مناسبات:

رمضان كريم مع يوميات المنهاج (2).

رمضان كريم مع يوميات المنهاج (2).

By المنهاج | 9:54 PM EET, Sun April 19, 2026

اليوم الثامن

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

اللسان العربي:

يدلل الخلاق العليم على المنهاج ومثانيه بطرق شتى منها بنية اللغة. فقد وصف عز وجل القرآن الكريم بأنه عربي اللسان في سبعة مواضع، إشارة السبع المثانى. ووصف لسان القرآن بأنه عربي في ثلاثة مواضع، إشارة المنهاج ("متشابه التكرار"). كأن القرآن أنزل عربياً لقدرة اللسان العربي على تضمين المعاني في المتشابه، بمعنى آخر قدرته المجازية وتنوع ضروب المجاز فيه. في صورة أخرى أن اللسان العربي فيه من ثراء الدلالة التي تتيح الإكنان وما يتطلبه. أسهب اللغويون في مزايا اللسان العربي، وأطنبوا في لغة القرآن والأوطان، لكنهم – على قدر علمنا – لم يحيطوا علماً بالدلالة المنهاجية في بنية اللغة، من ذلك أربعة ملامح:

أولاً: هذا الاستدلال التكراري على لسان المثانى، يعززه جذر اللغة العربية متمثلا في الحروف. لو جردتها من التنقيط تحصل على دلالة من الإعجاز: "الأزواج الثلاثة" في حروف "ب"، "ت"، "ث"، وحروف "ج"، "ح"، "خ"، إشارة قانون التأويل المنهاجى الأساسي. ثم إشارة السبع المثانى في حروف: "د" و"ذ"، "ر" و"ز"، "س" و"ش"، "ص" و"ض"، "ط" و"ظ"، "ع" و"غ"، "ف" و"ق". التطابق في تثنية رسم الحرف. اقتضاء التجريد من التنقيط ليظهر هذه الدلالة المنهاجية يدلل من وجه آخر على مطلب التجريد كمعول تأويل قرآني في التأويل المنهاجى لاستخلاص وإظهار السبع المثانى. له أدلة أخرى بيناها في كتاب “إشراق المنهاج”.

ثانياً: تتميز العربية عن اللغات الأخرى بصيغة الثنائي دلالة على المثانى في عصب اللغة. اللغات الأخرى تعتبر التثنية من الجمع. كما هو معلوم، فكلمة "كتابان" مثنى في العربية وليس جمعاً، بينما في الإنجليزية تضاف أداة الجمع حرف "s" للاسم: "Two books"، فضلاً عن إضافة كلمة ثانية لتدل على التثنية. هذا من تجلى عبقرية العربية، لسان الذكر الحكيم.

ثالثاً: الخط العربي كتابة فيه دلالة على ثنائية من السبع المثانى "الجزئي والكلى" متمثلة في ثنائية "الفرد والمجتمع". فالخط العربي له رسم واحد سواء كتب باليد أو بالآلة، يحتفظ بالإفراد سواء كجزء من الكلمة أو كحرف منفصل، فجملة: "سواء كجزء من الكلمة" بها الألف والهمزة و"من" على الإفراد، وبالتجميع في الكلمات. أما اللغات الأخرى فتكتب إما حروف مفردة بالكامل كما في اللغات الأوروبية: "English"، ويمكن أن تكتب باليد متصلة "مشبكة" الكلمات كاملة سوى حروف الوصل، فإما تفرد وإما تجمع وليس من وسطية. فترى الدلالة على المثانى في بنية الخط، ومنها وسطية الاسلام في ثنائية “الفرد والمجتمع” من مثاليات الجدل المنهاجى.

رابعاً: ثراء الدلالة اللغوية فيما تحمله من معاني. لسنا في حاجة إلى ذكر ما تبحر فيه علماء اللغة، لكنا نضيف أن هذا الثراء والزخم الدلالي قادر بكفاءة لا تتوفر في اللغات الأخرى على تضمين المتشابه والمنهاج مستتراً، الأمر الذي حارت وتعبت معه العقول إلى وقتنا هذا، لذا قال الحكيم العليم:

* إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * (يوسف: 2)

إشارة المثانى في تثنيته بالجعل بدلاً للتنزيل في سورة الزخرف (3)، مفتتح السورة أيضاً، وكلتا السورتين مفتاحها حروف مقطعة من المتشابهات، إشارة المثاني. قوله تعالى: "تَعْقِلُونَ" في مستهل سورة التأويل والسبع المثانى له مغزاه الخاص بالسورة، وله مدلولان: الأول من جهة الوضع والتأليف وهو أن اللسان العربي فيه من ثراء الدلالة المجازية والمباشرة ومن المرونة ما يتطلبه العقل من تضاريس الفكر والخيال والشعرية أيضاً في التعبير عن المعاني المبتغاة، سلس التعبير أو أحجيته. الثاني من جهة القراءة والتفسير والتأويل والتدبر بصفة عامة، فهذه التي فيها إتعاب القرائح وإثارة حافظة العقول لفض مستغلق المتشابه ومجازه للوقوف على والإلمام بمقاصد التنزيل على تنوعها، التي منها النذير والبشير، وتضمين خاتمية الرسالة المحمدية وعدم التفريط، ومنها المنهاج ومثانيه. في ذلك تفصيل في مقام آخر بعونه تعالى وهداه، جل فضله.

تأصيلروى عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "أوَّلُ مَنْ فُتِقَ لِسانُهُ بالعَرَبِيَّةِ المُبَيِّنةِ إسْماعِيلُ، وهُوَ ابنُ أرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً". الحديث الشريف عليه أقوال، لكنا نضع الاستدلالات المنهاجية السابقة في جانب الإثبات باعتبار لفظة “المبينة”. فإن كان إسماعيل، عليه السلام، أول من فتق العربية فالمعنى أصولها ونظمها بهذه الكيفية المتداولة. بهذا النظر فكون نبي الله، عليه السلام، قد تعلمها من قبيلة جهم أو من يعرب بن قحطان، كما قيل في الروايات، فما تعلمه كانت لغة فجة، مماثلة للعامية العربية في التوصيف، أوحى إليه تعالت قدرته بأصولها المعلومة لأهل العربية، فجل الوحى الهداية إلى صراط الله المستقيم. فالدلالة المنهاجية السابقة المتوائمة والدلالة في الذكر الحكيم، خاصة الحروف المقطعة في أوائل السور التي بها نفس الدلالات المنهاجية، لهي برهان على أن ما قصده الرسول، عليه الصلاة والسلام، هو “المبينة” بمعنى “الفصحى”، كما فسرت، التي استلهمها شعراء الجاهلية. ولا تكون لغة القرآن بهذه الدلالة المنهاجية إلا وحياً من الخلاق العليم لا تعليماً من أحد أو مجرد الإلهام، في جانب إثبات الحديث الشريف، ونسبة العربية الفصحى إلى نبي الله إسماعيل، عليه السلام، صادق الوعد. ليس في الأعجميات هذا الرسم والنظم البديع ذو الدلالة المنهاجية/الفلسفية، إلا أن يكون وحياً من العلى القدير. وما توفيقي إلا بالله هو الأعلم والمستعان.

رمضان كريم، وصيام مقبول بإدن الرحمن الرحيم.

 

 اليوم التاسع

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

مداد البحر:

قول الخالق الباري المصور:

    * وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * (لقمان: 27)

وقوله:

    * قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا * (الكهف: 109)

بترتيب النزول، دلل الباري سبحانه على كلماته اللامتناهية أولاً بكل ما في الأرض من شجر دبروه على هيئة الأقلام تكتب بمداد البحر ولو كانت سبعة أبحر، ولم يذكر المداد الذي تدلل عليه الأقلام والكلمات. ودلل جل وعلا في الثانية بالبحار كمداد ولم يذكر الأقلام لدلالة عليها مادية هي المداد، ولدلالة غير مادية أي معنوية هي المجردات العقلية التي ليست بحاجة إلى أقلام، التي هي المثاني. دليل السبع المثانى في الأولى أوضح بالرقم سبعة يصحبه البحر إفراداً وجمعاً، ثنائية “الجزئي والكلى”، كما سبق بيانها. ودليل آخر في عجز الآية “عزيز حكيم”، بمعنى أقلام ومداد يسطرون الحكمة، التي هي هنا المنهاج بإشارة ثلاثية في الآية الثانية، وهي هنا أيضاً السبع المثانى، التي لا تنضب لأنها كليات الوجود تشمله كله، تكتنفه كله، وتناصحه كله. فإن استطعت الإحاطة بكم ما في الأرض من شجر على هيئة أقلام، أو الإحاطة بمياه البحار كمداد، ربما قد أحطت بما تسطره السبع المثانى من موجودات وأحوالها ومصائرها، وهو أمر عسير المنال عليه التحدي المضمر في الآيتين الكريمتين. لسنا في حاجة إلى تكرار أن التكرار متشابه، أو أن الآيتين من المتشابهات. منتهي الدلالة كون السبع المثانى هي كليات الوجود.

رمضان كريم، ودمتم على صيام وقيام فيهما القبول بمشيئة القدوس السلام.


اليوم العاشر

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

عدم التفريط:

قوله العليم الحكيم:

* وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ *   (الأنعام: 38)

عن عدم التفريط أورد الإمام السيوطي، رحمه الله، في مصنفه "الإتقان" / باب "في العلوم المستنبطة من القرآن"، الحديث الشريف:

 >قال صلى الله عليه وسلم: "ستكون فتن. قيل: وما المخرج منها؟ قال: كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم" (أخرجه الترمذي وغيره). ثم أورد مقالات لعلماء كثر منها:

 >وقال الشافعي مرة بمكة: "سلوني عما شئتم أخبركم عنه من كتاب الله" ثم ألقوا إليه بأحجية شرعية فأجابها من القرآن والسنة …..

    وقال القاضى أبو بكر العربى في "قانون التأويل": "علوم القرآن خمسون علما وأربعمئة علم وسبعة آلاف علم وسبعون ألف علم، على عدد كلم القرآن مضروبة في أربعة، إذ لكل كلمة ظهر وبطن وحد ومطلع، وهذا مطلق دون إعتبار تركيب وما بينها من روابط، وهذا ما لا يحصى ولا يعلمه إلا الله" ......

   وقال الراغب: ".....وجعل من معجزة هذا الكتاب أنه مع / قلة الحجم، متضمن للمعنى الجم، بحيث تقصر الألباب البشرية عن إحصائه، والآلات الدنيوية عن استيفائه، كما نبه عليه بقوله: "وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ ..." (لقمان: 27) .......

   وأنا أقول: قد اشتمل كتاب الله العزيز على كل شيئ، أما أنواع العلوم فليس منها باب ولا مسألة هي أصل إلا وفي القرآن ما يدل عليها. وفيه عجائب المخلوقات، وملكوت السموات والأرض، وما في الأفق الأعلى، وتحت الثرى، وبدء الخلق، وأسماء مشاهير الرسل والملائكة، وعيون أخبار الأمم السابقة ... الخ.

     واعتنى الأصوليون بما فيه من الأدلة العقلية، والشواهد الأصلية والنظرية... فاستنبطوا منه أدلة على وحدانية الله ووجوده وبقائه وقدرته وعلمه وتنزيهه عما لا يليق به، وسموا هذا العلم بأصول الدين.

    وتأملت طائفة منهم معانى خطابه، فرأت منها ما يقتضى العموم، ومنها ما يقتضى الخصوص إلى غير ذلك، فاستنبطوا منه أحكام اللغات من الحقيقة والمحاز، وتكلموا في التخصيص، والإخبار، والنص، والظاهر والمجمل، والمحكم والمتشابه، والأمر والنهي، والنسخ، إلى غير ذلك من أنواع الأقيسة، واستصحاب الحال، والإستقراء، وسموا هذا الفن أصول الفقه". <

   الذي عدوه وصنفوه ليس بمحيط بثراء الدلالة في القرآن الكريم، وهم يقرون بذلك أنه فوق طاقة البشر، إنما في علم الله ما وراءهم ولم يعلم بعد. لكنه تعالى ضمن كتابه ما يريد أن يٌعلِمه لعباده، لحاجة العباد إليه. ومعجزة كتاب الله استدرك عليها الراغب، رحمه الله، عاليه: "معجزة هذا الكتاب أنه مع / قلة الحجم، متضمن للمعنى الجم، بحيث تقصر الألباب البشرية عن إحصائه، والآلات الدنيوية عن استيفائه"، ما أسلفناه من ثراء الدلالة وكثافتها منقطعة النظير. استشهد أحد العلماء بمداد البحر في سورة لقمان الذي ينضب ولا يفي بالمطلب، بيناه في اليومية السابقة.

    أبواب ثراء الدلالة المعلومة عن اللسان العربي تشمل المجاز من بيان وبديع ومعان وبلاغة، والصرف والإعراب والحركات، وغيرها عند أصحاب اللغة، يضاف إليها ما نبه عليه أبو بكر العربي، رحمه الله، أن كل كلمة لها ظهر وبطن وحد ومطلع، وأن التراكيب وما بينها من روابط لا حد لها، في ذلك قارب معنا في التكرار المنهاجى الذي ينسحب على الحروف والكلمات والجمل والآيات والأمدية المنهاجية والسور، فضلاً عن الاستنباط والرد والقياس ثم الاستقراء والتجريد مكونا الاستخلاص المنهاجى. أما الباب الأنصع في عدم التفريط فهو الكليات. على ماذا تصب هذه البحور من الدلالة؟ الإجابة في بساطتها هي عدم التفريط في شيء، لكن ما هو هذا الشيء؟ الإجابة في تعقيدها فيما عدوه من علوم شتى، مضافا إليها المنهاج ومثانيه، نفرد لها مقاماً بمشيئة الرحمن.

ثم تأمل قول العزيز العليم:

* لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ *   (يوسف: 111)

* وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ ۖ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا * ‏ (الإسراء: 12)

تعالت حكمته جعل كتابه ليس فقط لا يفرط في شيء، إنما أيضاً به تفصيلاً لكل هذا الشيء، وأكثر أنه فصل الشيء تفصيلاً، بالمفعول المطلق الذي بيناه من قبل بأنه ينقل الفعل إلى مدارك أعلى في التفعيل، مَثَله من الترتيل إلى التجويد، فأي تفصيل أعلى من التفصيل في هذا الحيز المحدود من النص وصفحات الكتب؟ ليس التحدي هنا للكفار فقط أن يأتوا بسورة من مثله، إنما التحدي لكل العقول البشرية قاطبة أن تستخرج كنوز القرآن التي لم تسطر بعد، قوله عز وجل: “وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ” (يونس: 38، هود: 13) مثنى الوضع والتأويل. لذا دلهم تعالى على السبيل وقال:

* وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَىٰ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا *  (الإسراء: 89) 

* وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَـٰذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا *   (الكهف: 54)

تكرار ثنائي بإشارة المثانى، به تقديم وتأخير "لِلنَّاسِ" دلالة على جدل المثانى بالتضاد، فقد عقب في الكهف بأن الإنسان أكثر الأشياء جدلاً، ولم يقل جدالاً (بينا الفارق في الكتاب وأن الجدال حالة خاصة من الجدل). فالقرآن لم يفرط في شيء، وفصل كل شيء، وضرب الأمثال للإحاطة بكل شيء، والأمثال من المتشابه الذي به المنهاج الذي ينبني على السبع المثانى التي هي كليات الوجود، التي لا تفرط في شيء من الوجود، ولهذا ينضب مداد البحر على بساط السبع المثانى ولا يفي بالموعود. فعدم التفريط لا يعقله بشر من طريق النص بهذا الحجم، إلا أن يكون من قبيل الأساطير، إنما أصله الكليات، سواء كليات الشرعة أو كليات المنهاج. عليه تفصيل بمشيئة العلى القدير، هوالأعلم.

رمضان كريم، وصيام مقبول بإذنه جل فضله.

 

الحادى عشر

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

منكم:

قول السميع العليم:

* لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا *   (المائدة: 48)

الإمام الطبري، رحمه الله، قال: < ... ثم اختلف أهل التأويـل فـي المعني بقوله: "لِكُلّ جَعَلْنا مِنْكُمْ" فقال بعضهم: عنـي بذلك أهل الـملل الـمختلفة، أي أن الله جعل لكلّ ملة شريعة ومنهاجاً ...> وذهبوا بهذا إلى أننا غير ملزمين بشريعة من قبلنا. لم يُحتاج فيه إلى "مِنْكُمْ" لصياغة المعنى. تراوحت معظم التفسيرات بين الصيغتين اللتين ذكرهما الطبري، غالبها على عدم اعتبار "مِنْكُمْ". تضمينها له مغزى خاص، يترتب عليه مجاز وزيادة في المعنى، القاعدة النحوية: "الزيادة في المبنى زيادة في المعنى"، وفيما قال الطبري والزركشي، رحمهما الله: "والواضع الحكيم لا يضع الشيء إلا لفائدة".

ثم تأمل قول الحق تبارك وتعالى:

* لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ * ‏  (الحج: 67)

الجعل من الشارع الحكيم، فما دور "هُمْ نَاسِكُوهُ"؟ قيل بمعنى عبادة "تعبدوا أو عابدين بها"، ولا يلزم من هذا النص. نظرنا أن الجعل من الواضع الحكيم يتطلب إعمال العقول، هذا الإعمال مقصود "مِنْكُمْ" في المائدة و"هُمْ نَاسِكُوهُ" في الحج. فللعباد دور في تهيئة العبادة، يكافئ دورهم في جمع القرآن وقوله العزيز العليم:

 * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ *  (القيامة: 17)

أولى التكاليف الخاصة بالقرآن نزولاً، وقد أتمه الصحابة، رضى الله عنهم وأرضاهم في جنة الخلد، بأمانة غير مسبوقة ولا ملحوقة إلاً في النبوة. أقر النظار تدرج التشريع مع النزول، فجاء بعد ذلك في هذه التكاليف دورهم في التأويل، قوله تعالى:

* هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ ۚ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ *  (الأعراف: 53)

ثم التفسير:

* وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا *  (الفرقان: 33)

ثم أحسن التأويل:

* وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا *  (الإسراء: 35)

تكرر مرة أخرى في النساء (59)، مثاني. ثم بعده نزل تكليف الاستخلاص في المنهاج (بيانه فيما بعد بعون الله):

* وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي ۖ *  (يوسف: 50، 54)

ثم تضمين تكليف الحفظ في "إِنَّا" الثانية:

* إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ *  (الحجر: 9)

ثم المتشابه وتأويله في المدني آل عمران (7) بتضمين تكليف الراسخين كما بينا في التساؤلات. عقبه جاء التدبر مكرراً مرتين:

* أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ *  (النساء: 82، محمد: 24)

ثم الرد والاستنباط، آيتين متتالتين:

* وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ *  (النساء: 83)

كل هذه تكليفات تتبع وتترتب على الجعل والتنزيل من الخلاق العليم، تندرج تحت مسمى "مِنْكُمْ" في المائدة (48) و"هُمْ نَاسِكُوهُ" في الحج (67). أوضح باعتبار التأويل والاستنباط والاستخلاص، التدبر في شموله.

استنبط الإمام الشافعي، رحمه الله، أصل "الإجماع" من قوله جل شأنه:

* وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * (النساء: 115)

ليس في القرآن هذه الصياغة لمبدأ الإجماع في أصول الشريعة، إنما مستنبطاً من معطيات وعينيات الذكر الحكيم. مثل ذلك في كليات الشريعة. ومثل ذلك في المنهاج والسبع المثانى، ليس هناك نص عليها إلا الإرشاد والتمثيل، فيتطلب التدبر رصد التكرار، والتأويل ومنه التجريد والاستقراء، لاستخلاص السبع المثانى والمنهاجيات. هذا الذي نراه مقصوداً في "مِنْكُمْ" في المائدة، دور العقل في الاستخلاص والصياغة، مثل ثنائية "الجزئي والكلى"، ليس لها هذا المنطوق في القرآن، الذي عليه الجعل في آية المائدة، إنما أنتم تجمعون وتحفظون وتفسرون وتتأولون وتستنبطون وتستخلصون وتصيغون ما تتعبدون به، مكلفون بذلك كله في: "مِنْكُمْ". والله أعلم هو الهادي إلى سبل الرشاد.

رمضان كريم، وزانت أيامكم الصالحات من الأعمال بإذنه الرحمن الرحيم.

 

اليوم الثانى عشر

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

موسى، عليه السلام:

دلالات التكرار المنهاجية لا حصر لها باعتبار الحروف والكلمات والجمل والآيات والأمدية (من مدى) المنهاجية والسور. هنا مثال على تكرار اسم نبي الله موسى، عليه السلام، نوضح فيه تحليل دلالة التكرار، خاصة إذا تجاوزت الأرقام الأساسية في تكرارات المنهاج وهي التثنية والثلاثية والسبعة والاثني عشر، بيانها في "تساؤلات المنهاج". تكرار اسم موسى، عليه السلام، بلغ في القرآن 136 (مائة وستة وثلاثون) أكبر عدد في تكرار اسماء الأنبياء والرسل، فهو، عليه السلام، الأكثر ذكراً في الذكر الحكيم قصصاً، وقصصه في غالبه دلالة منهاجية. توزع التكرار، مع ملاحظة المقام النحوي، كما يلي:

  • البقرة: 13 مرة، منها واحدة مضاف إليه: "آلُ مُوسَىٰ" (آية: 248). دل التكرار على أبواب المنهاج الإثنى عشر. وقد جاء دليلها مع الحًجَر، تشبيها للمتشابه، وقوله جل وعلا: "اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ ۖ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ۖ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ ۖ "، تكرر مرتين بإشارة المثانى، وهو الدليل الرئيسي على أبواب المنهاج. بمعنى أن المثانى هي بنية المنهاج. والله أعلم.

  • طه: 17 مرة، منها 12 فاصلة بإشارة المنهاج. لقد تساءل الكثيرون عن ذكر هارون قبل موسى، عليهما السلام، في الآية (70) وقوله تعالى: "بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَىٰ"، تضاربت الأقوال، في المنهاج جاء اسم موسى، عليه السلام، مؤخراً على الفاصلة ليكتمل العدد 12 (اثني عشر) على الفاصلة. والله أعلم. 

  • يونس: 8 مرات، واحدة منها ملحق رسمه بحرف الجر: "لِمُوسَىٰ" (83)، فإشارة السبع المثانى. 

  • الشعراء: 8 مرات، واحدة منها مضاف إليه: "أَصْحَابُ مُوسَىٰ" (61)، فإشارة السبع المثانى، الاستدلال مثل ما في يونس، تكرر مرتين إشارة المثانى مؤكدة.

  • القصص: 17 مرة، منهم خمسة مضاف إليه: "نَّبَإِ مُوسَىٰ"، "أُمِّ مُوسَىٰ" 2، "إِلَٰهِ مُوسَىٰ"، و"قَوْمِ مُوسَىٰ"، وبقيت 12 مرة بإشارة أبواب المنهاج. المرة الثالثة بالعدد المطلوب لليقين في الاستدلال.

  • غافر: خمس مرات، ثلاثة منها مفعول به، فإشارة الأزواج الثلاثة في قانون التأويل المنهاجى.

  • جاء التكرار مثنى في سبع من السور: النساء، الإسراء، الكهف، المؤمنون، الأحزاب، الصافات، والأحقاف. بالإضافة إلى الدلالة في سورتي يونس والشعراء، تكون هذه المرة الثالثة للتدليل على السبع المثانى، مطلوب اليقين في الاستدلال. والله أعلم.

  • ذكر اسمه، عليه السلام، ثلاث مرات في خمس سور: المائدة، الأنعام، هود، إبراهيم، والنمل. ثلاثة منها بها حروف مقطعة، فإشارة الأزواج الثلاثة في قانون التأويل المنهاجى.

  • خلاف ذلك فقد ذكر اسمه، عليه السلام، تسعة عشر مرة في الأعراف، الأكثر بين السور. وذكر مرة واحدة في أربعة عشرة سورة، تفصيل ذلك ليس مقامه فهو يعتمد بالأكثر على الحكم النحوي. والله أعلم.

فتأمل بحور الدلالة المنهاجية وهذه قطرات منها. في الجملة فهذه الدلالات دليل واضح على أن التوراة مع نبي الله موسى، عليه السلام، قد احتوت على المنهاج والسبع المثانى، مثلها في ذلك الرسالتين التاليتين الإنجيل والقرآن الكريم. لذلك أدلة ناصعة من القرآن بيانها في مقام آخر بعون الله ومشيئته جل فضله.

تقبل الله صيامكم وقيامكم والصالح من أعمالكم، وقد هل علينا عيد الفطر المبارك، جعله الله عيداً سعيداً عليكم وأمة الإسلام، أعاده الله عليكم بالخير والسؤدد والسلام، بإذنه الملك القدوس السلام. ودمتم إلى لقاءات منهاجية آخري بإذنه الكبير المتعال.

------------------------------------------------