بين العام والكلى (1) نظرة عامة
بسم الله الرحمن الرحيم:
في هذه المدونة نحاول بعون الله ومشيئته إلقاء الضوء على المنهاج الإسلامي، منطلقاته ومحتواه وتأصيله وطرق الكشف عنه في كتاب الله العزيز، القرآن العظيم، التركيز على السبع المثاني (Seven Dualities)، كليات الوجود (Universalities of Being)، بنية المنهاج وأركانه، مع تبيان موقعه ومكانته في الفكر البشرى عامة والإسلامي بوجه خاص. على المدونة بحوث عدة في هذا المرام مع تعدد التوجهات، وهذا البحث تعمق أكثر في المنهاج وعلاقته بالفلسفة من خلال مفهومي العام والكلى. وبالله التوفيق.
تهافتَ الفلاسفة، على رأى الإمام الغزالي، رحمه الله، في الاستدراك على الكليات العقلية والعموم إلى يومنا هذا، خاصة في علاقتها بالواقع والوجود حتى لا تضحى سفسطة، أو تبقى معلقة في أجواء الميتافيزيقيا، إلى أن توسع فيلسوف الجدل العظيم هيجل (HEGEL) في القول بالكلى العيني (ِConcrete Universal)، ما أحاطه أصحاب الفلسفة بالتساؤلات والتعجب، فكيف بالشيء كلى عقلي وعيني وجودي في آن واحد، ما لا يجتمعان في معقول الفلسفة عن الوجود. معلومة المبادرة الأولى – فيما نعلم - في فلسفة الكليات للمعلم الأول أرسطو (ARISTOTLE) ومنارته العقلية المقولات العشر (ِCategories of Being) التي تلقفها فلاسفة الإسلام بالشرح والتعليق، في معرض نقلهم للموروث اليوناني الى الأدبيات الاسلامية، مثل الفارابي وابن رشد، رحمهما الله، ثم تبعهما أصحاب الفلسفة الغربيين. في بنيانها معرفية (Ontological) لا جدلية (Dialectical)، انتقدها كانط (KANT) وهيجل وصاغا كلياتهما الوجودية البديلة، لكنها صنعت معنى للفلسفة مازال قائماً، له صدى يدوي في الفلسفة المعاصرة، خاصة ثنائية المادة والصورة، أصحاب الفلسفة أدرى بشعابها.
في العصر الحديث تعقد الندوات العلمية خاصة للبحث في الكليات، كل له رؤياه ومنطقه، يدلى بدلوه، عبثاً تجد معهم ما يقنع العقل الجمعي الفلسفي. ندوة عقدت بخاصة الكليات في بيزا (Pisa) إيطاليا عام 2010، ضمت جمعاً من أساتذة الفلسفة مشارب شتى، نشرت بحوث الندوة في كتاب بعنوان "مشكل الكليات في الفلسفة المعاصرة" (ترجم للعربية بهذا العنوان)، في مقدمة الكتاب: "إن هذا المجلد يمتاز بمقاربة ميتافيزيقية موصولة بقضية الكلي، فالمشاركون في هذا المصنف يتقاسمون فرضية مشتركة قوامها أن مشكل الكلي هو، أولاً وقبل كل شيء، قضية ميتافيزيقية أنطولوجية تهتم أساساً بعدد مقولات الأشياء التي يجب علينا أن ندرجها في وجودنا. فهل محتويات العالم ممتدة بصفة حصرية إلى كيانات فردية؟ أو هل نحتاج إلى أن ندرج في سجل الأشياء تلكم الكليات الموجودة كذلك، أي الكيانات التي تشترك في جزئيات كثيرة، أو على الأقل، يمكن أن تشترك فيها؟ فأن نتبنى هذه المقاربة لا يعنى قطعاً أن ننكر أن مشكل الكلي يمكن أن يرتبط ارتباطاً ملحوظاً بعدة ميادين مركزية في علم الدلالة والإبستمولوجيا. ... وعلى الرغم من ذلك، حاولنا اختيار تلكم المواضيع التي شكلت، ولا تزال تشكل، بصفة ملحوظة، فهمنا لأحد أكثر المواضيع دوراناً في تاريخ الفلسفة، وتماشياً مع روح الندوة الأصلية، منينا النفس أيضاً بأن نقدم مدارس وتوجهات فلسفية مختلفة متعلقة بمشكل الكليات، وكان غرضنا من ذلك أن نبين أن التقسيم التقليدي القائم بين الواقعية والإسمية يخفى آراء فلسفية متسعة ومتعددة، غالباً ما تكون صعبة التناسب مع المواضيع التقليدية."
واضح أن المفهوم الفلسفي للكلى امتد إلى علم الدلالة والإسمية، حتى أنهم تعاركوا حديثاً على المجاز في الكليات، أن للغة انعكاس على المفاهيم بصفة عامة، ما يشكل تعقيدا للمشكل اعترف به أهل الفلسفة، قائم إلى وقتنا هذا. ليس المقام أن نناقش المفاهيم الفلسفية المختلفة للكلى المدرجة، إنما فقط توضيح التباين بين المنظورين الفلسفي والمنهاجي للكلى وعلاقته بالواقع، الوجود (الأنطولوجي) على ما هو كائن.
من التقديم للكتاب يستفاد أن مشكل الكليات بدأ مع بدايات الفلسفة ولم يرض بالقنوت إلى اليوم. تعتبر الأساس الذي سار عليه التقدم العلمي والنهضة في كل القرون والأمكنة. من هنا تناولنا لها خاصة أن المنهاج الإسلامي ينبني على كليات هي السبع المثانى، تعتبر كليات للوجود نسبة لما هو سائر بين أصحاب الفلسفة. ويستفاد أن الكلى (Universal) أو الكليات (Universalities) هو عقلي يستقرأ من جزئيات أو أعيان متعددة تشترك في خاصية ما، قولهم: " الكليات الموجودة كذلك، أي الكيانات التي تشترك في جزئيات كثيرة، أو على الأقل، يمكن أن تشترك فيها". مفهوم ثابت لم يتغير بين الفلاسفة على اختلاف مشاربهم ومنظورهم للعالم، وجوده وتطوره. كذلك يستفاد أن اللغة أضفت بظلالها على المفهوم منذ النشأة، من حيث ما هو؟. أرسطو على سبيل المثال مع سبكه للمقولات العشر وضع في تقديمها المسميات، تلحظ ذلك واضحاً في شرح وتعليق الفارابي وابن شد، رحمهما الله، على المقولات. حديثاً رأى بعض الفلاسفة تضمين المجاز في الكليات، الذي مازال مسار خلاف. ويستفاد الأهم من ذلك أن الكليات التي بحثوها تقتصر على المعرفة (أبستمولوجيا Epistemology) والوجود في كينونته (أنطولوجي Ontology) بمعنى البحث فيما هو كائن، لا ما يجب عليه أن يكون. فارق رئيسي متميز بين الكليات الفلسفية والمنهاجية، في أن الأخيرة تعتنى بكليهما ما هو كائن وما يجب أن يكون من خلال المثال. فالسبع المثانى هي كليات الوجود تشمله كله تكتنفه كله تناصحه كله. فيما يلي يستبين الفارق ويستدرك موقف المنهاج من الكليات الفلسفية.
هناك بالطبع منظور متميز لعلماء الإسلام خاصة في علم الأصول وعلم الكلام ومعهم مريدي الفلسفة الإسلامية. على سبيل المثال مقولة شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله: "أشرف الكليات هي العقليات المحْضة التي لا تقبل التغيير والتبديل، وهي التي تكمل بها النفس فتصير عالماً معقولاً موازياً للعالم الموجود، بخلاف القضايا التي تتبدل وتتغير. وإذا كان المطلوب هو الكليات العقلية التي لا تقبل التبديل والتغيير فتلك إنما تحصل بالقضايا العقلية الواجب قبولها، بل إنما يكون في لقضايا التي جهتها الوجوب، كما يقال كل إنسان حيوان، وكل موجود فإما واجب وإما ممكن، ونحو ذلك من الكليـة التي لا تقبل التغيير". الكليات في منظوره عقلية لا تتبدل ولا تتغير مرتبطة بالوجود من جهة الوجوب. لكنه ضرب مثلاً بالحيوان والإنسان، الجنس والنوع، على سيرة فلاسفة الإسلام، ما نختلف معه منهاجياً كما يتضح فيما يلى خلال البحث. نحن في هذا البحث المقتضب نلقى بعض الضوء على الرؤيا المنهاجية للعام والكلى وموقعهما بالنسبة للمنظور الفلسفي بقدر المستطاع، بما من الله علينا من علمه، نناقش فيها أولاً إمام الأصول، والله المستعان على مسألته.
---------------------
- Printer-friendly version
- 6 views












