بين العام والكلى (1) نظرة عامة
بسم الله الرحمن الرحيم:
في هذه المدونة نحاول بعون الله ومشيئته إلقاء الضوء على المنهاج الإسلامي، منطلقاته ومحتواه وتأصيله وطرق الكشف عنه في كتاب الله العزيز، القرآن العظيم، التركيز على السبع المثاني (Seven Dualisms)، كليات الوجود (Universalities of Being)، بنية المنهاج وأركانه، مع تبيان موقعه ومكانته في الفكر البشرى عامة والإسلامي بوجه خاص. هذا بالإضافة إلى ما احتواه كتاب "اشراق المنهاج" الذي يعد المدخل للمنهاج الإسلامي، به تفصيل أكثر. على المدونة بحوث عدة في هذا المرام مع تعدد التوجهات، وهذا البحث تعمق أكثر في المنهاج وعلاقته بالفلسفة من خلال مفهومي العام والكلى. في المرام الأسمى الامتثال لصراط الله المستقيم، والبرهان على وحدانية الخالق، تبارك ذو الجلال والاكرام، واحد أحد لا شريك له ولا ولد، وتوثيق صدق النبوة وخاتمية رسالة نبى الاسلام محمد، صلوات الله عليه وسلامه إلى يوم يبعثون، فنصرة الإسلام، الدين الحق. و بالله التوفيق هو المستعان.
تهافتَ الفلاسفة، على رأى الإمام الغزالي، رحمه الله، له أسبابه ولنا أسبابنا، إلا قليلا منهم في الاستدراك على الكليات العقلية والعموم إلى يومنا هذا، خاصة في علاقتها بالواقع والوجود حتى لا تضحى سفسطة، أو تبقى معلقة في أجواء الميتافيزيقيا. لم يرق لهم أن تكون ترفاً عقلياً، خاصة علماء الاسلام، إلى أن توسع فيلسوف الجدل العظيم هيجل (HEGEL) في القول بالكلى العيني (Concrete Universal)، ما أحاطه أصحاب الفلسفة بالتساؤلات والتعجب، فكيف بالشيء كلى عقلي وعيني وجودي في آن واحد، ما لا يجتمعان في معقول الفلسفة عن الوجود. معلومة المبادرة الأولى – فيما نعلم - في فلسفة الكليات للمعلم الأول أرسطو (ARISTOTLE) ومنارته العقلية "المقولات العشر" (ِCategories of Being) التي تلقفها فلاسفة الإسلام بالشرح والتعليق، في معرض نقلهم للموروث اليوناني الى الأدبيات الاسلامية، مثل الفارابي (AL-FARABY) وابن رشد (AVERROES)، رحمهما الله، ثم تبعهما أصحاب الفلسفة الغربيين. في بنيانها انطولوجية (Ontological) لا جدلية (Dialectical)، انتقدها كانط (KANT) وهيجل وصاغا كلياتهما البديلة، ثلاثتهم من أعمدة الفلسفة كما يعرفها أهلها.
استرشادا بتلخيص للمقولات أورده الهيجلى د. إمام عبد الفتاح إمام في كتابه "دراسات هيجلية"، فالمقولات العشر الأرسطية هي: "الجوهر، الكم، الكيف، الاضافة، المكان، الزمان، الوضع، الملك، الفعل، الانفعال". من شغف العرب بها ترجمها الراجز بهذا الترتيب الى الواقع:
زيد، الطويل، الأزرق، ابن برمك *** في داره بالأمس كان متكئ
في يده سيف لواه فالتوى *** فهذه العشر المقولات سوا.
رأى فيها كانط أنها مشتتة، ليس فيها نظام أو نسق فلسفي مترابط. وأجمعوا على وصفها بالأنطولوجية أي أنها تبحث في الوجود على ما هو كائن. وضعها كانط في محك العقل ليعتلي بها وينصب أحكام العقل على ناصية المعرفة، فوصل بالمقولات إلى اثني عشر:
من حيث الكم الكيف الإضافة الجهة
الوحدة الوجود (الايجاب) الجوهر والعرض الإحتمال والاستحالة
الكثرة السلب العلة والمعلول الوجود واللاوجود
الجملة الحد التفاعل الضرورة والحدوث
--------------------------------------------------------------------------------
الفارق بين المقولات الأرسطية والكانطية، هو أن الأولى أنطولوجية موضوعية والثانية معرفية ذاتية، أي من مستدركات وتصورات العقل للوجود وأحكامه قبله، فالوحدة والاحتمال والعلة والضرورة كأمثلة كلها أحكام عقلية كلية ليس لها وجود موضوعي. أما هيجل فقد وحد بين المنظورين، الموضوعي والذاتي، في مركب منهما، حجر الزاوية في فلسفته الجدلية. تأسيسها ثلاثية "الوجود والماهية والفكرة الشاملة"، التي تنقسم كل منها بدورها إلى ثلاثية فرعية:
الوجود (معرفة الحس المشترك): الكيف، الكم، القدر.
الماهية: (العلاقات الداخلية): بوصفها أساساً للوجود، الظاهر، التحقق الفعلي.
الفكرة الشاملة (مستدرك العقل): الفكر الذاتي، الفكر الموضوعي، الفكرة المركبة منهما.
بدأت المقولات الهيجلية بالوجود ثم غاصت في الماهية ودقائقها العلائقية لتصب في العقليات الشاملة للوجود بمعنى كليات الوجود. الخيط الذي التقطه ماركس (MARX) واسس عليه فلسفته “المادية الجدلية” (Dialectical Materialism) أن الفكر انعكاس للواقع، وأعطى التجربة والتطور المادي القياد في تطور التاريخ، وزعم الحتمية التاريخية مثل هيجل. إلا أن النظار رأوا في فلسفة هيجل، بوجه عام لا باعتبار الكليات وحدها، اتجاهاً لاهوتياً أو مثالياً يعكس اتجاه التفاعل بين "الفكر والواقع"، إحدى ثنائيات السبع المثانى (كتاب "إشراق المنهاج")، الاتجاه الذي يعتلي بالعقل، ومعه الفكر الديني والكليات بصفة عامة، على ناصية المسار التاريخي للبشرية، وما يتضمنه من نبراس: "ما يجب عليه أن يكون". انتهى هيجل إلى القول بنهاية التاريخ فلسفياً، تلك المقولة التي تلقفها الغرب ووضعها في إطار سيأسى بعد سقوط المعسكر الشيوعي مع نهاية القرن الماضي.
ذلك النضوج الفلسفي الهيجلي لم يؤد إلى مستقر للكليات العقلية، مازال أمرها فرطا. أبرز مثال في المقام فصلهم الكيف عن الكم، ومنهم من قدم الكم على الكيف في زلًة وجود بها تهافت. استدرك هيجل الأمر الفرط فسبكهما في المركب "القَدْر"، المركب الجدلي الذي زان فلسفته بصفة عامة، لكنه يعنى علاقة إضافة وتجميع خارجية بين العنصرين، بينما هي علاقة "تلازم" داخلية دفينة بالميلاد والنشأة الأولى، لا تحتاج إلى التركيب، في مثاني المنهاج وثنائية "الكيف والكم" من السبع المثانى، بتقديم الكيف على الكم فى المثال، صراط الله المستقيم. جدير بالذكر أن تصور ماركس للعلاقة بين الكيف والكم هي الأكثر ترابطا بين الفلاسفة – فيما نعلم – بمقولته الشهيرة: "التراكم الكمي يؤدى إلى تحول كيفي"، بالرغم من ثبوت خطئها بالقرآن ومن بعده العلم الطبيعي. مقصده الحراك الاجتماعي السياسي وتراكم الزخم الثوري الذي يؤدى إلى تغيير نظام الحكم. خطأ منطقي لأن السبب الزخم الثوري لا يتحول إلى المسبب تغيير نظام الحكم، فهي علاقة سببية، سبب ومسبب، نظرها منهاجياً ثنائية "الغاية والوسيلة" لا "الكيف والكم". تأمل التخطئة في قول الخبير العليم:
* لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَـٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * (الأنفال: 37)
ثم تعجب من اللفظ في قوله تعالت حكمته: "فَيَرْكُمَهُ"، فمازال الخبيث خبيثاً، لم بتحول إلى الطيب، حتى لو تراكم بعضه على بعض. بما يعنى أيضاً أنه لا تحول من كلى لكلى آخر، لا تحول للشكل إلى المضمون ولا العكس، ولا الكيف إلى الكم أو العكس، فهذا خلف كما ترى. هنا إعجاز علمي منهاجي باهر في العقول وصفحات التاريخ. فالقرآن كما لا يعرفه الناس به الدلالة على تاريخ البشرية منذ النشأة الأولى وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهنا دليل على الحقبة الماركسية، عليه تفصيل بمشيئة العلى القدير.
مع هذا التطور المرموق في منظور الكليات، فإن المقولات الأرسطية أسست لها بمثابة الجذور التي ارتوت بها الكليات فيما بعد، وصنعت معنى للفلسفة مازال قائماً، له صدى يدوي في الفلسفة المعاصرة، ومعها مأثورة أرسطو ثنائية "المادة والصورة"، أصحاب الفلسفة أدرى بشعابها.
في العصر الحديث تعقد الندوات العلمية خاصة للبحث في الكليات، كل له رؤياه ومنطقه، يدلى بدلوه، عبثاً تجد معهم ما يقنع العقل الجمعي الفلسفي. ندوة عقدت بخاصة الكليات في بيزا (Pisa) إيطاليا عام 2010، ضمت جمعاً من أساتذة الفلسفة مشارب شتى، نشرت بحوث الندوة في كتاب بعنوان "مشكل الكليات في الفلسفة المعاصرة" (ترجم للعربية بهذا العنوان، الناشر "مؤمنون بلا حدود")، في مقدمة الكتاب: "إن هذا المجلد يمتاز بمقاربة ميتافيزيقية موصولة بقضية الكلي، فالمشاركون في هذا المصنف يتقاسمون فرضية مشتركة قوامها أن مشكل الكلي هو، أولاً وقبل كل شيء، قضية ميتافيزيقية أنطولوجية تهتم أساساً بعدد مقولات الأشياء التي يجب علينا أن ندرجها في وجودنا. فهل محتويات العالم ممتدة بصفة حصرية إلى كيانات فردية؟ أو هل نحتاج إلى أن ندرج في سجل الأشياء تلكم الكليات الموجودة كذلك، أي الكيانات التي تشترك في جزئيات كثيرة، أو على الأقل، يمكن أن تشترك فيها؟ فأن نتبنى هذه المقاربة لا يعنى قطعاً أن ننكر أن مشكل الكلي يمكن أن يرتبط ارتباطاً ملحوظاً بعدة ميادين مركزية في علم الدلالة والإبستمولوجيا. ... وعلى الرغم من ذلك، حاولنا اختيار تلكم المواضيع التي شكلت، ولا تزال تشكل، بصفة ملحوظة، فهمنا لأحد أكثر المواضيع دوراناً في تاريخ الفلسفة، وتماشياً مع روح الندوة الأصلية، منينا النفس أيضاً بأن نقدم مدارس وتوجهات فلسفية مختلفة متعلقة بمشكل الكليات، وكان غرضنا من ذلك أن نبين أن التقسيم التقليدي القائم بين الواقعية والإسمية يخفى آراء فلسفية متسعة ومتعددة، غالباً ما تكون صعبة التناسب مع المواضيع التقليدية."
واضح أن المفهوم الفلسفي للكلى امتد إلى علم الدلالة والإسمية، حتى أنهم تشابكوا حديثاً على المجاز في الكليات. إن للغة انعكاس على المفاهيم بصفة عامة، ما يشكل تعقيدا للمشكل اعترف به أهل الفلسفة، قائم إلى وقتنا هذا. ليس المقام أن نناقش المفاهيم الفلسفية المختلفة للكلى المدرجة، إنما فقط توضيح التباين بين المنظورين الفلسفي والمنهاجي للكلى وعلاقته بالواقع، الوجود (الأنطولوجي) على ما هو كائن.
من التقديم للكتاب يستفاد أن مشكل الكليات بدأ مع بدايات الفلسفة ولم يرض بالقنوت إلى اليوم. تعتبر الأساس الذي سار عليه التقدم العلمي والنهضة في كل القرون والأمكنة. من هنا أهمية تناولنا لها، خاصة أن المنهاج الإسلامي ينبني على كليات هي السبع المثانى، تعتبر كليات للوجود نسبة لما هو سائر بين أصحاب الفلسفة. ويستفاد أن الكلى (Universal) أو الكليات (Universalities) هو عقلي يستقرأ من جزئيات أو أعيان متعددة تشترك في خاصية ما، قولهم فيما سبق: " الكليات الموجودة كذلك، أي الكيانات التي تشترك في جزئيات كثيرة، أو على الأقل، يمكن أن تشترك فيها". مفهوم ثابت لم يتغير بين الفلاسفة على اختلاف مشاربهم ومنظورهم للعالم، وجوده وتطوره. كذلك يستفاد أن اللغة ألقت بظلالها على المفهوم منذ النشأة، من حيث "ما هو"؟ أرسطو على سبيل المثال مع سبكه للمقولات العشر وضع في تقديمها المسميات، وقيل إنها بنيت عليها. تلحظ ذلك ظاهراً في شرح وتعليق الفارابي وابن شد، رحمهما الله، على المقولات. حديثاً، كما ذكرنا، رأى بعض الفلاسفة تضمين المجاز في الكليات، الذي مازال مسار خلاف. ويستفاد الأهم من ذلك أن الكليات التي بحثوها تركز على المعرفة (أبستمولوجيا Epistemology) والوجود في كينونته (أنطولوجي Ontology) بمعنى البحث فيما هو كائن، لا ما يجب عليه أن يكون. فارق رئيسي متميز بين الكليات الفلسفية والمنهاجية، في أن الأخيرة تعتنى بكليهما ما هو كائن وما يجب أن يكون من خلال المثال: "وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ" (النحل: 60)، تبارك ذو الجلال والإكرام، تكرر مرتين في الذكر الحكيم إشارة للمثاني (تساؤلات المنهاج)، أن بها المثال لما يجب أن يكون. فالسبع المثانى هي كليات الوجود، تشمله كله، تكتنفه كله، تناصحه كله، سبق المثال مع ثنائية "الكيف والكم" عاليه. فيما يلي يستبين الفارق ويستدرك موقف المنهاج من الكليات الفلسفية.
هناك بالطبع منظور متميز لعلماء الإسلام خاصة في علم الأصول وعلم الكلام ومعهم مريدي الفلسفة الإسلامية. على سبيل المثال مقولة شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله: "أشرف الكليات هي العقليات المحْضة التي لا تقبل التغيير والتبديل، وهي التي تكمل بها النفس فتصير عالماً معقولاً موازياً للعالم الموجود، بخلاف القضايا التي تتبدل وتتغير. وإذا كان المطلوب هو الكليات العقلية التي لا تقبل التبديل والتغيير فتلك إنما تحصل بالقضايا العقلية الواجب قبولها، بل إنما يكون في القضايا التي جهتها الوجوب، كما يقال كل إنسان حيوان، وكل موجود فإما واجب وإما ممكن، ونحو ذلك من الكليـة التي لا تقبل التغيير". الكليات في منظوره عقلية لا تتبدل ولا تتغير مرتبطة بالوجود من جهة الوجوب موازية له. لكنه ضرب للكليات مثلاً بالإنسان والحيوان، النوع والجنس، على سيرة فلاسفة الإسلام ومن قبلهم حكماء اليونان، ما نختلف معه منهاجياً كما سيتضح فيما بعد خلال البحث، بعون الله. نحن في هذا البحث المقتضب نلقى بعض الضوء على الرؤيا المنهاجية للعام والكلى وموقعهما بالنسبة للمنظور الفلسفي بقدر المستطاع، بما من الله علينا من علمه، جل فضله، نناقش فيها أولاً إمام الأصول، والله المستعان على مسألته.
---------------------
- Printer-friendly version
- 115 views











