بسم الله الرحمن الرحيم
أهم تساؤلات المنهاج:
1- أين المنهاج؟
2- المحكمات والمتشابهات.
3- واو والراسخون.
4- التكرار.
5- السبع المثانى والفاتحة.
6- التأويل.
7- الخاتمية.
8- الإكنان.
9- الإحكام.
ثالثا: واو والراسخون.
يقول أحكم الحاكمين:
" هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ " (آل عمران: 7)
ابن عاشور، رحمه الله، أجمل ما مع السلف والخلف فى واحد من أحدث التفاسير الجامعة، مما اسهب قال فى "التحرير والتنوير": " فالراسخون في العلم الثابتون فيه العارفون بدقائقه، فهم يحسنون مواقع التأويل، ويعلمونه. ولذا فقوله " والراسخون " معطوف على اسم الجلالة، وفي هذا العطف تشريف عظيم كقوله: " شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم " (آل عمران: 18)، وإلى هذا التفسير مَال ابن عباس، ومجاهد، وَالربيع بن سليمان، والقاسم بن محمد، والشافعية، وابن فورك، والشيخ أحمد القرطبي، وابن عطية، وعلى هذا فليس في القرآن آية استأثر الله بعلمها. ويؤيّد هذا أن الله أثبت للراسخين في العلم فضيلة. ووصفهم بالرسوخ، فآذن بأنّ لهم مزية في فهم المتشابه لأنّ المحكم يستوي في علمه جميع من يفهم الكلام، ففي أيِّ شيء رسوخهم؟ وحكى إمام الحرمين، عن ابن عباس أنّه قال في هاته الآية «أنا ممّن يعلم تأويله». وقيل الوقف على قوله " إلا الله " وإنّ جملة " والراسخون في العلم " مستأنفة، وهذا مروي عن جمهور السلف، وهو قول ابن عمر، وعائشة، وابن مسعود، وأبي، ورواه أشهب عن مالك في جامع العتبية، وقاله عروة بن الزبير، والكسائي، والأخفش والفرّاء، والحنفية، وإليه مال فخر الدين. ويؤيّد الأول وصفهم بالرسوخ في العلم فإنّه دليل بيّن على أنّ الحُكم الذي أثبت لهذا الفريق، هو حكم من معنى العلم والفهم في المعضِلات، وهو تأويل المتشابه، على أنّ أصل العطف هو عطف المفردات دون عطف الجمل، فيكون الراسخون معطوفاً على اسم الجلالة فيدخلون في أنّهم يعلمون تأويله. ولو كان الراسخون مبتدأ وجملةُ "يقولون ءامّنا به " خبراً، لكان حاصل هذا الخبر ممّا يستوي فيه سائر المسلمين الذين لا زيغ في قلوبهم، فلا يكون لتخصيص الراسخين فائدة. قال ابن عطية «تسميتهم راسخين تقتضي أنّهم يعلمون أكثر من المحكم الذي يستوي في علمه جميع من يفهم كلام العرب، وفي أيّ شيء هو رسوخهم إذا لم يعلموا إلاّ ما يعلمه الجميع وما الرسوخ إلاّ المعرفةُ بتصاريف الكلام بقريحة معدة» وما ذكرناه وذكره ابن عطية لا يعد وأن يكون ترجيحاً لأحد التفسيرين، وليس إبطالاً لمقابله إذ قد يوصف بالرسوخ من يفرق بين ما يستقيم تأويله، وما لا مطمع في تأويله. وفي قوله " وما يذكر إلا أولوا الألباب " إشعار بأنّ الراسخين يعلمون تأويل المتشابه."
نتفق مع ما أورده الشيخ فى إجماله، مع ملاحظة أن الفخر الرازى، رحمه الله، كان ميالاً إلى إحتمال القولين، العطف والإبتداء. نحن إبتداءأ مع العطف، لنا فى ذلك أدلة لم يتطرقوا إليها، خاصة فيما يتعلق بخاتمية الرسالة التى لم تكن كذلك إلا بالمتشابه، الذى يستتر تحته النذير والبشير، والإعجاز فى مطلب الرسالات يترى فى العصور دون مقتضى بعث الرسل، أصابها الإعراض وعاد القرآ ن مهجوراً لقصور فى أدوات التأويل. ثم إن هناك فارق بين أن الراسخين يعلمون طرائق التأويل وبين أن يعلموا المؤول إليه. فأما الأول فلا جرم إستحقوا عليه الرسوخ فى مكمنه، وهو فى منظورنا المعنى به فى الآية الكريمة بالعطف، جزئياً على الأقل، يختلف من عصر لعصر بتراكم العلوم وتقدمها، ما أشار إليه ابن عاشور بتفسيره، ولا يترتب على ذلك إختلاف المؤول إليه، إنما الوصول إلى الحقيقة المضمرة من عدمه. أما هذا الثانى فهو بالقطع فى علم الله، المعنى به فى الآية الكريمة بالإبتداء، إلى أن يتحقق ويقع المراد الخفى المؤول إليه، أى التأويل الحق الذى لا زيغ فيه مبدئياً، به يكون العطف سائغاً، ويكون التوفيق بين القولين، والله أعلم به التوفيق.
والعطف أولى لقول العليم الحكيم:
" وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ ۖ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ " (العنكبوت: 43)
معلوم أن الأمثال من المجاز فمن المتشابه، فتعتبر هذه الآية الكريمة بمثابة المحكم لما فى أية آل عمران من متشابه الواو إختلفت عليه الأفهام. الآية محكمة إلا " نَضْرِبُهَا " تؤيد العطف، إن العالمين الراسخين هم ما لديهم طرائق التأويل من قوله جل علمه: " يَعْقِلُهَا "، بمعنى إتعاب القرائح لا علم الغيب المؤول إليه، وفى ذلك دينامية تعبر العصور.
هناك فارق بين أن يكون تأويل المتشابه يستأثر بعلمه تعالى علمه، وبين أن يعتبر من أنباء الغيب. فالذين قالوا بالإبتداء أوحوا بأن الله إستأثر بعلمه لأنه من الغيب، وفى ذلك مغالطة وخلط للأوراق. فعلم الغيب على أنواع، منها ما هو من أنباء الآخرة من بعث وجنة ونار، ومنها ما قد سلف مثل ما حفل به القصص القرآنى، ومنها ما هو آت ما بعد الوحى مثل قوله جل علمه: " غلبت الروم "، جميعها ورد بالقرآن، الأكثر من الأخير تجده فى المتشابه، وضع لهذا الغرض، وهو الذى به كانت الرسالة خاتمة. تأمل قول علام الغيوب:
" ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ " (أل عمران: 44)
تكرر مرة أخرى فى يوسف (102)، وثالثة فى هود بتلك (49). وإذا كان هذا الغيب من ذكر الماضى فإنه تعالى أطلق وحدد حدود الغيب الذى يطلع الناس عليه فقال قوله الحق:
" وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ " (آل عمران: 179)
علام الغيوب جل ذكره إستثنى من نفى الإطلاع على غيبه ما أوحى به لرسله، مطلق الرسالة، فصله فى سورة الجن بقوله العليم الحكيم:
" عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا * لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا" (الجن: 26 - 8)
قوله عز وجل: " يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا " مترتب على الإرتضاء ومتعلق بالإستثناء، لذلك فهو يعنى بهً حاضر دنياهم وفيه علم المناسبة، ويعنى ثانياً أنباء ما قد سلف " مِنْ خَلْفِهِ " من الأقوام، مثل ما فى القصص القرآنى، وهما من علم الغيب إستثناهما تعالى من عدم الإظهار للناس، فيظهر لهم هذه من طريق الوحى. أتبع ذلك بقوله: " وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا "، تأكيدأً وتفصيلاً لما " بين يديه "، وبأن ليس هناك تفريط فيما بلغ من رسالة. وهذا التأويل هو عندنا السائغ فى مقامه. ليس مقصود قوله: " يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا " أن الله وضع ملائكة "رصدا" لحراسة الرسول من فتن الشيطان وغواياته كما فى التفاسير، فهذا من قبيل تجاوز الدليل بالثمن القليل، وقد أشير لمثل هذا المعنى فى موضع آخر من القرآن يعتنى بعصمة الرسول، عليه الصلاة والسلام. فما إستأثر بعلمه جل شأنه لم يوحى به ولم يظهر عليه أحداً، فى رسالة أو وحياً أو من وراء حجاب. وما أظهره تعالى فى الأخر قرنه بمطلب التدبر، والتأويل من أبواب التدبر، تأييدا لواو العطف. ثم إنه أطلق العلم فى قوله الحق:
" وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ " (البقرة: 256)
كان علم الغيب من غيب الآخرة مثل قيام الساعة أو كان علم دقائق الكون وما فيه من ذرات ونويات ونجوم، والأحياء من روح ودورات الحياة والتراكيب العجيبة للكروموزومات، دقائق خلقه الخلاق العليم. أحاطهم تعالى علمه ببعض من هذا كله وأكثر، بما شاء من هذا كله، وهذا كله تجده فى القرآن وفى متشابهه بالأكثر. ثم إن المصطفى، عليه الصلاة والسلام، تكلم بلسانه الخلاق العليم فقال:
" قُل لَّا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ " (الأنعام: 50)
نفى النبى، عليه الصلاة والسلام، علمه بالغيب، إنما يتًبع الوحى بما فيه مما أظهره الله لعباده من غيب. تأمل أن قوله جل وعلا: " إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ " تكرر فى الذكر الحكيم ثلاث مرات (الأنعام: 50، يونس: 15، الأحقاف: 9) بإشارة المنهاج – كما سنرى فيما بعد - الذى هو المتشابه، الوجه الآخر للتأويل. والإتباع لا يتأتى على أصله شاملاً إلا بالتأويل الذى يخلو من الزيغ. فثبت العطف فى واو والراسخون.
نقول أن مفهوم خاتمية الرسالة لم يدلل عليه كما يجب، من ذلك أن العطف فى واو والراسخون توجبه خاتمية الرسالة. تأمل قول العليم الحكيم:
" سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ " (فصلت: 53)
فيها قال الرازى، رحمه الله: " قولان الأول: أن المراد بآيات الآفاق الآيات الفلكية والكوكبية وآيات الليل والنهار وآيات الأضواء والإضلال والظلمات وآيات عالم العناصر الأربعة وآيات المواليد الثلاثة، وقد أكثر الله منها في القرآن، وقوله " وَفِي أَنفُسِهِمْ " المراد منها الدلائل المأخوذة من كيفية تكون الأجنة في ظلمات الأرحام وحدوث الأعضاء العجيبة والتركيبات الغريبة، كما قال تعالى: " وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ " (الذاريات: 21) يعني نريهم من هذه الدلائل مرة بعد أخرى إلى أن تزول الشبهات عن قلوبهم ويحصل فيها الجزم والقطع بوجود الإله القادر الحكيم العليم المنزّه عن المثل والضد" ... " فهذا إخبار عن الغيب وقد وقع مخبره مطابقاً لخبره، فيكون هذا إخباراً صدقاً عن الغيب، والإخبار عن الغيب معجزة، فبهذا الطريق يستدل بحصول هذا الاستيلاء على كون هذا الدين حقاً". فالمقصود بالآيات فى " آيَاتِنَا " ليس آيات التلاوة إنما آيات الإعجاز الكونية. فى الذكر الحكيم دلائل الإعجاز ما بعد إنقضاء الوحى، إما الوقوع والمشاهدة، وإما التأويل وإما كليهما. ومعلوم أن التأويل يلزمه دليل خارجى، والذى يقف عليه العلماء، ما يقتضى أن لهم الفضل فى إثبات الإعجاز فيما بعد إنقضاء الوحى، المستقبل الذى يضمره العطف فى واو والراسخون. يكمل هذا المعنى قول علام الغيوب:
" خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ ۚ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ " (الأنبياء: 37)
" آيَاتِي " فى الذكر الحكيم تعنى آيات التلاوة لا آيات الإعجاز الكونية، مثل ما فى قوله عز وجل: " قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ " (المؤمنون: 66). هناك فى فصلت الآيات الكونية فيما بعد إنقضاء الوحى، وهنا آيات التلاوة، بمعنى أن الأيات الكونية هى أدلة التأويل لآيات التلاوة، كلاهما فى المستقبل من الوحى، مثل قوله جل علمه: " اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ " (التوبة: 38) من بين " آيَاتِي " فى الأنبياء، وهو دليل الجاذبية الأرضية التى أكتشفت مؤخراً وهى الدليل الخارجى الكونى للإعجاز من بين " آيَاتِنَا " فى فصلت. فمن يوفق بينهما فى المستقبل من الوحى سوى الراسخون فى العلم؟ إمعاناً لواو العطف المستقبلية قال الخلاق العليم:
هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ ۗ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا ۗ قُلِ انتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ" (الأنعام: 158)
فيها الأيات كونية. وقال:
" هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ ۚ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ " (الأعراف: 53)
ليس اليوم يوم القيامة كما قيل فى التفاسير، إنما يوم فى الحياة الدنيا بعد إنقضاء الوحى، يوم يدلل الراسخون فى العلم بالتأويل على إحدى معجزات الخالق فى الكون بمقتضى خاتمية الرسالة. فهل من حجة لواو الإبتداء بعد هذه الآيات الكريمة المستقبلية، لإثبات بالمعجزات على مر العصور أن رسل الله، صلوات الله عليهم وسلامه، قد جاءت بالحق من ربهم العليم الحكيم؟
وتعجب، بالرغم مما أثير حول واو والراسخون والإبتداء النحوى فيها، والتحذيرات المظنونة من إتباع المتشابه، فإن من تعرض لتفسير القرآن لم يتوان فى تناول كل القرآن آية آية بما فيه من متشابهات، بل منهم من عنون تصنيفه بالتأويل، والإمام الطبرى، رحمه الله، فى مصنفه "جامع البيان فى تفسير القرآن" يقول فى كل آية بالتأويل وليس التفسير، حتى المحكم منها. فقد نسفوا عملياً القول النحوى بالإبتداء فى واو والراسخون. ومن تعرض من العلماء للمتشابه العقيدى أصابوا فى كثير من التأويلات العقيدية، لكن المتشابه كما فى سورة الزمر " كتاباً متشابهاً مثانى " يشمل القرآن جميعه، فتعد مثل هذه التأويلات فردية لا قاعدة لها إلا الرد إلى الدليل الإعتقادى مبناه " ليس كمثله شيئ " ، منها اليد والعين والإستواء وما مثلها إعتدادا بالتنزيه. ومعلوم الإختلاف فيها بين الفرق، تشيعوا على المتشابه وتأويله، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
لا جرم أن الحديث الشريف يصدق بالقرآن وبمعطياته، فنعثر فيه أيضاً على ضالة المختلفين على واو والراسخون. تأمل حديث رسولنا الكريم، صلى الله عليه وسلم: عن على، رضى الله عنه: سمعت رسول الله يقول: "إنها ستكون فتنٌ، قلتُ : فما المخرجُ منها يا رسولَ اللهِ ؟ فقال : كتابُ اللهِ، فيه نبأُ ما قبلكم ، وخبرُ ما بعدكم ، وحُكمُ ما بينكم، هو الفصلُ ليس بالهزلِ، من تركه من جبَّارٍ قصمه اللهُ، ومن ابتغى الهدَى في غيرِه أضلَّه اللهُ، وهو حبلُ اللهِ المتينُ ، وهو الذِّكرُ الحكيمُ، وهو الصراطُ المستقيمُ، وهو الذي لا تزيغُ به الأهواءُ، ولا تختلفُ به الآراءُ، ولا تلتبس به الألسُنُ، ولا يَخلَقُ عن كثرةِ الرَّدِّ ، ولا تنقضي عجائبُه ، ولا يَشبعُ منه العلماءُ، من قال به صدَق، ومن حكم به عدَل، ومن عمِل به أُجِر، ومن دعا إليه هُدِيَ إلى صراط مستقيمٍ" (أخرجه الترمذي (2906)، والدارمي (3374)، وابن أبي شيبة (30629) باختلاف يسير). معلوم أن الرد لا يكون إلا للمتشابه، رده للمحكم، وهو باب من التأويل، فمن يقوم بالرد الكثر؟ ومن يتقصى ويجرى وراء عجائبه المعجزات، التى منها "خبر ما بعدكم"، فيكشف عنها ويثبتها للخالق؟ وفيم لا يشبع العلماء غير معضل المتشابه؟ يُحمل كل ذلك على واو والراسخون، ويتكفل الراسخون فى العلم بالتكليف المتضمن والمهام الملقاة على عاتقهم على مر الزمان بإتعاب القرائح، وإلا التفريط.
روى أبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه وغيرهم أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال في ضمن حديث طويل: ”إن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورِّثوا دينارًا ولا درهمًا، إنَّما ورَّثوا العلم، فمن أخذَه أخذ بحظٍّ وافر." فى المعنى: أولاً تضمين إشارة المستقبل من الوحى من الوراثة، وثانياً إثبات المعجزات للخالق جل ذكره شأنهم فى ذلك شأن الأنبياء، وثالثاً تكليف العلماء بمهات من مهام الأنبياء بخلاف الوحى، فى مقدمتها الإشتغال بمعطيات الوحى للأنبياء، عليهم الصلاة والسلام. يقع ذلك فى تكليف العطف فى واو والراسخون، وبه يمتد الوحى فى كل زمان وكل مكان، مناط الوحى لرسولنا الكريم، صلوات الله عليه وسلامه. ففى العطف ليس فقط تشريفاً للعلماء كما قيل، ولكن أيضاً تكليف لهم بإتعاب القرائح فى بحر دلالة الوحى الواسع بلا برور، لا شبع منه على مر العصور. فى ذلك أيضاً إثبات لخاتمية الرسالة، بما يعنى تأويل المتشابه فى المقام الأول. والله أعلم منه الهدى وبه التوفيق.
- Printer-friendly version
- 17 views