تساؤلات المنهاج (2).

بسم الله الرحمن الرحيم

أهم تساؤلات المنهاج:

1- أين المنهاج؟

2- المحكمات والمتشابهات.

3- واو والراسخون.

4- التكرار.

5- السبع المثانى والفاتحة.

6- التأويل.

7- الخاتمية.

8- الإكنان.

9- الإحكام.

 

ثانيا: المحكمات والمتشابهات.

 التساؤل الثانى ما المقصود بالمحكمات والمتشابهات فى قوله أحكم الحاكمين:

﴿ هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ﴾  (آل عمران: 7)

المحكمات:

الرأى شبه مستقر على أن المحكم ما خلا من الإحتمال، وقيل ما لا يحتاج إلى غيره لفهم معناه، وقيل هو ما يرد إليه غيره، المتشابه، وكأنه المرجع من قوله عز وجل: " هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ "، وقيل هو الأحكام الشرعية، وقيل هو الناسخ (موضوع المحكم والمتشابه). فى المنهاج نتفق مع هذه المقولات إلا النسخ حيث لا نسخ فيه بأى وجه. نتفق معها مجتمعة فهو الذى يخلو من الإحتمال، ولا يحتاج إلى غيره، ويرد إليه المتشابه، وتجد المحكم بهذه الأوصاف الثلاثة فى الأحكام الشرعية. ثم نضيف بأن ذلك صحيح فى الإفراد، لأن التكرار يضفى التشابه حتى لو كان الإفراد محكماً بتلك المعانى، كما سنرى بعون الله. متى ثبت مطلب التأويل للمتشابه يصبح عندنا نوعان من المحكم، محكم بالوضع واضح معناه ومقتضاه، ومحكم ناتج التأويل يتكفل به الراسخون فى العلم، فيصير القرآن كله محكماً عند تحقق التأويل الحق للمتشابه، معلوم أنه لم يتحقق بعد، وقد عاد  القرآن مهجوراً.

يجوز إعتبار المحكم على أنه الذى يخلو من المجاز، وبالتالى ليس به من المتشابه. وحيث هو كذلك فيخلو من الإحتمال، ولا يحتاج لغيره فى تحصيل مفاده، ويصح أن يكون مرجعياً، الأوصاف الثلاثة، وهو كذلك فى نصوص الشرعة القاطعة. لكن المنهاج ينبنى على المجاز، إن كان فى ظاهر الإفراد أو بالتكرار، فندر معه وجود المحكم بهذا المعنى، وهو المستفاد من قوله جل شأنه: " كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ "، بمعنى أن المجاز يكتنف القرآن جميعه، على الأقل من باب التكرار والسبع المثانى، ثم قواعد النحو والبلاغة من بيان ومعانى وبديع عند أهل اللغة. توصل الرازى، رحمه الله، إلى مثل هذه النتيجة من الناحية اللغوية فقال: "الدلائل اللفظية لا تكون قاطعة ألبتة، لأن كل دليل لفظي فإنه موقوف على نقل اللغات، ونقل وجوه النحو والتصريف، وموقوف على عدم الاشتراك وعدم المجاز، وعدم التخصيص، وعدم الإضمار، وعدم المعارض النقلي والعقلي، وكان ذلك مظنون، والموقوف على المظنون أولى أن يكون مظنوناً، فثبت أن شيئاً من الدلائل اللفظية لا يكون قاطعاً"، فيصير عندنا مشكل بين النص على أن القرآن به محكم (آل عمران: 7) وبين التأويلات اللغوية والمنهاجية. الأصح عندئذ أن يعتبر المحكم ما هو واضح مفهوم فى نفسه، لا يحتاج إلى غيره لبيان مقاصده، مثل غالب النصوص الشرعية. مع وضوح المفهوم فى نفسه، إن شابه الحاجة إلى بيان أو تأويل لفض معارض، كالتخصيص عند الأصوليين، كان به مجاز يستدعى التأويل والمحكم لا يحتاجه، وعد من المتشابهات، وإن تكرر فقد تضمن متشابهاً دليلاً منهاجياً إضافياً لا يجُب دلالة الإفراد المحكمة، على طريق عدم التفريط، الذى يعنى ثراء  الدلالة.

ثم تساؤل هل القرآن بعضه محكم كما فى هذه الآية الكريمة، أم أن كله محكم لقول الحكيم العليم: "كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ " (هود: 1)؟ في الظاهر هناك تعارض بين الآيتين، تأتَّى لقصور فى فهم معنى الإحكام فى الأخيرة. فى هود فعل الإحكام من "أَحْكَم"، بينما في آل عمران المفعول به الإسم الصفة "المحكم". فقوله تعالى: " أُحْكِمَتْ " لا يعنى المحكم من القول، إنما قصد بالفعل الماضى الصناعة، أن القرآن كله أحكمت صناعته وأتقنت، أو صُنِعَ محكماً: "في النظم والرصف وأنه حق من عند الله"، مقالة الإمام القرطبى، رحمه الله، ونتج من هذه الصناعة المحكمات والمتشابهات، كليهما "أُحْكِمَتْ " صناعته وأُحكم وضعه. بل إن الإحكام المقصود به فى هود يتوجه للمتشابهات أكثر من المحكمات، لما في الأولى من خفاء ومجاز، سيجئ بيانه بعون الله. يعزز ما ذهبنا إليه قوله جلت حكمته: " فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ ۗ"، فعل الإحكام فى المضارع، حيث لا يكف الشيطان. فلا تعارض بين الآيتين، وليس من دليل، كما قيل، على أن القرآن كله "محكم" بالمعنى الذى في آية آل عمران. والله أعلم به التوفيق.

المتشابهات:

قيل بأن الله إستأثر بعلم المتشابه، ونؤمن به ولا نعمل به. غالباً لأن لا أحد يعلم مقاصده وحاجة العباد فيه، وفي هذا مصادرة على التنزيل وتعطيلاً لدلالة المتشابه. أما الذين نظروا فى  الظاهر قالوا بأنه سمى متشابهاً لأن القرآن يشبه بعضه بعضاً ويصدق بعضه بعضاً، ما يعتبر مبتدى النظر فى المتشابهات. من العلماء من جرى وراء هذا التعريف وسبر القرآن وفتش عن تشابهاته آية آية بحثاً عن مدى التشابه لفض التعارضات فى المعانى اللفظية والنحوية والعقيدية أو التشريعية، ولدرء الشبهات حول القرآن. لكنهم لم يتخطوا حدود اللغويات صوب حقيقة المضمون.

 والذين إبتغوا الحقيقة المضمرة خطوا الخطوة الإبتدائية الضرورية وقالوا بأن المتشابه هو الذى يحتمل وجوها، وإذا ردت الوجوه إلى وجه واحد وأُبطل الباقى صار المتشابه محكماً، ومنه تعريف المحكم: الذى يحتًمل وجهاً واحداً. بهذا التعريف أثبتوا حاجة المتشابهات إلى التأويل. الزمخشرى، رحمه الله، ضرب مثلاً فقال: "{ مُتَشَـٰبِهَـٰتٌ } مشتبهات محتملات، { هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ } أي أصل الكتاب تُحمل المتشابهات عليها وتردّ إليها، ومثال ذلك: ...

{ أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا  [الإسراء: 16].

{ لاَ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَاء  [الأعراف: 27]"

الله عز وجل تعالى عن الأمر بالفسوق فى الأولى، فكانت الآية من المتشابهات، وردها إلى آية الأعراف، فهذا تأويل الأولى المتشابهة من طريق الرد إلى الثانية المحكمة. فى المنهاج تعد الأولى أيضاً من المتشابهات لأن بها ثنائية "الإختيار والجبر" من السبع المثانى، الوجه الثانى المنهاجى من التأويل، مثلها مثل قوله عز وجل: "  وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَى " (الأنفال: 17)، ثنائية فى منهاجية، كما سيجيئ بيانه بعونه تعالى.

فى ذلك لم يجيبوا على سؤال التكرار: لماذا يشبه بعضه بعضا؟ إلاَ أنهم قالوا بالإبتلاء ومعالى الدرجات للعلماء، وبعضهم يثبت إعجاز النص الإلهى من طريق التشابه، بينما الأسباب الحقيقية التى تليق بالقرآن أبعد من ذلك بكثير، والإعجاز تحت المتشابه تعجز عن تصوره العقول، وتتحقق من قوله تعالى: " فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ ".

ثم تساؤل هل بعض القرأن متشابه كما في سورة أل عمران (7): " وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ "، أم أن كله متشابه كما في سورة الزمر (23) وقوله جل وعلا: " كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ  "؟ كلا القولين من المحكمات لأنه تقرير العزيز الحكيم. الإنطباع الأول عن الأخير أن التشابه سببه المثاني، ويعني كذلك أن المثاني متشابهات. لحل الاستشكال يلزمنا تعريف ما هي المثاني؟ فإذا كان القرآن كله متشابهاً فلا يمكن اعتبار المثاني هي الفاتحه، إنما القرآن كله مثاني. وقد توصلنا بالبحث المضني ان المثاني تعرفها من التكرار، من القول بان القرآن يشبه بعضه بعضاً. فنقول إن آية آل عمران تتكلم عن المحكم والمتشابه فى الإفراد لفظا أو عبارة أو آية، أو حرفاً مثل الحروف المقطعة فى أوائل بعض السور، تركيب النص المعهود. أما المتشابه المثاني ففي التكرار، حتي ولو كان محكماً إفراده، فيشمل القرآن جميعه. لكن الذين بحثوا في المتشابهات بالتبعيض لم يجدوها في القرآن كله إنما البعض كما في آل عمران، ويتبع ذلك أن التشابه التكراري يمتد للألفاظ والحروف، بحور من المداد،  ما يقتضي الوقوف علي السبع المثاني بطرق تأويل خاصة نبينها فيما بعد بعون الله. نخلص إلي أنه ليس من تعارض بين الآيتين، فالأولي المتشابه فيها في الإفراد والثانية في التكرار، نوعان من المتشابه، دون التفصيل. والله أعلم به التوفيق.

ألم تر أن الله تعالت حكمته شبه الشرعة والمنهاج بالنهر والبحر فى قوله جل شأنه:" وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَٰذَا مِلْحٌ أُجَاج " (فاطر: 12)، الآية الكريمة من المتشابهات، إفراداً للمجاز فى " الْبَحْرَانِ " وتكراراً مرتين للفظ " هَٰذَا "،  بالإضافة إلى متشابه تكرار الآية كاملة مرتين (الفروق فيها تفصيل)، وهى تعتنى بنسبة الصلاحية للشرب بين الماء العذب فى الأنهار والملح الأجاج فى البحار والمحيطات. هى نسبة المفهوم بين المحكم والمتشابه، الأول مفهوم فى نفسه لا يحتاج إلى تأويل، وهو عملية التحلية للمياه المالحة، أما الثانى يحتاج إلى عملية تحلية ليسوغ شرابه، بمثابة التأويل للمتشابه ليصبح محكما واضح المفهوم. التراتب واحد بين الآيات: يأتى أولاً المحكمات (آل عمران) والشرعة (المائدة) والعذب (فاطر). بناء عليه صح التعريف بأن المحكم ما لا يحتاج إلى تأويل، مقابله المتشابه، والله أعلم

بقي تساؤل ما علاقة المنهاج بالمتشابه؟ الإجابه في تناظر وتقابل بسيط بين مجهولين: المنهاج في المائدة (٤٨) والمتشابه في آل عمران (٧) وغيرها من الآيات. كلاهما نص عليه الخلاق العليم بالوضع في القرآن. لا يُعلم أين المنهاج ولاتُعلم مقاصد المتشابه وأسبابه علي التحقيق، فنقول بلا تعجب أو تردد بأن المنهاج في المتشابه، والمتشابه هو المنهاج، مثل أن الشرعة فى المحكم بالتناظر بين الآيتين. بمعنى آخر أن المتشابه شكل أو ظاهر مجهول المضمون أوالباطن، والمنهاج مضمونه الحكمة مجهول نصه، شكله أو ظاهره. فثبت أن المتشابه هو الشكل الظاهر للمنهاج المضمون الباطن. هنا تنفتح علينا مصارع التساؤلات والتأويلات، وتتفجر منابع الإستدلال، ونعلم ضخامة وصعوبة المطلوب ومخاطره، ويتبين لك أننا نحرث في أرض صلدة من ناحيتين: أن ما نسطره عن المنهاج والمتشابه يختلف عما مع السلف والخلف من العلماء، ومن ناحية ثانية أن المنهاج وصفه تعالى بالحجر (بيانه فى كتاب "إشراق المنهاج")، وما زال قائماً وصفه. يبقي تساؤلان رئيسيان: ما هي السبع المثاني وما هو المنهاج؟؟ بعض من هذه الإجابة فيما يلي من تساؤلات المنهاج، ومنها ما هو على هذه المدونة، وهي المهمة الرئيسية لكتاب "إشراق المنهاج". والمستعان هو الحكيم العليم يهدينا إلي ما يحبه ويرضاه، جل فضله وعلمه هو الأعلم.