* مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّـهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * (البقرة: 106)
يعنى النسخ فى المعجزات لا آيات التلاوة، وما تنزل القرآن الكريم لينسخه بشر بتأويل، دليل أول عقلى مناطه التنزيل على أسبابه المثبته فى النقل ومع علماء الإسلام. فى هذا المقام نورد أدلة أخرى من الذكر الحكيم على أن المقصود هو المعجزة لا آية النص القرآنى، التلاوة فى المشهور.
أمامنا لفظان: "آية" المفرد وجمعها "آيات". جاء المفرد فى عمومه بما يعنى المعجزة، بينما الآيات تراوح معناها بين المعجزات وبين التلاوة، وفى آية النسخ جاء المفرد وليس الجمع. المفرد ذكر 87 مرة فى 79 آية حسب ما أنتجه معول البحث فى ألفاظ القرآن الكريم. ما يعنى أنها ذكرت على التثنية فى أربع آيات. لو تفحصت المعنى من خلال النص الذى تضمنها ما وجدت شبهة فى معنى المعجزة إلا فى حالات نادرة.
إستقراء أول، المحكم:
من أوضح المعنى بالمعجزة قول الحكيم العليم:
* وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّـهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَـٰذِهِ نَاقَةُ اللَّـهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّـهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * (الأعراف: 73)
قوله: "هَـٰذِهِ نَاقَةُ اللَّـهِ لَكُمْ آيَةً" جملة محكمة نصيا وفيها المقصود ب "آية" هى معجزة ناقة نبى الله صالح عليه السلام. أما أن هذه الآية "بينة" ففيها بيان الإعجاز، تأويلها وتفصيلها فى مقام آخر بإذن الرحمن الرحيم.
مثل ذلك الوضوح المباشر فى قوله جلت قدرته:
* ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * ﴿النحل: 69﴾
قوله: "إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً"، محكم متكرر فى الذكر الحكيم خاصة سورة الشعراء، وباقى الآية من متشابه الإعجاز.
وقوله:
* وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ * ﴿المؤمنون: ٥٠﴾
بالرغم من التشابه فى الإفراد "آية" الذى تناوله بعض المفسرين وأجازوا أن يكون على المثنى "آيتين"، فإن ذلك لا يغير من مقصودنا شئ. ففى كلا الحالتين يكون المعنى بالآية هو المعجزة لا النص، أن الله جعل عيسى وأمه مريم عليهما السلام آية أو آيتين من المعجزات، لا شبهة فى المعنى المباشر محكما. والله أعلم.
ثان، المتشابه:
على الجانب الآخر تجد النص على أن المفرد "آية" يعنى معجزة جاء نصا فى متشابه، بمعنى آخر أنه أينما ذكر اللفظ المفرد ستجد متشابه يحتوى على معجزة ما، قوله أحكم الحاكمين:
* وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّـهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ * (البقرة: 118)
دليل المتشابه فى قوله: "تَشَابَهَتْ" لا شبهة فيه لأن المعنى متصل فى قوله: "كَذَٰلِكَ" التى فيها تشبيه ثان بكاف التشبيه. ودليله فى قوله "قُلُوبُهُم" يعنى فى التأويل المضمون لا الشكل، الباطن لا الظاهر، طلب التأويل للوصول إلى حقيقة المضمون. حرف "أو" بمعنى البدل، و" آيَةٌ" بدل "يُكَلِّمُنَا اللَّـهُ"، وكلام الله لهم من المعجزات، فكان المقصود آية من المعجزات. أما التبيين فهو المطلوب من التأويل. في الآية الكريمة إشارة للمنهاج حيث كررت "قال" مرتين، إشارة للمثانى، وكررت مرة ثالثة فى "قولهم" لتكتمل إشارة المنهاج الثلاثية، مع الفارق بين الفعل والإسم، لكنه يعد من التكرار فى علامات المنهاج له درجات أساسه "الجذر" النحوى للفظ، من البعيد فى التأويل ومبحث عظيم ليس مقامه. لكن التكرار فى المثانى يجئ فى الغالب مطابقا مثل التثنية فى "قول". وقد ذكرنا من قبل أن الإعجاز باب من أبواب المنهاج.
معنى "آية" أنها معجزة يستقى أيضا من قصة المائدة، وفيها يطرح اللبس فى لفظ التنزيل ومقاماته المختلفة من الإعراب المبنى على الجذر، الذى يحتمل المعجزة كما يحتمل آية كتابية مثله مثل لفظ "آيات". قوله الخلاق العليم:
* إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ ۖقَالَ اتَّقُوا اللَّـهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * قَالُوا نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ * قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّـهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ قَالَ اللَّـهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ ۖ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَّا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ * (المائدة: 114)
من المتشابهات. معلوم أن "آية" عائدة على "مائدة" من معجزات عيسى عليه السلام، ولا تخطأ الإشارة للمثانى فى تكرار قوله: "عِيسَىابْنَ مَرْيَمَ" و"مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ" و"أُعَذِّبُهُ"، ثلاثة من المثانى، ثم تثنية إشارة المنهاج ثلاثا فى قوله: "عَذَابًا" و"مُنَزِّلُهَا". التثنية فى "الرزق" بعيدة فى التأويل أساسها الجذر النحوى للفظ كما سبق. الآيات الكريمة غنية فى تأويلات المنهاج بإعتبار الأكل والإطمئنان فى القلوب والصدق والشهادة، وتدلل دلالة قاطعة على أن الإنجيل به منهاج، سببا من أسباب بعثة محمد عليه الصلاة والسلام كما سبق فى مواضع أخرى. والله أعلم.
آيات المائدة ترفع اللبس فى تفسير آية الشعراء قوله تعالى:
* إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ * ﴿الشعراء: ٤﴾
لا تشير الآية الكريمة إلى نوعية "آية"، هل هى من المعجزات أم الآيات القرآنية. لكن هناك رابط التأويل أو القرينة فى المنهاج قوله: "يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ" فى المائدة، وقوله: "نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ" فى الشعراء. فى المائدة "آية" معرفة بالمائدة، أما فى الشعراء فمبهمة، تفسر الأولى الأخيرة وتعرف "آية" بصفتها أنها آية من المعجزات مثل "مائدة". دليل معنى المعجزة يستدل عليه أيضا من قوله: "أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ"، متشابه لا يدل على آية من التلاوة تستدعى القراءة إنما التعلق بالنظر إليها فى السماء، معجزة فى الخلق أو الغيب. جاز فى التأويل أن التعلق بها من حيث أنها من إبداعات الله فى الكون، كان الإبداع فى السماء أو الأرض أو الأنفس، من باب الدهشة والإنبهار. الآيات ترفع أيضا اللبس فى معنى لفظ التنزيل، هل هو تنزيل آية معجزة أم كتابية؟
على ذلك إذا نظرت فى كل مواضع "آية" الإسم المفرد ستجد أن المقصود معجزة أو الحكمة والبرهان لا آية من التلاوة. طريقة التأويل هذه يمكن أن نطلق عليها المنهج الإستقرائى فى المعانى، متبع من قبل كثير من علماء الإسلام فى تدبر القرآن الكريم وإستنباط الأحكام وإستكناه المعانى فى اللغة. الجديد فيه أنه سائغ مع المنهاج أيضا ومن طرق تأويله، يعتمد القرينة أو الرابط. والله أعلم.
القرآن حمال أوجه كما قال الإمام على رضى الله عنه، صحيح فى المتشابه لا المحكم كما ذكرنا، سائغ فى التطبيق مع قول العزيز الحكيم:
* وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ * (الأنعام: 4)
فيها مسألتان. الأولى أن هنا ثنائية الفرد والمجتمع فى المنهاج، "آية" مفرد وجمعها "آيات"، فكانت نوعية "آية" هى آية منهاجية. وقد وردت أدلة كثيرة تدلل على النوعية إن كانت من معجزات العقيدة أو الشرعة أو المنهاج. الثانية فى الإعراض ويأتى على وجهين، الأول إعراض عن معجزات ربهم فى الخلق والبرهان على وحدانيته. الوجه الثانى إعراض عن آيات التلاوة، أن فاتهم تأويلها، ما هو حاصل حتى يومنا هذا حيث المنهاج كمثال مازال مطمورا فى متشابه الذكر الحكيم، ضمنه آيات من إعجاز الله. دليل تأكيد الإعراض عن المنهاج قوله الغفور الرحيم:
* سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ * (الإعراف: 146)
قوله: "غَافِلِينَ"، يؤدى معنى الإعراض فى الأولى. هنا ثنائية الفرد والمجتمع فى "آية" و"آيات"، وثنائية الغاية والوسيلة فى "سبيل". فيها "آية" و"آيات" بمعنى المعجزة أو العبرة أو الحكمة، كلاهما المفرد والجمع النحوى. فى الحقيقة أنه معنى مزدوج سائغ تأويله على وجه أنها المعجزة أو التلاوة، لأن آيات المنهاج النصية من التلاوة بديهيا، وعلى الوجه الآخر أنها آيات إعجاز المنهاج فيها معنى المعجزة، مضمون آية التلاوة مثل ما سبق عن قصة الخضر وموسى عليهما السلام فى موضوع "الإضطرار والمشقة فى المنهاج". نحن نجرى معنى "آية" على وجه واحد أنها من المعجزات، أما الإحتمال فيكون فى الجمع "آيات"، صح فيه الوجهان كما سيأتى بإذنه تعالى. والله أعلم.
ثالث، اللبس فى النسخ:
اللبس فى النسخ أو التبديل أو الإحلال فى معنى "آية" بناء على النص القرآنى، والذى أدى إلى القول بالنسخ، يمكن النظر فيه بنفس منهج التأويل السابق. الآيات المشتبه فى معانيها مثل قوله تعالى:
* وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ ۙ وَاللَّـهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * (النحل: 101)
متى كان هناك تكرار كان متشابه المنهاج وفيه المثانى، قاعدة تأويل فى المنهاج. لم يقل أحد من علماء السنة والجماعة بالتبديل فى التلاوة، فاللوح المحفوظ محفوظ منذ الأزل لا تبديل فيه، وقد قال تعالى: "لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّـهِ"، كلماته تلاوة وطبيعة فى نص محكم لا شبهة فيه. فكان معنى "آية" هنا أنها معجزة والتبديل فيها بمعنى الإحلال لا المحو، فليس فى الأخبار نسخ البته كما سبق مع العلماء فى مقالات الطير.
وقوله:
* وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ ۖ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا * (الإسراء: 12)
من المتشابهات فى الإعجاز وبالتكرار كليهما. قال فيها المفسرون بالطبيعيات، الشمس والقمر، ولا تحتمل معنى التلاوة فى "آية"، ليس من محو فيها كما هو معلوم لم يتطرق إليه المفسرون. الأرجح عندنا أن المعنى به هو فى الإعتقاد إخراج الناس من الظلمات إلى النور بالمثانى، التثنية فى "آيَةَ"، فيمحو آيات الظلمات الكافرة ويجعل فى محلها آيات الإيمان نورا يهدى إليه بصيرة بنى البشر. التأويل البعيد فيها أن المثانى بإعتبارها كليات الوجود هى نور العقل، ومنه التنوير. أما إبتغاء الفضل فراجع للنهار، وعدد السنين والحساب راجع لكليهما بلا محو، قوله: " آيَتَيْنِ". وأما التفصيل فمطلب التأويل وعلى العلماء تقع التبعة. سبحانه وتعالى نور السماوات والأرض، هو الأعلم.
وقوله:
* وَمَا نُرِيهِم مِّنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * (الزخرف: 48)
من المتشابهات بالإعجاز والتكرار كليهما. فليس من آية قرآنية أكبر من أختها، إنما المعجزات.
ثم قوله:
* مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّـهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * (البقرة: 106)
من المتشابهات كما سبق، ولكل ما سبق من دلائل لا تحتمل معنى التلاوة فى "آية" النسخ. فثبت أن لا نسخ فى القرآن الكريم. وثبت أن معنى "آية" اللفظ المفرد فى الذكر الحكيم هو "معجزة" لا تلاوة. والله أعلم هو الهادى إلى سواء السبيل وإلى الحق فى التبيين.
رابع، أنواع "آية":
يأتى المقصود من "آية" على أنواع من المعجزات، إما فى العقيدة وإما الشرعة وإما المنهاج. سبق التدليل على معجزات المنهاج، وفيه آيات الغيب:
* وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّـهِ فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ * (يونس: 20)
لا يتصور نزول آية من التلاوة فى المنظور من الغد، إلا تلك التى نزلت بعد نزول هذه الآية وحتى إنقطاع الوحى، والغيب فى علم الله. القرآن يصدق بعضه بعضا، فتجد مثل هذا المعنى فى قوله تعالى:
* سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * (فصلت: 53)
جاء الجمع فى "آيات" بمعنى المعجزات، لا غبار عليه، والمقصود فى كل الأزمنة بإطلاق، والأفاق تتعدى زمن الوحى.
* وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّـهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ * (الرعد: 27)
قال فيها الإمام الطبرى، رحمه الله، فى تفسيره "جامع البيان":
<يقول تعالـى ذكره: ويقول لك يا مـحمد مشركو قومك: هلا أنزل علـيك آية من ربك، إما ملَك يكون معك نذيراً، أو يـلقـى إلـيك كنز، فقل: إن الله يضلّ منكم من يشاء أيها القوم فـيخذله عن تصديقـي والإيـمان بـما جئته به من عند ربـي ويهدي إليه من أناب، فرجع إلى التوبة من كفره والإيمان بما جئته به من عند ربه ولـيس ضلال من يضلّ منكم بأن لـم ينزل علـى آية من ربـي ولا هداية من يهتدى منكم بأنها أنزلت علـيّ، وإنـما ذلك بـيد الله، يوفِّق من يشاء منكم للإيـمان ويخذل من يشاء منكم فلا يؤمن.>
لم يقل بأنها "آية" نصية كتابية، وكلامه فى الإعتقاد.
فى العقيدة ما هو أوضح من ذلك، آيات الإعجاز الإلهى مع الرسل موسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام، آيات العصا وإحياء الموتى والإسراء والمعراج على الترتيب، وفيما بينها معنى النسخ بالتبديل الأكبر والأخير. وردت قصة عصى موسى عليه السلام فى غير موضع فى الذكر الحكيم، فى سورة الأعراف قال العلى القدير:
* قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ * قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * (106 - 8)
"آية" موسى إلى فرعون وقومه هى عصاه بمآربها، يوزع بها غنمه ويلقيها فتلقف ما يأفكون من السحر. وصفها تعالى فى موضع آخر بقوله:
* لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى * (طه: 23)
راجع إلى قوله تعالى:
* وَمَا نُرِيهِم مِّنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا * (الزخرف: 48)
الآيات الأخوات هى آيات كبرى فى الإعتقاد خص بها سبحانه وتعالى رسله موسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام لإثبات النبوة والتوحيد. وفيها معنى النسخ أن تأتى الأخرى أكبر من سابقتها.
وصف الخلاق العليم آية الإسراء والمعراج مع محمد عليه الصلاة والسلام أنها من الآيات الكبرى، قوله:
* سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ* (الإسراء: 1)
فى التفصيل قال تعالى:
* وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَىٰ * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَىٰ * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ * فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ * عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَىٰ * عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىٰ * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ * لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ * (النجم: 12 - 18)
وما جاء وصف الآية بالكبرى إلا مع آيات موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام. بالضرورة هو نفس الوصف مع آية عيسى عليه السلام وإحياء الموتى. وكان النسخ فيها بمعنى الإحلال، الاحقة أكبر من السابقة الكبرى. الإسراء والمعراج من الآيات الكبرى أكبر من إحياء الموتى ومن عصا موسى لأنها مثال ليوم البعث، سبق. وتجد "الرؤيا" على الجذر، "لنريك"، "نريهم"، و"نريه"، و"رأى"، مقترنة بالآية الكبرى وكأنها تمييز لها وقرينة التأويل الإستقرائى، فيها تفصيل. والله أعلم.
* وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ * (البقرة: 145)
الآية الكريمة تفسرة بالمفهوم الزمنى لما سبقها من آيات عن القبلة، وقد قلنا فيها بثنائية الفرد والمجتمع فى المنهاج. إشارة المثانى فى قوله: "بِتَابِعٍ"، وإشارة المنهاج الثالثة فى "تَبِعُوا" وفى "قِبْلَةَ" ثلاثا. دل على أن المراد فى العبادات الإختلاف بين الشرائع السماوية بمفهوم زمنى، فقد إختلفت القبلة فى الإسلام عما قبله، ما يفيد معنى النسخ فى قبلة الصلاة.
الزمخشرى فى "الكشاف" حمل المعنى فى تفسيره للآية الكريمة على أنها "آية" برهان وحجة:
<*بِكُلّ ءايَةٍ* بكل برهان قاطع أن التوجه إلى الكعبة هو الحق، ما تبعوا *قِبْلَتَكَ* لأن تركهم اتباعك ليس عن شبهة تزيلها بإيراد الحجة، إنما هو عن مكابرة وعناد مع علمهم بما في كتبهم من نعتك أنك على الحق.>
الرازى فى "مفاتيح الغيب" قال أولا بالمعنى العام للآية وتعريفها:
<المسألة السابعة: الآية: وزنها فعلة أصلها: أية، فاستثقلوا التشديد في الآية فأبدلوا من الياء الأولى ألفاً لانفتاح ما قبلها، والآية الحجة والعلامة، وآية الرجل: شخصه، وخرج القوم بآيتهم جماعتهم، وسميت آية القرآن بذلك لأنها جماعة حروف. وقيل: لأنها علامة لانقطاع الكلام الذي بعدها. وقيل: لأنها دالة على انقطاعها عن المخلوقين، وأنها ليست إلا من كلام الله تعالى.>
ثم فيما بعد خصص المعنى المقصود فى الآية الكريمة بأنه آية من المعجزات:
<أما قوله تعالى: *مّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ* فيه مسألتان:
المسألة الأولى: أنه تعالى لم يرد بذلك أنه نفس العلم جاءك، بل المراد الدلائل والآيات والمعجزات، لأن ذلك من طرق العلم، فيكون ذلك من باب إطلاق اسم الأثر على المؤثر، واعلم أن الغرض من الاستعارة هو المبالغة والتعظيم فكأنه سبحانه وتعالى عظم أمر النبوات والمعجزات بأن سماها باسم العلم، وذلك ينبهك على أن العلم أعظم المخلوقات شرفاً ومرتبة. >
يدلل الرازى بالعلم على أن الآية من المعجزات ومن معجزات النبوة لا آية من التلاوة. أبعد من ذلك بدلائل العلم الحديث أنها آية من الإعجاز العلمى أيضا إلى جانب التكليف فى العبادة، فقد ثبت أن مكة المشرفة قبلة المسلمين فى الصلاة تقع فى مركز الأرض. وعليه ثبت جواز التأويل على الوجهين، التكليف والإعجاز العلمى. كلا من العالمين الزمخشرى والرازى لم يقل فى الآية بمعنى آية التلاوة. فثبت المعنى الأصيل فى النسخ بين الرسالات السماوية.
* وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُونِ * ﴿آل عمران: 50﴾
الطبرى فى "جامع البيان" قال:
< يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: وبأنـي قد جئتكم بآية من ربكم، وجئتكم مصدّقاً لـما بـين يديّ من التوراة، ولذلك نصب «مصدّقاً» علـى الـحال من جئتكم. والذي يدلّ علـى أنه نصب علـى قوله وجئتكم دون العطف علـى قوله: *وجيهاً*، قوله: *لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ* ولو كان عطفـاً علـى قوله: *وجيهاً*، لكان الكلام: ومصدّقاً لـما بـين يديه من التوراة، ولـيحلّ لكم بعض الذي حرّم علـيكم. وإنـما قـيـل: *وَمُصَدّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ* لأن عيسى صلوات الله علـيه كان مؤمناً بـالتوراة مقرّاً بها، وأنها من عند الله، وكذلك الأنبـياء كلهم يصدّقون بكل ما كان قبلهم من كتب الله ورسله، وإن اختلف بعض شرائع أحكامهم لـمخالفة الله بـينهم فـي ذلك، مع أن عيسى كان فـيـما بلغنا عاملاً بـالتوراة، لـم يخالف شيئاً من أحكامها إلا ما خفف الله عن أهلها فـي الإنـجيـل مـما كان مشدّداً علـيهم فـيها.>
تحليل فى الإنجيل لما حرم فى التوراة تخفيفا على العباد. فكان النسخ فى الشرعة زمنيا بين الرسالات السماوية الثلاث، منه ما ذكرناه وما هو معروف عن التخفيف فى الإسلام مثل الطلاق، ومثل التأكيد على أن لا توسط بين العبد وربه قضاءا على سلطة رجال الدين بلا رهباينة. ذكر القرطبى فى تفسيره لآية النسخ هذا التبديل والتحويل فى الشرعة بقوله:
<يعنـي جل ثناؤه بقوله: *ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ* إلـى غيره، فنبدله ونغيره. وذلك أن يحوّل الـحلال حراماً والـحرام حلالاً، والـمبـاح مـحظوراً والـمـحظور مبـاحاً ولا يكون ذلك إلا فـي الأمر والنهي والـحظر والإطلاق والـمنع والإبـاحة، فأما الأخبـار فلا يكون فـيها ناسخ ولا منسوخ.>
قال بالعموم فى معنى النسخ التبديل والتغيير بالنسبة للشرعة وإن لم يخالف الجمع فى أن النسخ قرآنى، نستغفره ونتوب إليه. وما ذكر فى آية عمران (50) تحليل ما حرم وليس العكس. المقصود فيها نسخ ما بين الشرائع السماوية لا فى ذات القرآن. هذا هو المفهوم الزمنى فى النسخ الذى قال به الإمام المعتزلى أبومسلم الأصفهانى، رحمه الله، ولم يعجب أحدا، فأصروا على النسخ فى ذات القرآن وألقوا بقصورهم الإستدلالى على النص الإلهى، مثلما تزيدوا على الله فى الحروف عندما ضيق عليهم المتشابه فى النحو. والله أعلم.
أما أنه يطلق لفظ "آية" على آيات القرآن الكريم النصية أو التلاوة، فليس إلا دليل بما سبق على أن كل آياته من معجزات الله، معلوم عند أولى الألباب كما سبق مع الرازى. لكن فى الذكر الحكيم أشير إلي آيات التلاوة بلفظ الجمع "آيات" لا المفرد، إجتهادنا فيما بعد بإذن العلى القدير.
معنى "آية" فى اللغة:
عن "معجم المعانى":
<آيةُ: ( إسم )
الجمع : آيات و آي
الآيةُ : العلاَمَةُ والأمَارة
الآيةُ : العِبْرةُ ؛ قال تعالى : يونس آية 92 *فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً *
الآيةُ : المُعْجزة ، قال تعالي : المؤمنون آية 50 *وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً*
الآيةُ : الشخص
الآيةُ : الجماعة
آية من القرآن : جملة أو جمل ، وحدة قرآنية منفصلة عمّا قبلها وبعدها بعلامة: *وَإِذَا بَدَّلْنَا ءَايَةً مَكَانَ ءَايَةٍ وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ*
آية الله : لقب يطلق على أكابر رجال الدين في إيران
فلانٌ آية في الجمال : كامل الخَلْق. عمل إبداعيّ متميِّز. هذه اللوحة آية في الجمال يَكْتُبُ إِلَيْهَا آيَاتِ الوُدِّ وَرَسَائِلَ الحُبِّ ( يكل ): عِبَارَاتِ
هُوَ آيةُ زَمَانِهِ : مُعْجِزَةٌ مِنْ مُعْجِزَاتِهِ.
هِيَ آيَةٌ فِي الجَمَالِ : فِي غَايَةِ الجَمَالِ ، نَمُوذَجٌ ، مِثَالٌ.
آيْ: ( إسم )، حرف نداء للبعيد آيْ محمد.>
لقد خلط المعجم هو الآخر فى المعنى عند ذكر أمثلة من القرآن الكريم وقال بالتبديل مثلما قال الآخرون بالنسخ. نستغفره ونتوب إليه. فيما عدا ذلك فالمعنى مقصور على العلامة والإمارة والمعجزة والعبرة، كلها فى الذكر الحكيم تفيد المعجزة والحكمة أو العبرة فيها. ومن حيث أن الحكمة أو العبرة لا تنسخ، فقد إقتصر المعنى فى النسخ على المعجزة. مثل هذا المعنى ستجده فى المعاجم الأخرى.
مسك الختام آية الإعجاز فى الآفاق وقول العزيز الحكيم:











