله له أدوات الحركة الرئيسية مثاني، يدين ورجلين، وفي أدوات الإدراك الرئيسية مثاني، أذنين وعينين، ثم إنه جلت قدرته هداه النجدين، مثنى.
بل التوازن بين الأوكسيجين وثاني أكسيد الكربون في الإنتاج والاستهلاك من أهم العناصر في استدامة الحياة على الأرض، وكم من مؤتمر عقد لحماية البيئة للحفاظ على هذا التوازن، الإنسان يحتاج الأوكسيجين من النبات والنبات يحتاج ثاني أكسيد الكربون من الإنسان والحيوان، منفعة متبادلة يلزمها الحفاظ على كلا النوعين من الأحياء وإلا الفناء. لو نظرت في مبتكرات الإنسان لوجدتها مبنية على المثانى بطريقة ما، فالكهرباء موجب وسالب، من المثانى. بل الحاسوب (الكمبيوتر) وكل الرقميات Digitals مبنية على رقمين الصفر وواحد (0, 1) أو On و Off، ثنائية. وكل المخترعات في الميكانيكا تنبني على الكتلة الوضعية والجاذبية الأرضية، مثاني.
بل الجزاء في الآخرة إما جنة وإما النار، مثاني. ولو اطلعت على الإمام الشاطبي في موافقاته لدلك على أن الشرع مجراه الرئيسي المثانى، والعقيدة فيها الترغيب والترهيب. أما المنهاج فمبناه السبع المثانى. في الخلق ليس من تكاثر وتعاقب الأجيال إلا بالمثاني، الزوجان، وإلا النهاية، فمن رحمة الله بعباده أن حرم اللواط. هنا أيضا تجد سببا رئيسيا لم كان القرآن عظيم بالمثاني. في الذكر الحكيم دلائل كثر على الزوجين والمثاني.
قال الحكيم العليم:
* حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ* ﴿هود: ٤٠﴾
حفاظا على سنة الله في الحياة واضطرادها. وقال:
* وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ * وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ * وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * (الذاريات: 47 - 49)
محكم قاطع بات أن كل شيء في الكون خلق على المثانى. وقال:
* وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * ﴿الرعد: ٣﴾
في التوازن الذي لا يكون إلا بين طرفين، ثنائية، قال تبارك وتعالى:
* وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ * ﴿الحجر: ١٩﴾
هنا متشابه علمي، فالإنبات للأفراد، قوله: “مِن كُلِّ شَيْءٍ“. أما أن تكون الأفراد موزونة فيلزمها زوجها بطريق ما. التأويل للإنبات جاز على الأرجح ليس استزراعا مثل ما في النبات، إنما الجعل والخلق وأنه تعالى بث فيها التوازن أو خلق منها زوجها، ينسحب على الجماد ومنه الأرض والرواسي المذكورة في الآية الكريمة. المعروف أن الرواسي في الأرض هي الجبال قال فيها العلماء أنها تحفظ “توازن” الأرض أن تميد، دليله من الإعجاز في الذكر الحكيم، ويعنى أن “مَّوْزُونٍ” تنسحب على الأرض نفسها كذلك. فلو دخلت في تركيب الذرات التى منها الصنع لكل موجود. جماد وأحياء، ستجد فيها توازنا بين الإلكترونات والنيوترونات يشبه نظام القمر والأرض أو الأرض والشمس. الإلكترونات السالبة تدور في أفلاك حول النواة التي بها النيوترونات والبوزوترونات الموجبة، أهل الصنعة لهم اليد.
ألم تر أن الخالق البارئ المصور قال:
* فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّـهِ تَبْدِيلًا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّـهِ تَحْوِيلًا * (فاطر: 43)
ثنى تعالى "سنت الله" في آيه واحدة، قاطع في متشابه المنهاج. أما التحدي في عدم التبديل أو التحويل الذي هو تبديل جزئى، فقد قلناه من قبل، أنه لو حدث لما كان هناك من بشر يرصد أو "يجد". تخيل لو انحرف فلك الأرض لكانت يوم القيامة. ليس فيه تخيل فقد قدر اسحق نيوتن عمر الحياة على الأرض بناءا على حسابات مسار الأرض حول الشمس وقال بنهاية العالم عام 2031م. الحسابات اختلفت الآن مع تقدم العلوم وأهل الفلك لهم قول آخر، لكنه في النهاية من غيب أنباء الآخرة في علم الله، وعلم الله في هذا الصدد ضمنه تحذيره من المساس بسنته جلت قدرته. فهل من ذى علم ليتعظ؟ نحمده جل في علاه أن استطعنا بفضله وهداه أن نقف على هذا النفير على قوم تكبروا على سنته بالعلم. والله أعلم.
أما سنة الله في كل الأمم والأقوام عند علماء الإسلام بمختلف مشاربهم فهى ركائز الدين الحنيف مع كل الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام من توحيد ووعد ووعيد، دنيا وآخرة، فهى متسقة معهم جميعا، فيها الشرع وإن اختلفت التفاصيل بمقتضى الحال. قول الحق تبارك وتعالى:
* شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّـهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ * ﴿الشورى: ١٣﴾
أما أن المنهاج هو أيضا من سنته تعالى مع كل الرسل والأنبياء فقد تكلمنا فيها من قبل، وهنا دليل ثالث، قول الرؤوف الرحيم:
* سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا * ﴿الإسراء: ٧٧﴾
الدليل الثالث المطلوب للاستدلال في وعلى المنهاج ومن ثم المثانى. فكانت سنة الله التي لا تتحول تتضمن السنة في الكون بالخلق كما ذكرنا، المثانى والتوازن، وتتضمن التوحيد والشرعة والمنهاج، أوسع أبوابها. النفي في آية فاطر ب "لَن" قاطع وبات لأنه كما قلنا معناه الفناء وليس ممن "يجد" شيئا، أما هنا فالنفي ب "لا"، تعنى أنك لو بحثت في الشرائع وسنن الله مع الأنبياء والرسل، عليهم الصلاة والسلام، لا تجد تحويلا منذ آدم، عليه السلام، وهو دليل توحيد، فوحدة النسق من وحدة الخالق.
وسبحانه الخلاق العليم الذي طرح على الناس سؤال المثاني:
* فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * (الرحمن)
مدار السورة مثاني وتوازنات في سنته جلت قدرته وسؤال التكذيب ينصب على كل منها. إن خصص التساؤل فلزم النظر في كل تصنيف على حدة أسبابه وكيفيته، ظاهره وباطنه مستقلا، المشترك هو المثانى والميزان. قول الرحمن الرحيم:
* الرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ * الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ * وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ * وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ * وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ * فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ * وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ *
افتتح جلت قدرته السورة بصفاته، وبين تنزيله وخلقه في علم وعلى علم، ثم نبه على سنته في الميزان، ونبه الناس في نذير ونفير ألا يطغوا في الميزان، ميزان الكونيات والحياة وميزان الاستحقاق والحدود والفرائض، سنته في الكون وفي الشرع سواء. فيها تفصيل جم.
التوازن دليل الوحدانية:
الحمد لله رب العالمين الذي فطر السماوات والأرض والحياة على المثانى في توازنات لا تختل ولا تمل، بديع السماوات والأرض على نسق ونظام واحد، سخرها لخير البشر، ثم استوى على العرش (مجازا)، يدبر أمرها وفصولها بقدرة الخالق البارئ المصور القدير العليم الحكيم، برهان ساطع على أنه إله واحد أحد لا شريك له، في الخلق ابتداءاً وفي النسق وفي النظام وفي التدبير وفي المصير.
قال الواحد الأحد:
* لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّـهُ لَفَسَدَتَا ۚ فَسُبْحَانَ اللَّـهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ * (الأنبياء: 22)
في التفسير والبرهان على وحدانية الله ضرب المتكلمون مثلا بالجسم الساكن وتنازع الآلهة إن لم تكن وحدانية فقالوا:
< لو افترضنا وجود إلهين قادرين على الفعل والترك أمكن التمانع بينهما بأن يريد أحدهما تحريك الجسم ويريد الآخر تسكينه، ويقصد كل منهما إلى تنفيذ مراده، فلا يخلو الأمر من وقوع أحد الاحتمالات الثلاثة الآتية:
الأول: تقدير حصول مراد كل منهما، وذلك محال، لما يلزم عليه من اجتماع الضدين.
الثاني: تقدير ارتفاع مراد كل منهما، وذلك محال أيضا لامتناع خلو الجسم من الحركة والسكون. ولو صح وقوع هذا التقدير لما استحق كل منهما أن يكون إلها لعجزه عن تنفيذ مراده.
الثالث: تقدير نفاذ مراد أحدهما دون الآخر، وحينئذ فالذي نفذ مراده هو الإله القدير دون غيره.>
منطوق الآية الكريمة على المثاني، مثني "فِيهِمَا" ولفظ الجلالة كرر مرتين مع الجمع "آلِهَةٌ". فالأولى برهانا في المثل الذي ضربوه أن يكون هناك توازن بين طرفين (ثنائية) من سنة الله في الكون بدلا من الجسم، لأن في التوازن الكوني قدرة الإله أكثر من الجسم، أكثر مما يطيقه البشر، مثل توازن الأرض في فلكها حول الشمس ضمن ما تعنيه الآية، قوله: "فِيهِمَا" الضمير يعود إلى السماوات والأرض. فالأولى بالمسألة ما كبر في الخلق والتدبير لإثبات الألوهية.
المسألة أن يكون هناك إلهين قادرين على إما الحفاظ على التوازن ومصيره بمراده، أو حرفه وتمييله إلى أحد الاتجاهين حسب إرادته. النظر العقيدي هنا هو الشرك.
الإحتمال الأول: كما قالوا فرض الإرادتين يمتنع باجتماع الضدين. هنا يمتنع أيضا لامتناع مصيرين في الواحد الذي هو التوازن، قوله تعالى: "وَإِلَى اللَّـهِ الْمَصِيرُ"، مراد الخالق وتدبيره. التوازن الكوني ليس فيه توازن السكون إن تساوى الإلهين في القدرة. إن تساوى فسد التوازن بانعدام المصير في الوجود، قوله: "لَفَسَدَتَا". من ثم لم يكن من تدبر مرجعه عدم اجتماع الضدين، لأنه لو اجتمعا انتفي التدبر والمصير بتساوي القدرة. فإن قال أهل العلم أن الجسم الساكن في توازن تام بين قوتين متساويتين، قلنا أن التوازن الكوني يختلف بما فيه من مصير، نعرفه مؤقتا بغلبة أحد القوتين على أخرى بنسبة ضئيلة جدا لا تكاد تذكر، بل إن من أدوات العلم ما لا يستطيع رصده اعتمادا على علم العصر، كأن تقع السماوات على الأرض مجازا والمذكور في القرآن لاضطراب في توازن الأرض على سبيل المثال، قوله جلت قدرته:
* أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّـهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّـهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ * ﴿الحج: ٦٥﴾
فكان هذا الإبداع في الصنع والقدرة في تدبر المصير من رحمة الله بعباده. فيه تفصيل علمي مع قوله تعالى:
* وَلِلَّـهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ * ﴿المائدة: ١٨﴾
وقوله:
* وَلِلَّـهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّـهِ الْمَصِيرُ * ﴿النور: ٤٢﴾
كرر الدليل مرتين مع فارق الحياة، ليبين أن سنة الله على المثانى لها مصير، تصير إليه بتدبيره وإحكامه ومشيئته. بمعنى آخر أن المصير يعتمد على المثانى تحته من حيث النوع والتركيب.
الوحدانية والتدبير والمصير في قوله اللطيف الخبير:
* وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّـهِ إِلَـٰهًا آخَرَ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * ﴿القصص: ٨٨﴾
الهلاك يكون إما بتعدد الآلهة إبتداءاً بلا مصير، وإما بالجور على المثانى والتوازنات في الكون، وإما بإرادة الله الكامنة في المصير. فيها من الكلاميات الكثير.
وفي قوله:
* وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * ﴿يس: ٣٨﴾
الشمس تجرى حالها مع الحياة، فإن استقرت كان الهلاك في الآية السابقة، المصير المقدر.
الثاني: الذي قال به المتكلمون قائم كبرهان عقلي. وهنا لأن الأمر خلا من المصير المتعلق بالقدرة. في نظرنا أن هذا الإحتمال لا لزوم له لأننا بإزاء النظر في القدرة لا العجز، لأن في القدرة ألوهية وفي عجز الإله الكفر ما يخرج عن النظر الأصلي وهو الشرك. الفرض ليس إلا سفسطة.
الثالث: هو التنازع على فرض السيطرة أو التحكم في التوازن. يمتنع غلبة أحدهما بميله إلى جانب ما لأن فيه الفناء، قوله تعالى: "لَفَسَدَتَا" كما في آية الأنبياء، ما لم يعتبره المتكلمون في منطقهم، فليس من فساد في حركة الجسم أو سكونه الذي ضربوا به المثل، وإن كان إثباتا للإرادة والقدرة.
وعليه فقد ثبتت الوحدانية والألوهية في إبداع الخلق وفي التدبر بالحفاظ على التوازن إلى مصيره، وامتناع اجتماع الضدين على مصير واحد، والفساد الناتج في أي الأحوال. من هنا كان التأويل على المثانى والتوازن، سنة الله في خلقه، أقرب وأبين لما جاء في الآية الكريمة.
نحن نعلم أن مثالنا فيه علم لم يتحصل في زمن المتكلمين. فكما قلنا ونقول أن لا ملام عليهم إن لم يتحقق دليل التأويل العلمي في عصرهم، وهم السباقون في العلم وحتى الطبيعي منه. فهم المتكلمون الذين قالوا بالاستشهاد على الغائب بالشاهد والذي أصبح فيما بعد ركن ركين في المنهج العلمي التجريبي لاستكناه المجهول والإجابة على سؤال الماهية ووضع النظريات. كان ذلك وما زال جليا في علوم مثل الكيمياء والفيزياء. الموضوع يطول شرحه. مقصدنا أن الدلائل الكامنة في الرسالة الخاتمة بثت فيها لكل العصور وإلا لم تكن خاتمة، منها ما هو في زمن الوحي وعليه أسباب التنزيل ومنها ما هو لعصر الفضاء كتناقص الأكسيجين كلما ارتفعنا في الفضاء دليله قوله: "كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ" الآية، سبق.
مع ذلك فهناك من الأمثلة في الذكر الحكيم التى تصلح كحجة في هذا المقام بلا أدلة علمية عصرية، مثل قوله تعالى:
* قَقَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّـهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ * (البقرة: 258)
هذا مثال كوني لا يطيقه البشر ولا بد له من إله خالق عالم مدبر وقادر بديع في صنعه، متقن في إحكامه، حكيم وعالم. ولا يلزم تحقق هذا الشرط مع الجسم الذي ضربوا به المثل. أن يأتي أحد الآلهة بالشمس من المغرب فيأتي بها الآخر من المشرق ليثبت ألوهيته وقدرته. لو تساويا في القدرة فسد النظام الكوني، لأن تعاقب الليل والنهار والمشرق والمغرب سببه وأساسه دوران الأرض حول نفسها. لو لم يكن لكانت الهلكة للأحياء على الأرض. حجة إبراهيم عليه السلام بحد ذاتها إعجاز علمي في الخلق والتدبر لم نتوفر على إجابة أو علم فيه بعد، لماذا تدور الأرض في هذا الاتجاه الكائن بدلا من الاتجاه العكسي حيث يصبح المغرب الكائن مشرقاً والمشرق مغرباً؟ أهل الفلك لهم القول الفصل.
واضح أن القدرة هنا غير القدرة على تحريك الجسم الساكن الذي لا يتبعه فساد بالضرورة، والذي كما قالوا فيه لو غلب أحدهما كان الإله القادر المدبر فإثبات الألوهية. لكن التوازن الكوني في مثالنا وعلى أى وجه كانت نتيجة التنازع بين إلهين أو أكثر ترتب عليه الفساد المذكور في آية الأنبياء وهو فساد السماوات والأرض، ما يفضي لا محالة إلى فناء أحياء الأرض. إن شئت قلت كان يوم القيامة تحت أي فرض كان، سواء تساوى في القدرة أو غلب أحدهما بقدر ما، فنفي للتعددية وإثبات الإله الواحد طالما كان هناك أحياء على الأرض.
ابن رشد يعتبر الفساد في التعددية:
القاضي والحكيم أبو الوليد ابن رشد، رحمه الله، في كتابه "مناهج الأدلة"، وبعد أن فند مزاعم المتكلمين المختلة في التدليل على وحدانية الله، ساق هذا المثال لتفسير آية الأنبياء:
< من المعلوم بنفسه أنه إذا كان ملكان كل واحد منهما فعله فعل صاحبه، أنه ليس يمكن أن يكون عن تدبيرهما مدينة واحدة. لأنه ليس يكون عن فاعلين من نوع واحد فعل واحد. فيجب ضرورة – إن فعلا معا – أن تفسد المدينة الواحدة، إلا أن يكون أحدهما يفعل ويبقى الآخر عطلا، وذلك منتف في صفة الآلهة. فإنه متى اجتمع فعلان من نوع واحد على محل واحد فسد المحل ضرورة.>
ارتفق بمعطيات الذكر الحكيم فوضع الفساد في الاعتبار. أيضا أبطل الفرض الثاني للمتكلمين لأنه لا يتناسب والألوهية، كما رتب المسببات على أسبابها بالتدبير، وإن غاب عنه المصير الذي يمكن اعتباره متضمنا. هو يعتمد على المماثلة التي تجلب الإحتمال ولا تقتضي الألوهية، بينما مثالنا مستقى من معطيات الذكر الحكيم مبنيا على سنة الله في الكون، وشرطه الإله القادر المدبر الحكيم العليم. أما المدينة فتدبيرها بشرى لا توفي بالمطلوب كاملا. يمكن القول بأنه لا اختلاف بيننا في منطق البرهان ولا منهج التفكير في التدليل بالذكر الحكيم والاستدلال العقلي والعلمي، فهو دائب الذكر للدليل النقلي والتمثيل بالعلم الطبيعي، لا ينفك لسانه عنهما، النقل والعقل.
يتميز عن غيره بأنه يضع الجمهور في الاعتبار لأن معرفة الخالق غير مقصورة على ذوى العلم. هو يتبع في ذلك حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: "إنا معشر الأنبياء أمرنا أن ننزل الناس منازلهم، وأن نخاطبهم على قدر عقولهم"، ليس من مفارقة للشرع كما فعل الكلاميون، وفي هذا مثاله فصيح، يفرق بين العلم الخاص والعلم العام. لم يلجأ إلى سفسطات المتكلمين، وهو المكين في منطق اليونان، في التدليل على الخالق ووحدانيتة في كتابه هذا "مناهج الأدلة"، إنما أمثلة مباشرة من الذكر الحكيم ضمنها الأجرام السماوية كما في مثالنا، لكنه لم يعمد إلى التوازن للفارق الزمنى في العلم. وكذب من افترى وقال عن بعده عن الشرع، فقد كان ابن رشد في مسألة الخالق ووحدانيته، وإن كنا لا نتفق معه تماما في مفهوم الاختراع، كان أقرب للشرع مرتفقا به أكثر من أى من المدارس الكلامية بمن فيهم الأشعرية والصوفية الذين غلب عليهم السفسطة يريدون أن يناطحوا الإغريق في جدلهم ومنطقهم، مع أو ضد. أما في الصفات فكانت له هفوات مثل الجميع، إما لفوات الدليل وإما لنقصه. الخطاب الديني للجمهور موضوع شائك ومسألة عويصة، فمن الذي يتولى في عصر التخلف والاختلاف والتشرذم؟
---------------------------
الدلالة على أن سنة الله في الكون هى المثانى والتوازن لا يحصرها كتاب، متكاثرة في الذكر الحكيم. من أكثرها برهانا وبيانا قول الأول والآخر جل ذكره:
* وَهُوَ اللَّـهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَىٰ وَالْآخِرَةِ ۖ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ* قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّـهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ اللَّـهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ ۖ أَفَلَا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّـهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ اللَّـهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ* وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ *وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ * (القصص: 70- 4)
ثنى جل شأنه السرمد مع الليل والنهار وثنى استنكاره لغيره إلها، دلالة على أن تحت النهار وحده أو الليل وحده لا تكون حياة، فجعل الليل سكنا لعباده والنهار لمعاشهم ولتستديم الحياة رحمة بهم، في ثنائية تشتمل التعاقب. تتضمن فيما تتضمن دوران الأرض وتوازنها في فلكها وإلا لما كان من تعاقب، الأسباب في عيونها. قرر في البداية أنه لا إله إلا هو وتساءل في النهاية هل له من شركاء يزعمون؟ كما كان التساؤل عن طرق الاستدلال في ذلك، الحواس البشرية من سمع وبصر. هذا إن لم يعقلوا بعقولهم، ولو فعلوا لما احتاجوا لهذا البرهان. فجعل البرهان متيسرا لكل البشر لما فيهم من إحساسات، ليست في احتياج إلى مناطقة ولا إلى متكلمين. وما أنصع وأفصح وأبين منه دليلا وأحكم برهانا على الوحدانية، يعقله الناس جميعا من به علم ومن ليس به، برهان مبسوط لكل ذى أذنين وعينين، ليس فيه تكلف ولا يحتاج فيه إلى سفسطة، من ثم ليس منبعا للاختلاف بين المتحذلقين ولا الجمهور في لغة ابن رشد. برهان يملأ حياتهم بالوحدانية ليل نهار، وليس من مكان للنفي أو الاستكبار. والله أعلم.
الآيات الكريمة على وجه آخر فيها إعجاز علمي، فلم جاء السمع مع الليل، والبصر مع النهار، وإن كان الأخير أقرب في التأويل. ووجه ثالث في قوله: "يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ ۖ أَفَلَا تَسْمَعُونَ"، جعل فيه السمع دليلا على عدم الضياء، ولم يقل "النور". مثله قوله تعالى: "تَسْكُنُونَ فِيهِ ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ"، ومعلوم أن سكنى الليل، الذي يعنى في المقام الأول النعاس، ليس فيها إبصار. فهذه آيات بينات فيها من البلاغة ما هو ذاخر بالعلم. والله أعلم.
الأمثلة التي سقناها من الذكر الحكيم تثبت أيضا الإبداع في الخلق مثلما تثبت القدرة في تدبر المصير الذي غاب عنهم في مثلهم وهو من صفات الألوهية. أمثلتنا تثبت أن الكون برمته والحياة في صميمها بهذا الذي نعيشه في نظام بديع متقن الإحكام، ونسق لا اختلاف ولا اختلال ولا فساد فيه على المثانى وفي توازنات لا تنقطع لا تميل ولا تمل، لا بد له من خالق ومدبر واحد.
سبحانه وتعالى بديع السماوات والأرض، هو الواحد الأحد الأعلم، لا شريك له، به التوفيق ومنه الهدى والرشاد، جل فضله.
--------------------------------------------------------
ابريل: 2013
- Printer-friendly version
- 21 views











