مناسبات:

مناسبات:

مناسبات:

By المنهاج | 2:52 AM EET, Mon March 18, 2019

رمضان كريم مع يوميات المنهاج (1).

رمضان كريم مع يوميات المنهاج (1).

By المنهاج | 9:18 PM EET, Sun April 19, 2026

اليوم الأول

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

الصوم:

قول أحكم الحاكمين:

* يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(البقرة: 183)

ذكر "الصيام" معرف بالألف واللام ثلاث مرات في القرآن بإشارة المنهاج، منها اثنان في آية واحدة بإشارة المثانى، والثالث فرض الصيام في الآية الكريمة المذكورة، يكفي على المسلمين في التشريع دليل واحد، لكنه تكرر ليدلل التكرار على المنهاج. وقد ذكر أمر الصلاة للجماعة 12 مرة بعدد أبواب المنهاج (راجع مقالات تساؤلات المنهاج)، أي أن الصيام والصلاة داخلان في المساحة المشتركة بين الشرعة والمنهاج، كذلك الزكاة، دليل واحد يثبت الفرض لكنه تكرر. قد يقال إن التكرار هنا للمتعلقات، ما استند إليه الإمام الشاطبي في استدلالات الأصول وقطعية الأحكام في مسألة التواتر ("تساؤلات المنهاج")، لكن النص القرآني لا يُحتاج معه إلى أدلة أخرى لإثبات الفرض، ولا يًحتاج في الإثبات لتكرار متعلقاته، فهذا باب إضافي للفروض والاعتقاد.

قد ذكر الصيام مُعرف وغير مُعرف، مجرد وغير مجرد، 9 مرات في سبع آيات، إشارة السبع المثانى، لكنه ذكر مثنى في آيتين، إشارة المثانى مرتين، إحداهما تكرار مطابق، أكثر قطعية في الدلالة من غير المطابق.

تكرار "كُتِبَ" مرتين يدلل على أن الآية الكريمة من المتشابهات، وهي متشابهة بالتشبيه في "كَمَا"، فيخرج التطابق في الكيفية والكم بين صيامنا وصيام من قبلنا، ويبقى الكيف موحداً. تفاصيل الكيفية والكم مع فقهاء الشريعة. والله الأعلم والمستعان.

رمضان كريم، وصيام مقبول بإذنه تعالى.

اليوم الثانى

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

الأقفال:

قول العليم الحكيم:

 * أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا *  (النساء: 82) 

وقوله:

* أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا *  (محمد: 24)

تكرر سؤال التدبر مرتين بنزول مدني متأخر، فإشارة المثانى. ما أتى في الأولى بعد السؤال متعلق بنفس موضوع السؤال أي القرآن في نفس الآية، أولى من تعلقه بالآيات قبلها أو المتفرعة عليها. وفي المنهاج قاعدة إشباع الحكم أي جريانه على آحاد التكرار، فلزم من طريق ثان أن تكون القلوب والأقفال متعلقة بموضوع السؤال القرآن، لا أصحاب اللعن فيما قبل الآية، الذين قال المفسرون عنهم أن قلوبهم مغلقة عليها أقفال بلا استطاعة للتدبر، مخالف لترتًُب الدلالة في آية النساء. أقروا المجاز في الأقفال وأنها من نوع خاص لإلحاق الضمير، وقالوا بالتبعيض في القلوب النكرة، من شواهد المتشابه التي منها الطبيعي، فالقلوب الطبيعية لا تحتمل الإقفال ثم التدبر، تكليف بالمستحيل، تعالى الله. من أدلة المتشابه تكرار الأسئلة فهنا سؤالان في نفس الآية بإشارة المثانى، فتعلق السؤال بالمثاني من هذا الطريق. عندنا أن القلوب تؤول إلى المضمون والأقفال إلى أكنة المتشابه التي يستتر تحتها المنهاج. من هذه الأكنان هذا الكنان نفسه، الذي به انصرف النظر إلى المتدبًِر (باء مكسورة) بدلا من المتدبًَر (باء مفتوحة)، حتى وصلوا في تأويلاتهم إلى تخوم الصرفة وهي باطلة عند المتكلمين وفي المنهاج، عليها تفصيل بعون الله. تأويل القلوب فيما تشابه من آيات مثل الزيغ والختم والطبع، ما لا تحتمله القلوب الطبيعية، هو المضمون كما في آل عمران (7)، مفاد قوله تبارك وتعالى:

   * وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ ۘ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ ۗ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ * (البقرة: 118)

تفصيله في مقام آخر بعون الله وهداه.

فيكون المطلوب في آيتي النساء ومحمد هو تدبر القرآن لأن على "بعض" المضامين أقفال من الأكنة تحجيها عن التفقه بلا تأويل، معضل المتشابه القائم، وهو الإكنان الذي بسببه قال جمهرة من العلماء أن “واو والراسخون” على الابتداء، فأضافوا إكناناً من عندهم إلى إكنان العلى القدير. ولو كان القرآن كله محكماً بلا إكنان أو متشابه ما كان طلب التدبر، لكنه “كِتَابٍ مَّكْنُونٍ”، وهو في آن واحد “كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ”. منه لماذا كان طلب التدبر والتأويل والرد والاستنباط والاستخلاص في القرآن الكريم. وهي الأكنة التي على القلوب وجاءت ثلاثاً في الذكر الحكيم بإشارة المنهاج الذي في عداد المجهول إلى الآن، قوله جلت حكمته: “وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ”، قيل أكنة تمنعهم التفقه. والله أعلم والمستعان على مسألته.

رمضان كريم وصيام مقبول بإذن العلى القدير.

 اليوم الثالث

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

الفواصل:

       إن تتبعت التكرار في فواصل الآيات تجد برهاناً ناصعاً على أن السجع في القرآن ليس من الشعر، بل دليل إعجاز مبهر لنظم الذكر الحكيم، بل هي تدليل على معطيات المنهاج والمثاني. على سبيل المثال في سورة محمد تجد فاصلة الآيات كلها بحرف الميم إلاً آيتين: أية: “عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا” (24) وآية: “وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا” (10)، فيهما فاصلة الألف بإشارة المثانى. ذلك باعتبار أن السورة وحدة دلالية، في المنهاج من المدى المنهاجى المعتبر في التكرار. (راجع مقالة “متشابه التكرار”).

كما ذكرنا في اليومية السابقة أن الأقفال بالمجاز فيها تعنى الأكنة على متشابه القرآن الذي يتضمن المنهاج والمثاني. وهنا في دلالة الفواصل رباط بين الأقفال والأمثال، معلوم أن الأمثال من المتشابه، فتعلقت الأقفال بالمتشابه من هذا الطريق، وثبت صحة التأويل الذي ذهبنا إليه. دليل ثان من الفواصل تجد “أَمْثَالُهَا” (10) و"لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ" (3) و"ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم" (38)، إشارة ثنائية “الفرد والمجتمع” والتي كليتها “الجزئي والكلى” من السبع المثانى. فتعلقت الأقفال بالسبع المثانى من طريق الأمثال كوسيط دلالي. بما يعنى أن السبع المثانى حجبها الإكنان عن النظار للدرجة التي قالوا عنها أنها الفاتحة، لذلك مقام آخر بعونه تعالى. ووجب التنويه إلى أن الفواصل في التكرار المنهاجى تمتد من الحرف إلى المقطع إلى الكلمة، وقد تمتد إلى ما وراء ذلك للفرز والتمييز بين آحاد التكرار. في مقام آخر تفصيل على الفواصل بمشيئة الرحمن، هو الأعلم والمستعان.

رمضان كريم، جعل الله في صيامكم وقياكم القبول بإذنه جل شأنه.

 اليوم الرابع

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

 مُحكمة:

قول العزيز العليم:

* وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَىٰ لَهُمْ *  (محمد: 20)

وقوله:

* مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ * (آل عمران: 7)

تُرى لماذا خص تعالى قدره السورة في المرة الثانية بصفة أنها " مُّحْكَمَةٌ "، بالرغم من أن الذين آمنوا تمنوا وتساءلوا عن سورة وفقط؟ وهل الخوف الذي صوره الاغشاء من الموت من كون أن السورة سورة من كلام الله وتكليفه، أم لأن السورة محكمة يكون ذكر القتال فيها صريحاً واضحاً؟ إجابة الأول في المثانى أنه تبارك وتعالى ذكر الجمع في آل عمران وهنا الإفراد، فتكون دلالة ثنائية "المجتمع والفرد" التي كليتها "الكلى والجزئي" من السبع المثانى. وقد وصفها تعالت حكمته بالمحكمة بالرغم من أن القرآن ليس به سورة محكمة إنما آيات محكمات، ذلك إما أن تكون السورة كلها متشابهة الآيات أو بعضها، ولا تخلو سورة من سور القرآن من المتشابهات لقوله جل علمه: "كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ"، انسحبت صفة التشابه على الكتاب كله، فبالأولى تنسحب على كل سورة وليس بالضرورة على كل آية بدلالة آل عمران (7). الآية من المتشابهات من عدة طرق أولها التكرار الثلاثي دلالة على المنهاج، وثانيها التكرار الثنائي في "سُورَةٌ" دلالة المثاني، بالإضافة إلى المجاز الذي وصفوه في التفاسير. والله أعلم.

         إجابة السؤال الثاني قيل فيه أنها محكمة حتى لا يحتج الكفار والمنافقين بالمنطوق الذي يحتمل التأويل، فيؤول القتال إلى مبارزة كلامية مثلاً. لذا قالوا إنها سورة محكمة بمعنى غير منسوخة، ولا تدري كيف يتصور أن الله ينزل سورة منسوخة أو آية! نستغفره ومن سبقونا بالإيمان.

جاء تمنى المؤمنين بنزول سورة في لفظ "لَوْلَا"، وجاء تمنى الكفار بنفس اللفظ في النزول أيضاً في قوله البر الحكيم:

* وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا * ﴿الفرقان: ٣٢﴾‏

كما أن القرآن الكريم لم ينزل جملة واحدة كذلك لم يُتنزل فيه سورة محكمة، لأنهما من قبيل التمني. والله أعلم والمستعان.

رمضان كريم، وصيام مقبول بمشيئة الرحمن.

 اليوم الخامس

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

آخر سورة “الناس”:

* قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ *‏ مَلِكِ النَّاسِ *‏ إِلَٰهِ النَّاسِ *‏ مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ *‏ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ *

كل سور القرآن فيها آيات متشابهات كما سبق، إما للتكرار المنهاجى وإما للمجاز اللغوي في الإفراد (آحاد التكرار أو بدون تكرار)، وقد رصد البيان والبلاغة والبديع والمعاني جمع غفير من أصحاب اللغة يعتنون بالإفراد في الألفاظ والجمل، مثل الإمام الزركشي، رحمه الله، في مصنفه "البرهان في علوم القرآن". نجمل في آن كل ما داخله الإحتمال، من باب التكرار أو باب المجاز اللغوي، فهو من المتشابه، إحصاؤه عسير المنال. وهذه آخر سور الذكر الحكيم، تأمل الثلاث آيات الأولى جاءت فيها الفاصلة بلفظ "النَّاسِ"، المضاف واحد لفظاً، ثم الرابعة عدل فيها عنه، ثم عادت نفس الفاصلة في الخامسة والسادسة، بإشارة الثلاثة أزواج في القانون الرئيسي للتأويل المنهاجى سطره الباري في سورة الواقعة وقوله عز وجل: "وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً"، سبق بيانه (تساؤلات المنهاج). جاءت الرابعة مختلفة الفاصلة، الكلمة لا الحرف والمقطع، لتفصل بين الثلاثة والإثنين. من حيث أن صفات الباري “المستعاذ به” في ثلاث آيات، وصفات “المستعاذ منه” في ثلاث آيات، أصبح عندنا تدليل على الأزواج الثلاثة من طريق ثان. لو سبرت الذكر الحكيم ستجد دلائل هذا القانون في معظم السور بطرق متعددة التي منها الفاصلة مثلما هنا في سورة الناس، وفي سورة الكافرون لكن الفواصل غير مرتبة. وتجده في سورة الإخلاص وصفتين بالإيجاب وثلاث بالنفي. وتجده في أقصر سور القرآن عدداً في الآيات، ثلاث آيات في سورتين، العصر والكوثر، الجامع بينهما الفاصلة حتى في اسم السورة.

         منه ثبت أن السورة متشابهة من طريق التكرار المنهاجى. الذي يميزها بيان قاعدة "إشباع الحكم في التكرار". فالفاصلة في الثلاث آيات الأولى تتعلق بصفة من صفاته تعالى، أنه الرب والملك والإله. فالحكم واحد فيها بأنه الخالق البارئ، الإله الواحد لا شريك له، المعبود رب العباد وبه الاستعاذة. تفصيل الصفات مع المفسرين مثل الرازي وابن عاشور، رحمهما الله، اللذان أوعزا بسبب آخر للتكرار. اتبعنا القاعدة في اليومية الثانية مع آيتي تدبر القرآن. وفي إشباع الحكم بيان ما أجمل في أحد الآحاد، وقد تكون إحداها محكمة. عليها تفصيل بمشيئة الرحمن. نقول أن استدلالنا على الوجه المنهاجى يضاف إلى أوجه ما توصل إليه تدبر المفسرين، قد يختلف وقد يتفق وقد يأتى بالجديد غالب الأمر. والله أعلم والمستعان.

رمضان كريم، تقبل الله صيامكم وقياكم بمشيئته تعالى.

 اليوم السادس

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

أول سورة “الفاتحة”:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿١﴾ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٢﴾‏ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿٣﴾‏ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴿٤﴾‏ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴿٥﴾‏ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴿٦﴾‏ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴿٧﴾‏

سجال طويل استغرق القرون كي تعد البسملة آية من الفاتحة أو لا. للإثبات والنفي أدلة مع علماء التفسير. دلالة المنهاج لا تعتبرها آية إلا في النمل وقوله تعالى علمه:

* إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ *  (النمل: 30)

لم يُبتدأ بها ولم يعقبها رسالة ربانية، إنما دعوة الخلق لعبادة الواحد القهار، وثُنيت فيها أداة التقرير "إِنَّهُ"، دليل المتشابه والمثاني. في الفاتحة الأزواج الثلاثة مدلل عليها بدون البسملة في "إِيَّاكَ" و"صِرَاطَ" و"عَلَيْهِمْ". فإضافة البسملة يضيف تكرارا لا نرى له وجاهة في المنهاج، وقد عيب عليه بلاغياً (ابن عاشور بتفسيره). أدلة النفي والإثبات انبنت على أرضية مفاضلة بين سور القرآن، ليس من مستقيم الدين الحنيف، فليس من آية ولا سورة أفضل أو أخير أو أكبر من أختها: "أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ"، "وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ". ينسحب ذلك على الجهر بها في الصلاة من عدمه. أما أن تستفتح أمورك الدنيوية بالبسملة كما فعل سليمان، عليه السلام، فهو من عظيم العبادات، الاستعانة بالمعبود وذكر الله في كل أوان.

في الصفات تكرار ثلاثي مرتين، صفات المحمود جل ذكره في الثلاث آيات الأول، وصفات أصحاب الصراط المستقيم ثلاثة في آية واحدة، الأخيرة. فتأكدت الثلاثة أزواج من طريقين، تكرار الصفات وتكرار الألفاظ، أي اثنتي عشرة مثاني، بإشارة أبواب المنهاج من البعيد، إضافة إلى المثنى في أسماء الله الحسنى، فتكون ثلاثة عشر من المثانى، وليست سبعة كما قالوا عن الفاتحة أنها السبع المثانى. من علماء التفسير من رصد التكرار اللفظي في "إِيَّاكَ" و"الصِّرَاطَ" على أنها مثاني من التكرير مرتين وليس من الثناء، لكنهم لم يحيطوا بكل المثانى فيها التي تجعل آياتها من المتشابهات لاشتمال التكرار على آياتها جميعا دون البسملة. والله أعلم.

بقي الالتفات في "إِيَّاكَ" وما بعدها، عدوه من الالتفات البلاغي في البديع، وقد ذخر به الذكر الحكيم. منهاجيا فهو التفات موضوعي صاحبه التفات الخطاب، من الغيبة إلى المخاطبة. نستشف منه أيضاً مساهمة في جدل المثانى الغائب الحاضر. أهمية الالتفات الموضوعي في المنهاج في أنه يحدد المدى الذي فيه عد التكرار المعتبر، خاصة في السور الطوال. من تعريفه كما سبق في التساؤلات أنه يحده التفاتان موضوعيان. في الفاتحة مدى منهاجي يضم صفات المحمود جل ثناؤه (آيات 2 – 4)، ومدى ثان لآخر السورة، ثم المدى الثالث المفترض بلا التفات وهو السورة كوحدة دلالية، يشمل الآخرين. ابن عاشور، رحمه الله، رصد هذا الالتفات الموضوعي بقوله: “ومما يزيد الالتفات وقعاً في الآية أنه تخلص من الثناء إلى الدعاء ولا شك أن الدعاء يقتضي الخطاب فكان قوله {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} تخلصاً يجئ بعده {اهْدِنَا الصِّرَاطَ}”. فهو التفات موضوعي منهاجياً من الحمد والثناء إلى الاستعانة والدعاء. عليه تفصيل بمشيئته تعالى. والله أعلم، بك نستعين ربنا.

اليوم السابع

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

مستهل الوحى “ سورة العلق”:

قول الرؤوف الرحيم:

* اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴿١﴾‏ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ ﴿٢﴾‏ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ﴿٣﴾‏ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ﴿٤﴾‏ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴿٥﴾‏ كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ ﴿٦﴾‏ أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ ﴿٧﴾‏ إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الرُّجْعَىٰ ﴿٨﴾‏ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهيٰ ﴿٩﴾‏ عَبْدًا إِذَا صَلَّىٰ ﴿١٠﴾‏ أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَىٰ ﴿١١﴾‏ أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَىٰ ﴿١٢﴾‏ أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ ﴿١٣﴾‏ أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرَىٰ ﴿١٤﴾‏ كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ ﴿١٥﴾‏ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ ﴿١٦﴾‏ فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ ﴿١٧﴾‏ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ ﴿١٨﴾‏ كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب ۩ ﴿١٩﴾‏ *

أنساق  التكرار:

  • "اقْرَأْ" مرتين، إشارة مثاني، والثالثة في سورة الإسراء لتكتمل إشارة المنهاج.

  • ثنائيات: "اقْرَأْ" و" الَّذِي" و"خَلَقَ" و"عَلَّمَ" و"يَعْلَمْ" و"نَاصِيَةٍ" و"يَدْعُ". سبع مثاني لفظية، إشارة السبع المثانى.

  • ثلاثيات: "رَبِّكَ" و"الْإِنسَانَ" (جذع الآية)، و"كَلَّا" و"أَرَأَيْتَ" (صدر الآية)، الأزواج الثلاثة، إشارة قانون التأويل المنهاجى مرتان.

  • "كَلَّا" بداية المدى المنهاجى، بفاصلة مختلفة، تمييزاً للمدى وإثباته كمعول من معاول التأويل المنهاجى القرآنية لعد التكرار.

  • فواصل: "ق": 2، "م": 3، "ة": 4، "ب": 1، و"الياء": 9 مرات، منها 2 الحرف السابق مشدد (صَلَّىٰ وتَوَلَّىٰ)، أي سبع مرات الحرف السابق على الفتح، إشارة السبع المثانى. كما ترى دقة الدلالة في الفواصل التي تمتد هنا إلى المقطع، ينفرد بها اللسان العربي.

       كما نرى من أنساق التكرار فقد تضمنت بشارة الوحي (سورة العلق) إشارة المثانى والمنهاج مع أول لفظ فيه وقوله عز وجل: "اقْرَأْ". مَلَك الوحي جبريل، عليه السلام، كرر اللفظ ثلاثاً (إشارة منهاجية اليقين في استدلالات المنهاج) على النبي الأمي، صلى الله عليه وسلم، مع بداية انبثاق الوحى، وكان رده: "ما أنا بقارئ" ثلاثاً أيضاً ليثبت إعجاز الوحي والنبوة، وقدرة الخالق البارئ المصور، جل في علاه.

     بث تعالى قدره المنهاج مع استهلالات الوحي، ومنه إحدى ثنائيات السبع المثانى، بل الثنائية الإمام، ثنائية “الفرد والمجتمع” وكليتها “الجزئي والكلي”، في ثاني آيات الوحي، قوله جلت حكمته: “‏خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ“‏. الإنسان مفرد فكيف يكون خلقه من جمع العلقة؟ رصد المجاز بعض النظار مثل الإمام الزركشي، رحمه الله، في “البرهان”، باب “أساليب القرآن وفنونه البليغة / إطلاق الجمع وإرادة الواحد”، مثل له بقوله تعالى: “وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (النمل: 35)، ضمن القصص القرآني الذي يعج بالدلالة المنهاجية، فيها ”الْمُرْسَلُونَ" بالجمع والرسول واحد. تأويلها المنهاجى بأن العلقة جاءت جمعاً مجازاً لتدلل على هذه الثنائية، فلابد من سبب للمجاز، لا يكفي في التأويل بسطه على مقتضى اللسان العربي، نتناوله في مقام آخر بعون الله. تكررت الإشارة لنفس الثنائية في ختام السورة: “فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ”، الدعوة للفرد والمقصود جميع من فيه، ثم الدعوة للجمع، فتثنية الثنائية تأكيدا لها على أنها من السبع المثانى. جاء المجاز في الاولى في الجمع “عَلَقٍ”، وفي الثانية جاء في الإفراد “نَادِيَهُ”، ما يتعلق بالجدل المنهاجى تضمنه الوحي في افتتاحيته. من دلالات المنهاج أيضاً إشارة المنهاج في المدى الأخير مع “كَلَّا” الأخيرة: ثلاثة أفعال الأمر: “كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب”. والله أعلم والمستعان.

     في حديث «الصحيحين»: عن عائشة، رضي الله عنها، قولها فيه: «حتى جاءه الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال اقْرَأْ. قال فقلت ما أنا بقارىء فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجَهْد ثم أرْسَلَني فقال اقْرَأْ. فقلت ما أنا بقارىء فأخذني فغطّني الثانيةَ حتى بلغ مني الجَهد ثم أرسلني فقال اقْرَأْ فقلت ما أنا بقارىء فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجَهد، ثم أرسلني فقال {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} إلى {مَا لَمْ يَعْلَمْ}”. في الحديث الشريف الأزواج الثلاثة لقانون التأويل المنهاجى مع انبثاق الوحي على رسول الإسلام، محمد بن عبد الله، عليه أفضل السلام وأزكى السلام.

كل ما سبق من دلالة يعنى أن الله تعالت حكمته بث المتشابه في القرآن الكريم مع أول بشارة للوحى، ومنه كانت الرسالة المحمدية خاتمة منذ بداية اصطفاء رسول الإسلام، عليه الصلاة والسلام. وكما رأيت كثافة الدلالة المنهاجية في الثلاث سور: أول وآخر السور في القرآن وأول الوحي، فإنها تبرهن على وتفسر قوله جلت حكمته: "كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ"، كله متشابه مثاني. قيل في آخر سور الوحي أنها المائدة وقيل التوبة، بيان الدلالة المنهاجية فيها، كما رأيت في قصار السور هذه، لهو عمل ضخم لا تسعه اليوميات. قيل أخر الأيات قوله عز وجل: “الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا” (المائدة: 3)، وقد ورد إتمام النعمة مرتين في نفس السورة، بإشارة المثانى. والله أعلم.

والحمد لله على هداه وأفضاله.

رمضان كريم، وبالقبول صيامكم وقياكم والصالحات من أعمالكم بإذنه الواحد القهار.

*******************************

رمضان كريم مع يوميات المنهاج (2).

رمضان كريم مع يوميات المنهاج (2).

By المنهاج | 9:54 PM EET, Sun April 19, 2026

اليوم الثامن

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

اللسان العربي:

يدلل الخلاق العليم على المنهاج ومثانيه بطرق شتى منها بنية اللغة. فقد وصف عز وجل القرآن الكريم بأنه عربي اللسان في سبعة مواضع، إشارة السبع المثانى. ووصف لسان القرآن بأنه عربي في ثلاثة مواضع، إشارة المنهاج ("متشابه التكرار"). كأن القرآن أنزل عربياً لقدرة اللسان العربي على تضمين المعاني في المتشابه، بمعنى آخر قدرته المجازية وتنوع ضروب المجاز فيه. في صورة أخرى أن اللسان العربي فيه من ثراء الدلالة التي تتيح الإكنان وما يتطلبه. أسهب اللغويون في مزايا اللسان العربي، وأطنبوا في لغة القرآن والأوطان، لكنهم – على قدر علمنا – لم يحيطوا علماً بالدلالة المنهاجية في بنية اللغة، من ذلك أربعة ملامح:

أولاً: هذا الاستدلال التكراري على لسان المثانى، يعززه جذر اللغة العربية متمثلا في الحروف. لو جردتها من التنقيط تحصل على دلالة من الإعجاز: "الأزواج الثلاثة" في حروف "ب"، "ت"، "ث"، وحروف "ج"، "ح"، "خ"، إشارة قانون التأويل المنهاجى الأساسي. ثم إشارة السبع المثانى في حروف: "د" و"ذ"، "ر" و"ز"، "س" و"ش"، "ص" و"ض"، "ط" و"ظ"، "ع" و"غ"، "ف" و"ق". التطابق في تثنية رسم الحرف. اقتضاء التجريد من التنقيط ليظهر هذه الدلالة المنهاجية يدلل من وجه آخر على مطلب التجريد كمعول تأويل قرآني في التأويل المنهاجى لاستخلاص وإظهار السبع المثانى. له أدلة أخرى بيناها في كتاب “إشراق المنهاج”.

ثانياً: تتميز العربية عن اللغات الأخرى بصيغة الثنائي دلالة على المثانى في عصب اللغة. اللغات الأخرى تعتبر التثنية من الجمع. كما هو معلوم، فكلمة "كتابان" مثنى في العربية وليس جمعاً، بينما في الإنجليزية تضاف أداة الجمع حرف "s" للاسم: "Two books"، فضلاً عن إضافة كلمة ثانية لتدل على التثنية. هذا من تجلى عبقرية العربية، لسان الذكر الحكيم.

ثالثاً: الخط العربي كتابة فيه دلالة على ثنائية من السبع المثانى "الجزئي والكلى" متمثلة في ثنائية "الفرد والمجتمع". فالخط العربي له رسم واحد سواء كتب باليد أو بالآلة، يحتفظ بالإفراد سواء كجزء من الكلمة أو كحرف منفصل، فجملة: "سواء كجزء من الكلمة" بها الألف والهمزة و"من" على الإفراد، وبالتجميع في الكلمات. أما اللغات الأخرى فتكتب إما حروف مفردة بالكامل كما في اللغات الأوروبية: "English"، ويمكن أن تكتب باليد متصلة "مشبكة" الكلمات كاملة سوى حروف الوصل، فإما تفرد وإما تجمع وليس من وسطية. فترى الدلالة على المثانى في بنية الخط، ومنها وسطية الاسلام في ثنائية “الفرد والمجتمع” من مثاليات الجدل المنهاجى.

رابعاً: ثراء الدلالة اللغوية فيما تحمله من معاني. لسنا في حاجة إلى ذكر ما تبحر فيه علماء اللغة، لكنا نضيف أن هذا الثراء والزخم الدلالي قادر بكفاءة لا تتوفر في اللغات الأخرى على تضمين المتشابه والمنهاج مستتراً، الأمر الذي حارت وتعبت معه العقول إلى وقتنا هذا، لذا قال الحكيم العليم:

* إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * (يوسف: 2)

إشارة المثانى في تثنيته بالجعل بدلاً للتنزيل في سورة الزخرف (3)، مفتتح السورة أيضاً، وكلتا السورتين مفتاحها حروف مقطعة من المتشابهات، إشارة المثاني. قوله تعالى: "تَعْقِلُونَ" في مستهل سورة التأويل والسبع المثانى له مغزاه الخاص بالسورة، وله مدلولان: الأول من جهة الوضع والتأليف وهو أن اللسان العربي فيه من ثراء الدلالة المجازية والمباشرة ومن المرونة ما يتطلبه العقل من تضاريس الفكر والخيال والشعرية أيضاً في التعبير عن المعاني المبتغاة، سلس التعبير أو أحجيته. الثاني من جهة القراءة والتفسير والتأويل والتدبر بصفة عامة، فهذه التي فيها إتعاب القرائح وإثارة حافظة العقول لفض مستغلق المتشابه ومجازه للوقوف على والإلمام بمقاصد التنزيل على تنوعها، التي منها النذير والبشير، وتضمين خاتمية الرسالة المحمدية وعدم التفريط، ومنها المنهاج ومثانيه. في ذلك تفصيل في مقام آخر بعونه تعالى وهداه، جل فضله.

تأصيلروى عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "أوَّلُ مَنْ فُتِقَ لِسانُهُ بالعَرَبِيَّةِ المُبَيِّنةِ إسْماعِيلُ، وهُوَ ابنُ أرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً". الحديث الشريف عليه أقوال، لكنا نضع الاستدلالات المنهاجية السابقة في جانب الإثبات باعتبار لفظة “المبينة”. فإن كان إسماعيل، عليه السلام، أول من فتق العربية فالمعنى أصولها ونظمها بهذه الكيفية المتداولة. بهذا النظر فكون نبي الله، عليه السلام، قد تعلمها من قبيلة جهم أو من يعرب بن قحطان، كما قيل في الروايات، فما تعلمه كانت لغة فجة، مماثلة للعامية العربية في التوصيف، أوحى إليه تعالت قدرته بأصولها المعلومة لأهل العربية، فجل الوحى الهداية إلى صراط الله المستقيم. فالدلالة المنهاجية السابقة المتوائمة والدلالة في الذكر الحكيم، خاصة الحروف المقطعة في أوائل السور التي بها نفس الدلالات المنهاجية، لهي برهان على أن ما قصده الرسول، عليه الصلاة والسلام، هو “المبينة” بمعنى “الفصحى”، كما فسرت، التي استلهمها شعراء الجاهلية. ولا تكون لغة القرآن بهذه الدلالة المنهاجية إلا وحياً من الخلاق العليم لا تعليماً من أحد أو مجرد الإلهام، في جانب إثبات الحديث الشريف، ونسبة العربية الفصحى إلى نبي الله إسماعيل، عليه السلام، صادق الوعد. ليس في الأعجميات هذا الرسم والنظم البديع ذو الدلالة المنهاجية/الفلسفية، إلا أن يكون وحياً من العلى القدير. وما توفيقي إلا بالله هو الأعلم والمستعان.

رمضان كريم، وصيام مقبول بإدن الرحمن الرحيم.

 

 اليوم التاسع

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

مداد البحر:

قول الخالق الباري المصور:

    * وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ* (لقمان: 27)

وقوله:

    * قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا * (الكهف: 109)

بترتيب النزول، دلل الباري سبحانه على كلماته اللامتناهية أولاً بكل ما في الأرض من شجر دبروه على هيئة الأقلام تكتب بمداد البحر ولو كانت سبعة أبحر، ولم يذكر المداد الذي تدلل عليه الأقلام والكلمات. ودلل جل وعلا في الثانية بالبحار كمداد ولم يذكر الأقلام لدلالة عليها مادية هي المداد، ولدلالة غير مادية أي معنوية هي المجردات العقلية التي ليست بحاجة إلى أقلام، التي هي المثاني. دليل السبع المثانى في الأولى أوضح بالرقم سبعة يصحبه البحر إفراداً وجمعاً، ثنائية “الجزئي والكلى”، كما سبق بيانها. ودليل آخر في عجز الآية “عزيز حكيم”، بمعنى أقلام ومداد يسطرون الحكمة، التي هي هنا المنهاج بإشارة ثلاثية في الآية الثانية، وهي هنا أيضاً السبع المثانى، التي لا تنضب لأنها كليات الوجود تشمله كله، تكتنفه كله، وتناصحه كله. فإن استطعت الإحاطة بكم ما في الأرض من شجر على هيئة أقلام، أو الإحاطة بمياه البحار كمداد، ربما قد أحطت بما تسطره السبع المثانى من موجودات وأحوالها ومصائرها، وهو أمر عسير المنال عليه التحدي المضمر في الآيتين الكريمتين. لسنا في حاجة إلى تكرار أن التكرار متشابه، أو أن الآيتين من المتشابهات. منتهي الدلالة كون السبع المثانى هي كليات الوجود.

رمضان كريم، ودمتم على صيام وقيام فيهما القبول بمشيئة القدوس السلام.


اليوم العاشر

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

عدم التفريط:

قوله العليم الحكيم:

* وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ *   (الأنعام: 38)

عن عدم التفريط أورد الإمام السيوطي، رحمه الله، في مصنفه "الإتقان" / باب "في العلوم المستنبطة من القرآن"، الحديث الشريف:

 >قال صلى الله عليه وسلم: "ستكون فتن. قيل: وما المخرج منها؟ قال: كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم" (أخرجه الترمذي وغيره). ثم أورد مقالات لعلماء كثر منها:

 >وقال الشافعي مرة بمكة: "سلوني عما شئتم أخبركم عنه من كتاب الله" ثم ألقوا إليه بأحجية شرعية فأجابها من القرآن والسنة …..

    وقال القاضى أبو بكر العربى في "قانون التأويل": "علوم القرآن خمسون علما وأربعمئة علم وسبعة آلاف علم وسبعون ألف علم، على عدد كلم القرآن مضروبة في أربعة، إذ لكل كلمة ظهر وبطن وحد ومطلع، وهذا مطلق دون إعتبار تركيب وما بينها من روابط، وهذا ما لا يحصى ولا يعلمه إلا الله" ......

   وقال الراغب: ".....وجعل من معجزة هذا الكتاب أنه مع / قلة الحجم، متضمن للمعنى الجم، بحيث تقصر الألباب البشرية عن إحصائه، والآلات الدنيوية عن استيفائه، كما نبه عليه بقوله: "وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ ..." (لقمان: 27) .......

   وأنا أقول: قد اشتمل كتاب الله العزيز على كل شيئ، أما أنواع العلوم فليس منها باب ولا مسألة هي أصل إلا وفي القرآن ما يدل عليها. وفيه عجائب المخلوقات، وملكوت السموات والأرض، وما في الأفق الأعلى، وتحت الثرى، وبدء الخلق، وأسماء مشاهير الرسل والملائكة، وعيون أخبار الأمم السابقة ... الخ.

     واعتنى الأصوليون بما فيه من الأدلة العقلية، والشواهد الأصلية والنظرية... فاستنبطوا منه أدلة على وحدانية الله ووجوده وبقائه وقدرته وعلمه وتنزيهه عما لا يليق به، وسموا هذا العلم بأصول الدين.

    وتأملت طائفة منهم معانى خطابه، فرأت منها ما يقتضى العموم، ومنها ما يقتضى الخصوص إلى غير ذلك، فاستنبطوا منه أحكام اللغات من الحقيقة والمحاز، وتكلموا في التخصيص، والإخبار، والنص، والظاهر والمجمل، والمحكم والمتشابه، والأمر والنهي، والنسخ، إلى غير ذلك من أنواع الأقيسة، واستصحاب الحال، والإستقراء، وسموا هذا الفن أصول الفقه". <

   الذي عدوه وصنفوه ليس بمحيط بثراء الدلالة في القرآن الكريم، وهم يقرون بذلك أنه فوق طاقة البشر، إنما في علم الله ما وراءهم ولم يعلم بعد. لكنه تعالى ضمن كتابه ما يريد أن يٌعلِمه لعباده، لحاجة العباد إليه. ومعجزة كتاب الله استدرك عليها الراغب، رحمه الله، عاليه: "معجزة هذا الكتاب أنه مع / قلة الحجم، متضمن للمعنى الجم، بحيث تقصر الألباب البشرية عن إحصائه، والآلات الدنيوية عن استيفائه"، ما أسلفناه من ثراء الدلالة وكثافتها منقطعة النظير. استشهد أحد العلماء بمداد البحر في سورة لقمان الذي ينضب ولا يفي بالمطلب، بيناه في اليومية السابقة.

    أبواب ثراء الدلالة المعلومة عن اللسان العربي تشمل المجاز من بيان وبديع ومعان وبلاغة، والصرف والإعراب والحركات، وغيرها عند أصحاب اللغة، يضاف إليها ما نبه عليه أبو بكر العربي، رحمه الله، أن كل كلمة لها ظهر وبطن وحد ومطلع، وأن التراكيب وما بينها من روابط لا حد لها، في ذلك قارب معنا في التكرار المنهاجى الذي ينسحب على الحروف والكلمات والجمل والآيات والأمدية المنهاجية والسور، فضلاً عن الاستنباط والرد والقياس ثم الاستقراء والتجريد مكونا الاستخلاص المنهاجى. أما الباب الأنصع في عدم التفريط فهو الكليات. على ماذا تصب هذه البحور من الدلالة؟ الإجابة في بساطتها هي عدم التفريط في شيء، لكن ما هو هذا الشيء؟ الإجابة في تعقيدها فيما عدوه من علوم شتى، مضافا إليها المنهاج ومثانيه، نفرد لها مقاماً بمشيئة الرحمن.

ثم تأمل قول العزيز العليم:

* لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ *   (يوسف: 111)

* وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ ۖ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا * ‏ (الإسراء: 12)

تعالت حكمته جعل كتابه ليس فقط لا يفرط في شيء، إنما أيضاً به تفصيلاً لكل هذا الشيء، وأكثر أنه فصل الشيء تفصيلاً، بالمفعول المطلق الذي بيناه من قبل بأنه ينقل الفعل إلى مدارك أعلى في التفعيل، مَثَله من الترتيل إلى التجويد، فأي تفصيل أعلى من التفصيل في هذا الحيز المحدود من النص وصفحات الكتب؟ ليس التحدي هنا للكفار فقط أن يأتوا بسورة من مثله، إنما التحدي لكل العقول البشرية قاطبة أن تستخرج كنوز القرآن التي لم تسطر بعد، قوله عز وجل: “وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ” (يونس: 38، هود: 13) مثنى الوضع والتأويل. لذا دلهم تعالى على السبيل وقال:

* وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَىٰ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا *  (الإسراء: 89) 

* وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَـٰذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا *   (الكهف: 54)

تكرار ثنائي بإشارة المثانى، به تقديم وتأخير "لِلنَّاسِ" دلالة على جدل المثانى بالتضاد، فقد عقب في الكهف بأن الإنسان أكثر الأشياء جدلاً، ولم يقل جدالاً (بينا الفارق في الكتاب وأن الجدال حالة خاصة من الجدل). فالقرآن لم يفرط في شيء، وفصل كل شيء، وضرب الأمثال للإحاطة بكل شيء، والأمثال من المتشابه الذي به المنهاج الذي ينبني على السبع المثانى التي هي كليات الوجود، التي لا تفرط في شيء من الوجود، ولهذا ينضب مداد البحر على بساط السبع المثانى ولا يفي بالموعود. فعدم التفريط لا يعقله بشر من طريق النص بهذا الحجم، إلا أن يكون من قبيل الأساطير، إنما أصله الكليات، سواء كليات الشرعة أو كليات المنهاج. عليه تفصيل بمشيئة العلى القدير، هوالأعلم.

رمضان كريم، وصيام مقبول بإذنه جل فضله.

 

الحادى عشر

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

منكم:

قول السميع العليم:

* لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا *   (المائدة: 48)

الإمام الطبري، رحمه الله، قال: < ... ثم اختلف أهل التأويـل فـي المعني بقوله: "لِكُلّ جَعَلْنا مِنْكُمْ" فقال بعضهم: عنـي بذلك أهل الـملل الـمختلفة، أي أن الله جعل لكلّ ملة شريعة ومنهاجاً ...> وذهبوا بهذا إلى أننا غير ملزمين بشريعة من قبلنا. لم يُحتاج فيه إلى "مِنْكُمْ" لصياغة المعنى. تراوحت معظم التفسيرات بين الصيغتين اللتين ذكرهما الطبري، غالبها على عدم اعتبار "مِنْكُمْ". تضمينها له مغزى خاص، يترتب عليه مجاز وزيادة في المعنى، القاعدة النحوية: "الزيادة في المبنى زيادة في المعنى"، وفيما قال الطبري والزركشي، رحمهما الله: "والواضع الحكيم لا يضع الشيء إلا لفائدة".

ثم تأمل قول الحق تبارك وتعالى:

* لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ * ‏  (الحج: 67)

الجعل من الشارع الحكيم، فما دور "هُمْ نَاسِكُوهُ"؟ قيل بمعنى عبادة "تعبدوا أو عابدين بها"، ولا يلزم من هذا النص. نظرنا أن الجعل من الواضع الحكيم يتطلب إعمال العقول، هذا الإعمال مقصود "مِنْكُمْ" في المائدة و"هُمْ نَاسِكُوهُ" في الحج. فللعباد دور في تهيئة العبادة، يكافئ دورهم في جمع القرآن وقوله العزيز العليم:

 * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ *  (القيامة: 17)

أولى التكاليف الخاصة بالقرآن نزولاً، وقد أتمه الصحابة، رضى الله عنهم وأرضاهم في جنة الخلد، بأمانة غير مسبوقة ولا ملحوقة إلاً في النبوة. أقر النظار تدرج التشريع مع النزول، فجاء بعد ذلك في هذه التكاليف دورهم في التأويل، قوله تعالى:

* هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ ۚ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ *  (الأعراف: 53)

ثم التفسير:

* وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا *  (الفرقان: 33)

ثم أحسن التأويل:

* وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا *  (الإسراء: 35)

تكرر مرة أخرى في النساء (59)، مثاني. ثم بعده نزل تكليف الاستخلاص في المنهاج (بيانه فيما بعد بعون الله):

* وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي ۖ *  (يوسف: 50، 54)

ثم تضمين تكليف الحفظ في "إِنَّا" الثانية:

* إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ *  (الحجر: 9)

ثم المتشابه وتأويله في المدني آل عمران (7) بتضمين تكليف الراسخين كما بينا في التساؤلات. عقبه جاء التدبر مكرراً مرتين:

* أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ *  (النساء: 82، محمد: 24)

ثم الرد والاستنباط، آيتين متتالتين:

* وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ *  (النساء: 83)

كل هذه تكليفات تتبع وتترتب على الجعل والتنزيل من الخلاق العليم، تندرج تحت مسمى "مِنْكُمْ" في المائدة (48) و"هُمْ نَاسِكُوهُ" في الحج (67). أوضح باعتبار التأويل والاستنباط والاستخلاص، التدبر في شموله.

استنبط الإمام الشافعي، رحمه الله، أصل "الإجماع" من قوله جل شأنه:

* وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * (النساء: 115)

ليس في القرآن هذه الصياغة لمبدأ الإجماع في أصول الشريعة، إنما مستنبطاً من معطيات وعينيات الذكر الحكيم. مثل ذلك في كليات الشريعة. ومثل ذلك في المنهاج والسبع المثانى، ليس هناك نص عليها إلا الإرشاد والتمثيل، فيتطلب التدبر رصد التكرار، والتأويل ومنه التجريد والاستقراء، لاستخلاص السبع المثانى والمنهاجيات. هذا الذي نراه مقصوداً في "مِنْكُمْ" في المائدة، دور العقل في الاستخلاص والصياغة، مثل ثنائية "الجزئي والكلى"، ليس لها هذا المنطوق في القرآن، الذي عليه الجعل في آية المائدة، إنما أنتم تجمعون وتحفظون وتفسرون وتتأولون وتستنبطون وتستخلصون وتصيغون ما تتعبدون به، مكلفون بذلك كله في: "مِنْكُمْ". والله أعلم هو الهادي إلى سبل الرشاد.

رمضان كريم، وزانت أيامكم الصالحات من الأعمال بإذنه الرحمن الرحيم.

 

اليوم الثانى عشر

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

موسى، عليه السلام:

دلالات التكرار المنهاجية لا حصر لها باعتبار الحروف والكلمات والجمل والآيات والأمدية (من مدى) المنهاجية والسور. هنا مثال على تكرار اسم نبي الله موسى، عليه السلام، نوضح فيه تحليل دلالة التكرار، خاصة إذا تجاوزت الأرقام الأساسية في تكرارات المنهاج وهي التثنية والثلاثية والسبعة والاثني عشر، بيانها في "تساؤلات المنهاج". تكرار اسم موسى، عليه السلام، بلغ في القرآن 136 (مائة وستة وثلاثون) أكبر عدد في تكرار اسماء الأنبياء والرسل، فهو، عليه السلام، الأكثر ذكراً في الذكر الحكيم قصصاً، وقصصه في غالبه دلالة منهاجية. توزع التكرار، مع ملاحظة المقام النحوي، كما يلي:

  • البقرة: 13 مرة، منها واحدة مضاف إليه: "آلُ مُوسَىٰ" (آية: 248). دل التكرار على أبواب المنهاج الإثنى عشر. وقد جاء دليلها مع الحًجَر، تشبيها للمتشابه، وقوله جل وعلا: "اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ ۖ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ۖ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ ۖ "، تكرر مرتين بإشارة المثانى، وهو الدليل الرئيسي على أبواب المنهاج. بمعنى أن المثانى هي بنية المنهاج. والله أعلم.

  • طه: 17 مرة، منها 12 فاصلة بإشارة المنهاج. لقد تساءل الكثيرون عن ذكر هارون قبل موسى، عليهما السلام، في الآية (70) وقوله تعالى: "بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَىٰ"، تضاربت الأقوال، في المنهاج جاء اسم موسى، عليه السلام، مؤخراً على الفاصلة ليكتمل العدد 12 (اثني عشر) على الفاصلة. والله أعلم. 

  • يونس: 8 مرات، واحدة منها ملحق رسمه بحرف الجر: "لِمُوسَىٰ" (83)، فإشارة السبع المثانى. 

  • الشعراء: 8 مرات، واحدة منها مضاف إليه: "أَصْحَابُ مُوسَىٰ" (61)، فإشارة السبع المثانى، الاستدلال مثل ما في يونس، تكرر مرتين إشارة المثانى مؤكدة.

  • القصص: 17 مرة، منهم خمسة مضاف إليه: "نَّبَإِ مُوسَىٰ"، "أُمِّ مُوسَىٰ" 2، "إِلَٰهِ مُوسَىٰ"، و"قَوْمِ مُوسَىٰ"، وبقيت 12 مرة بإشارة أبواب المنهاج. المرة الثالثة بالعدد المطلوب لليقين في الاستدلال.

  • غافر: خمس مرات، ثلاثة منها مفعول به، فإشارة الأزواج الثلاثة في قانون التأويل المنهاجى.

  • جاء التكرار مثنى في سبع من السور: النساء، الإسراء، الكهف، المؤمنون، الأحزاب، الصافات، والأحقاف. بالإضافة إلى الدلالة في سورتي يونس والشعراء، تكون هذه المرة الثالثة للتدليل على السبع المثانى، مطلوب اليقين في الاستدلال. والله أعلم.

  • ذكر اسمه، عليه السلام، ثلاث مرات في خمس سور: المائدة، الأنعام، هود، إبراهيم، والنمل. ثلاثة منها بها حروف مقطعة، فإشارة الأزواج الثلاثة في قانون التأويل المنهاجى.

  • خلاف ذلك فقد ذكر اسمه، عليه السلام، تسعة عشر مرة في الأعراف، الأكثر بين السور. وذكر مرة واحدة في أربعة عشرة سورة، تفصيل ذلك ليس مقامه فهو يعتمد بالأكثر على الحكم النحوي. والله أعلم.

فتأمل بحور الدلالة المنهاجية وهذه قطرات منها. في الجملة فهذه الدلالات دليل واضح على أن التوراة مع نبي الله موسى، عليه السلام، قد احتوت على المنهاج والسبع المثانى، مثلها في ذلك الرسالتين التاليتين الإنجيل والقرآن الكريم. لذلك أدلة ناصعة من القرآن بيانها في مقام آخر بعون الله ومشيئته جل فضله.

تقبل الله صيامكم وقيامكم والصالح من أعمالكم، وقد هل علينا عيد الفطر المبارك، جعله الله عيداً سعيداً عليكم وأمة الإسلام، أعاده الله عليكم بالخير والسؤدد والسلام، بإذنه الملك القدوس السلام. ودمتم إلى لقاءات منهاجية آخري بإذنه الكبير المتعال.

------------------------------------------------

اصطفاء النبوة وذكرى مولده، صلى الله عليه وسلم.

اصطفاء النبوة وذكرى مولده، صلى الله عليه وسلم.

By المنهاج | 12:14 PM EET, Thu November 07, 2019

 بسم الله الرحمن الرحيم، فضله الهدى والتوفيق وبه نستعين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين، محمد ابن عبد الله، صلوات الله عليه وسلامه. كل عام وأنتم وأمة الإسلام في خير وسلام، وقاها الله شرور الحاقدين والطامعين، هو نعم المولى ونعم النصير ونعم السميع المجيب.

      في مناسبة ذكرى المصطفي، صلى الله عليه وسلم، يحسن أن نتدارس العبر والدروس في بعثة النبي الأمي وخاتم النبيين، التدارس الذي استهللنا به باب "مناسبات" على المدونة القديمة بمقالة "وطلع البدر علينا بنور الحق"، ثم "محمد عليه الصلاة والسلام في عيون الغرب"، وفي العام الماضي نظرنا في مسألة تلقى الوحى مع شدة وطأته في مقالة "وطلع البدر علينا وتصدع الجبل"، أمَّلنا فيها بإذنه تعالى أن نستكمل التدارس في المناسبة التالية وندلف إلى مسألة اصطفاء النبوة، وفقنا الله وإياكم إلى ما يحبه ويرضاه.

    الاصطفاء الرباني مسألة مترامية الأطراف متشابكة العوامل، لا يستجليها مقال واحد باعتبار أدلتها النقلية، قرآنا وحديثا. لكن يمكن ابتداءاً إجمال عناصرها من قوله الخلاق العليم:

 * إِنَّ اللَّهَ اصْطَفي آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ, ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * (آل عمران: 33)

في مقام سابق بينا ثنائية الفرد والمجتمع فيها، تثنية الاصطفاء إفرادا مع آدم ونوح، عليهما السلام، وجمعا مع آل إبراهيم وآل عمران، ثم التثنية في الإفراد والجمع كليهما، ثلاث ثنائيات فالمنهاج ومثانيه. كما بينا أن فيها متشابه بدليل عقلي أن الاصطفاء لا ينطبق على آدم عليه السلام، حيث الاصطفاء اختيار، ولم يكن من اختيار معه أبا للبشرية، عليه السلام. الآية من المتشابهات من وجه آخر وهو التكرار في التبعيض، وهي متشابهة من جهة ثالثة بتداخل الذريات وتسلسلها، فالمعلوم أنها كلها من ذرية آدم، عليه السلام، قوله: "ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ"، إنما خصص سبحانه لتبيان الثنائية، ولا نرى في علمنا سببا آخر إلا أن يكون تسلسل الذرية من أنباء الغيب، جائز على الظاهر. هناك وجهان في التأويل، الأول أن الاصطفاء مع كل الأنبياء والرسل في إجماله ينبني على هذه الثنائية. الثاني أنها مشتملة في رسالة النبوة مع كل منهم، ضمن منهاج الله الذي كلفهم، عليهم الصلاة والسلام، التبليغ به مع شريعته سواء بسواء، قوله تعالى: "لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا". (بيانه والمثاني في كتاب "إشراق المنهاج"، ومقتضبا في "تساؤلات المنهاج" على هذه المدونة).

      أما التعقيب في قوله: "وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ" فيه بابان للتأويل، فالسمع مقصود به النقل فالاعتقاد، أن الاصطفاء في الدين، ما قال به بعض المفسرين من أن الله اصطفي لهم دين الإسلام، من باب الاعتقاد. الباب الثاني العلم، النظرة العلمية والبحث في الاصطفاء والذرية، مفتوح الاجتهاد فيه بأي صنف من العلوم يتسق مع مطلب التفصيل في العلم في القرآن، منه هذا المبحث بعون الله. ولو أنك ثنيت السمع على العلم، بعلم أن أسماء الله الحسنى في الذكر الحكيم جاءت على التثنية من أول الرحمن الرحيم، وصلت إلى مطلب خاتمية الرسالة المحمدية من أنها تبث الدلائل العلمية على الوحدانية والنبوة بلا انقطاع، منذ زمن الوحي وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ما نحن بصدده بتوفيق الله وهداه.

      الوجه الثاني على متشابه المثانى ليس مقامه، أما الأول يفهم منه أن الاصطفاء ينبني على عاملين، أولهما عامل الفرد كمنبت وكفاءته في حمل الرسالة والتبليغ، ضمنه رعاية الله للمصطفي – أى منهم عليهم الصلاة والسلام - وإلى أن يبعثه الله نبيا أو رسولا. ثانيهما عامل المجتمع وخصائصه التي تكتنف أسباب الاصطفاء مثل فسق القوم أو كفرهم أو ظلمهم، ثم خصائصه من حيث تعامل وتفاعل المصطفي معه، قبل وبعد البعثة، تأثرا وتأثيرا. بل يمكن النظر أيضا في تأثير المجتمع على نشأة المصطفي بما هيأه للاصطفاء ضمن عامل الفرد، المسألة التي تطاحن عليها الفكر البشرى منذ النشأة، ومازال. ستجد بعون الله في النقل دلائل على كل هذه المكونات للاصطفاء.

      دليل ثان على أن الاصطفاء ينبى على هذه الثنائية، قوله العزيز العليم:

وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّـهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ * (آل عمران: 42)

الاصطفاء الأول على الإفراد بالمنادى، منه رعاية الله لها متضمنة أن طهرها قبل أن تحمل الرسالة الربانية. أما الثاني على الجمع بنسبة نساء العالمين، المكونات المجتمعية من حيث تفاعلها مع البيئة حولها، قبل وبعد التكليف، مثل أن أحصنت فرجها قِبَل المجتمع وقَبْل التكليف، ثم انتباذها من أهلها مكانا قصيا ونزوعها إلى جذع النخلة، في تنافر مع المجتمع، مما ورد في القصة في سورة مريم.

      منه أن عاملي الفرد والمجتمع تتفرع عليهما مكونات عدة. كل مكون من هذه المكونات يستأهل بحثا بمفرده. عامة الكتاب يخلطون بينها دون منهجية واضحة. من المهم أيضا أن نرتب أسبقية كل مكون فرعى، مثل أن يكون النسب للأب له في الأهمية الأسبقية على النسب للأم في البحث والتأسيس. ويسبق مكون الذرية مكون الأخلاق أو العصمة، وهكذا. المدخل الطبيعي لها مجتمعة هو عامل الفرد من حيث مكون الذرية الصالحة، المكون الذي أشير إليه في الآية الكريمة، قوله تعالى: "ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ"، باب الاصطفاء الأول، ما جرت عليه "سيرة إبن هشام".

      عن نسبه صلى الله عليه وسلم: < حدثنا محمد بن مهران الرازي ومحمد بن عبد الرحمن بن سهم جميعا، عن الوليد قال ابن مهران، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعيعن أبي عمار شداد أنه سمع واثلة بن الأسقع يقول:  سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "إن الله اصطفي كنانة من ولد إسمعيل واصطفي قريشا من كنانة واصطفي من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم ". (البخارى 2276)>

      في "سيرة ابن هشام" ورد ذكر سرد النسب الزكي: < من محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، إلى آدم عليه السلام قال أبو محمد عبد الملك بن هشام ( النحوي ) :

هذا كتاب سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . قال : محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ، واسم عبد المطلب : شيبة بن هاشم واسم هاشم : عمرو بن عبد مناف واسم عبد مناف : المغيرة بن قصي ، ( واسم قصي : زيد ) بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر - ص 2 - بن كنانة بن خزيمة بن مدركة ، واسم مدركة : عامر بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان بن ( أد ، ويقال ) : أدد بن مقوم بن ناحور بن تيرح بن يعرب بن يشجب بن نابت بن إسماعيل بن إبراهيم - خليل الرحمن - بن تارح ، وهو آزر بن ناحور بن ساروغ بن راعو بن فالخ - ص 3 - بن عيبر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ ، وهو إدريس النبي فيما يزعمون والله أعلم ، وكان أول بني آدم أعطى النبوة ، وخط بالقلم - ابن يرد بن مهليل بن قينن بن يانش بن شيث بن آدم صلى الله عليه وسلم .>

      فثبت لنبي الإسلام، صلى الله عليه وسلم، المكون الأول للاصطفاء، النسب الطاهر إلى ذرية الأنبياء من آدم إلى نوح إلى إبراهيم إلى إسماعيل، عليهم السلام، فكنانة وقريش وبنى هاشم. كأن في الذرية الجينات الوراثية تخط النبوة بإذنه تعالى جلت قدرته حيث يقول:

هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ ۚ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * (آل عمران: 6)

ويقول:
* يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ ۚ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ * (الحج: 5)

      المكون الفردي الثاني، الإنبات والتنشئة، ومن حيث أن هنا اصطفاء على أساس الذرية، فقد بدأ الاصطفاء مع الميلاد يختص بعلمه تعالى. ومتى كان الاصطفاء تبدأ رعاية الله للمصطفي حيث العلامة الظاهرة على مبتدي الاصطفاء، إلى أن يبلغ أشده نسبة للتكليف بالرسالة، ثم تكون البعثة وحمل التكليف والتبليغ. الدلائل هنا متكاثرة مع كثير من الأنبياء، فمع البتول مريم ابنة عمران قال الحكيم القادر:

فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ وَاللَّـهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَىٰ ۖ وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا ۖ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّـهِ ۖإِنَّ اللَّـهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ * (آل عمران: 36 – 7)

فثبت أيضا المكون الفردي الثالث، أن مبتدي الاصطفاء هو مبتدي الرعاية الإلهية، قوله: "فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ"، فرعاية الله في قوله: "وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا"، ثم "كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا". مثل ذلك مع يوسف، عليه السلام، وقوله علام الغيوب:

وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّـهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ * (يوسف: 23)

ارتبط العامل الفردي هنا بعامل مجتمعي وهو العصمة الأخلاقية، فترتب الأخير على الأول، وكانت أهمية الأول كمدخل للاصطفاء. في طالوت ومتطلبات الاصطفاء قال الواسع العليم:

وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّـهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ۚ قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ ۚ قَالَ إِنَّ اللَّـهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ۖ وَاللَّـهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّـهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (البقرة: 247)

ضمن الرعاية الإلهية مع الاصطفاء زاده الله في العلم والجسم حتى يتبوأ المكانة المجتمعية المتوائمة مع التكليف. مع موسى، عليه السلام، بدأت الرعاية الإلهية من مهد الطفولة، قوله الرؤوف الرحيم:

* وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ۖ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ * (القصص: 7)

ثم قوله:

* وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغًا ۖ إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ ۖ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَفَرَدَدْنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّـهِ حَقٌّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَىٰ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * (القصص: 10 - 14).

      مع عيسى بن مريم، عليه السلام، فالأمر جد مختلف، حيث بدأ اصطفاؤه في مشيئته جل وعلا، وكان اصطفاؤه يتطلب اصطفاءاً آخر، الأم مريم ابنت عمران، الوجه الآخر في تأويل قوله الخلاق العليم:

وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّـهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ * (آل عمران: 42)

اصطفاءان في آن واحد، اصطفاء النبي، عليه السلام، تطلب اصطفاء الأم كي تحمله في تكليف رباني. اصطفاء داخل في اصطفاء. لذلك قال العلى القدير:

*  وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ * (المؤمنون: 50)

جعلهما سويا آية فالاصطفاءان في آن واحد. متى اصطفاه ليكون آية للناس على قدرته تعالى في الخلق، اصطفي معه الرحم التي تتجاوب مع الروح القدس لإنجاب المصطفي عليه السلام. اصطفاءان في آية واحدة متلازمان لا ينفصلان، لزوم أحدهما من لزوم الآخر. مترتبا على هذا الاصطفاء بدأت الرعاية الإلهية لاصطفاء النبوة مع رعاية الله لها، فكان المبتدي الحقيقي لرعاية نبي النصرانية عندما قال تعالى: "فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا".

      يستطرد جل شأنه في الرعاية والشمائل بالخلق:

إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّـهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ۖ قَالَ كَذَٰلِكِ اللَّـهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ * وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ * وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ * (آل عمران: 45 – 9)

وضع في عيسى ابن مريم، عليه السلام، شمائله مع الاصطفاء، غرسها في الجينات الوراثية، حتى يمكن القول أن لم يكن للعامل المجتمعي كبير تأثير على اكتسابه لشمائل المصطفي، فهي مقررة سلفا بالميلاد. مسألة محل جدال واسع ليس مقامه. فكانت الكلمة المبشرة بها البتول مريم هي هذا الجين الوراثي الذي يحمل الشمائل وخصائص النبوة سلفا بلا اكتساب، بقدرته الخلاق العليم. من هذه الزاوية فهو إعجاز إلهي آخر منفصل عن كونه عليه السلام وأمه آية واحدة. ما يجعل اصطفاء عيسى بن مريم اصطفاء يتميز عن الخصائص المعتادة للاصطفاء، مفاد قوله العليم الحكيم:

تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّـهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ۚ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ * (البقرة: 253)

المعنى كما بيناه في المقالة السابقة "طلع البدر وتصدع الجبل" أن الفروق بين الأنبياء والرسل ليست في فحوى الرسالة، التي هي على التوحيد معهم جميعا، إنما الفروق تكون في شمائل اصطفاء النبوة. رفع تعالى بعضهم على بعض درجات في تلك الشمائل لتتواءم مع أحوال الناس ومسببات الاصطفاء المجتمعية، مثلما زاد طالوت بسطة في العلم والجسم. خص عيسى ابن مريم بالذكر لأنه لا يخضع لهذا المنحى المجتمعي في الشمائل والفروق فيها بين المصطفين الأخيار، الذين قال فيهم رب العزة كأمثلة:

* وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ * إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ * وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ* وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ ۖ وَكُلٌّ مِّنَ الْأَخْيَارِ* هَـٰذَا ذِكْرٌ ۚ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ * (ص: 45 – 9)

مع هؤلاء المصطفين الأخيار، عليهم الصلاة والسلام، شمائل اصطفاء النبوة تختلف من أحدهم إلى الآخر. الأمر المهم هنا ذكره تعالى للاختيار صفة للاصطفاء. فقاعدة الاصطفاء الاختيار من متعدد، ما لا ينطبق على آدم وعيسى، عليهما السلام، ذكرناه في صدر المقالة. فكانت شمائل عيسى بن مريم محددة مقررة مسبقا لا تنبني على الاختيار المجتمعي، قوله القاهر فوق عباده:

إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّـهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَ‌ابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ * (آل عمران: 59)

وجه آخر للتأويل غير الذي تناولناه من قبل، أن ليس هناك مكونات اصطفاء مجتمعية معهما آدم وعيسى، عليهما السلام، إلا مسببات الشمائل لا الشمائل نفسها. مع التكليف والبعثة تكون قد بلغت الرعاية الإلهية أجلها واكتملت شمائل الاصطفاء. أما الرعاية بعد البعثة فلها مقام آخر بإذنه تعالى. والله أعلم.

       مع خاتم النبيين، صلى الله عليه وسلم، قال الرؤوف الرحيم:

* وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ * (المائدة: 67)

جاءت الرعاية الإلهية بالعصمة إزاء الناس بعد أن تقرر الاصطفاء.  مع الإنبات والتنشئة والرعاية الإلهية اكتسب الكثير من صفات وشمائل المصطفي الشخصية حيث قال فيه المولى جل وعلا:

* وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ * (القلم: 4)

ستجد الكثير مثل ذلك، يبارك الله في شمائل المصطفي الشخصية ويمدح بمعزل عن الرعاية الإلهية، تلك التي اكتسبها مع التنشئة والتربية، كقوله جل شأنه في إبراهيم، عليه السلام:
إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّـهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * (النحل: 120)

وقوله في إسماعيل، عليه السلام:

* وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ ۚإِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا * (مريم: 54)

      مع محمد، عليه الصلاة والسلام، رتب سبحانه الأسباب بدءاً من العامل الفردي إلى حمل الرسالة، فقال:

* وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * (النجم: 1 – 4)

شهد له الخلاق العليم ونفي عنه الضلال والغي، من شمائل المصطفي ومكون من مكونات العامل الفردي، وبعد الإنبات والتنشئة ورعاية الله عاد لا ينطق عن الهوى، إنما ينطق بالحق وحمل الرسالة الربانية. كأن الآية الكريمة تستدعى الاصطفاء من مبتداه إلى منتهاه. أن فيه صلى الله عليه وسلم شمائل الاصطفاء التي اكتسبها من الذرية الصالحة ومع الإنبات والتنشئة ثم رعاية الرحمن الرحيم، فحمله تعالى الرسالة الخاتمة عندما بلغ أشده في تكليف النبوة، وأجمل مسببات الاصطفاء في قوله الحكيم العليم:

وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ * (آل عمران: 144)

ليس له مثيل من قبله في إجمال شمائل الاصطفاء، المكونات الفردية والمجتمعية، ولا من بعده فهو خاتم النبيين، صلوات الله عليه وسلامه إلى يوم يبعثون. والله أعلم.

مما سطره فيلسوف الشعراء وأميرها أحمد شوقي عن شمائل نبي الإسلام، عليه الصلاة والسلام، في قصيدته "ولد الهدى":

ولد الهدى فالكائنات ضياء                 ***        وفم الزمان تبسم وسناء

الروح والملأ الملائك حوله                ***        للدين والدنيا به بشراء

والعرش يزهو والحظيرة تزدهي         ***        والمنتهي والسدرة العصماء

--------------
يامن له الأخلاق ما تهوى العلا           ***       منها وما يتعشق الكبراء

زانتك في الخلق العظيم شمائل           ***       يغرى بهن ويولع الكرماء

فإذا سخوت بلغت بالجود المدى          ***       وفعلت ما لا تفعل الأنواء

--------------
وإذا عفوت فقادرا ومقدرا                ***         لا يستهين بعفوك الجهلاء

وإذا رحمت فأنت أم أو أب               ***        هذان في الدنيا هما الرحماء

وإذا خطبت فللمنابر هزة                 ***        تعرو الندى وللقلب بكاء

--------------
وإذا أخذت العهد أو أعطيته             ***        فجميع عهدك ذمة ووفاء

يا من له عز الشفاعة وحده             ***        وهو المنزه ماله شفعاء

لى في مديحك يا رسول عرائس       ***         تيمن فيك وشاقهن جلاء


      إلى هنا فقد تناولنا باقتضاب ثلاث مكونات من العامل الفردي، الذرية ثم الإنبات والتنشئة فالرعاية الإلهية، تحتاج إلى تحقيق أكثر. الإمام فخر الدين الرازي، رحمه الله، بنظره المتفرد في تفسيره "مفاتيح الغيب"، قارب معنا في تناول المسألة من حيث المكونات الفردية:

< المسألة الثانية: {ٱصْطَفي} في اللغة اختار، فمعنى: اصطفاهم، أي جعلهم صفوة خلقه، تمثيلاً بما يشاهد من الشيء الذي يصفي وينقى من الكدورة، ويقال على ثلاثة أوجه: صفوة، وصفوة وصفوة، ونظير هذه الآية قوله لموسى:

{ إِنْى ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَـٰلَـٰتِي } [الأعراف: 144]

وقال في إبراهيم:

{ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ ٱلْمُصْطَفَيْنَ ٱلاْخْيَارِ } [ص: 47].

إذا عرفت هذا فنقول. في الآية قولان الأول: المعنى أن الله اصطفي دين آدم ودين نوح فيكون الاصطفاء راجعاً إلى دينهم وشرعهم وملتهم، ويكون هذا المعنى على تقدير حذف المضاف والثاني: أن يكون المعنى: إن الله اصطفاهم، أي صفاهم من الصفات الذميمة، وزينهم بالخصال الحميدة، وهذا القول أولى لوجهين أحدهما: أنا لا نحتاج فيه إلى الإضمار والثاني: أنه موافق لقوله تعالى:

{ ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رسالته }>

أولا: ليس صائبا أن مسببات الاصطفاء هي أن يجعلهم صفوة، قوله: "اصطفاهم، أي جعلهم صفوة خلقه"، إنما ينقصه تتابع الأسباب، أن مسببات الاصطفاء تبدأ بحمل الرسالة وهو الأصل في الاصطفاء، لا أن يجعلهم صفوة دون هذا الغرض، فتناقصت السببية عنده.

ثانيا: توافق معنا على المنطوق باستبعاد مناط الاصطفاء أن يكون عقيديا، بدءا من قوله: "أن الله اصطفي دين آدم ودين نوح"، إلى قوله: "أنا لا نحتاج إلى إضمار". بينا ارتأينا أن الباب العقيدي ليس في مفردات الاصطفاء في الآية الكريمة وقد استبعد الإضمار لإثباته، إنما ثابت في قوله: "وَاللَّهُ سَمِيعٌ"، وثابت على أصل الاصطفاء غير مثبت في المنطوق، أن الاصطفاء سببه حمل التكليف، وحمل التكليف من العقيدة، كما هو ثابت بالدلائل المنفصلة التي ذكرها مثل قوله تعالى مع موسى، عليه السلام: "إِنْى ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَـٰلَـٰتِي"، لا شبهة فيه.

ثالثا: أنه حمل الرعاية الإلهية أسباب الاصطفاء، ثم دلل عليها، بينا نحن نحمل الرعاية على أصل الاصطفاء وهو حمل تكليف الرسالة. فمتى تقرر الاصطفاء تبعته الرعاية الإلهية، التي دلل عليها فيما تلي من أقواله:

< وذكر الحليمي في كتاب «المنهاج» أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا بد وأن يكونوا مخالفين لغيرهم في القوى الجسمانية، والقوى الروحانية، أما القوى الجسمانية، فهي إما مدركة، وإما محركة. أما المدركة: فهي إما الحواس الظاهرة، وإما الحواس الباطنة، أما الحواس الظاهرة فهي خمسة أحدها: القوة الباصرة، ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم مخصوصاً بكمال هذه الصفة ويدل عليه وجهان الأول: قوله صلى الله عليه وسلم: "زويت لي الأرض فأريت مشارقها مغاربها". والثاني: قوله صلى الله عليه وسلم: " أقيموا صفوفكم وتراصوا فإني أراكم من وراء ظهري " ونظير هذه القوة ما حصل لإبراهيم صلى الله عليه وسلم وهو قوله تعالى:

{وَكَذَلِكَ نُرِى إِبْرٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} [الأنعام: 75] >.

... إلى آخر ما ذكر من دلائل، متفقين معه على تباين الشمائل بين المصطفين الأخيار، صلى الله عليهم وسلم، التي بثها جلت قدرته فيهم من باب الرعاية الإلهية متوائمة مع وبغرض حمل التكليف بكفاءة، الاصطفاء على مسبباته ومترتباته. لم ينظر الرازي ولا غالبية النظار في عوامل ومكونات الاصطفاء بهذا المنهج والتقسيم فيه الذي اتبعناه معولين على معطيات الذكر الحكيم في المنهاج ومثانيه، وبخاصة العامل المجتمعي، أشرنا إليه ونفصل عليه فيما بعد بإذن الرحمن الرحيم. منه التفرقة والتمييز بين مدلول لفظ "منهج" البحث ولفظ "منهاج" الله في تنزيله وقوله: "شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا"، فالبون شاسع بينهما، سنفرد له مقاما فيما بعد بإذنه المستعان. والحمد لله رب العالمين، هو الهادي والموفق إلى صراطه المستقيم.

      إلى مناسبة أخرى بإذنه تعالى، كل عام وأنتم وأمة الإسلام في خير وسلام، وقاها الله شرور الحاقدين والطامعين، هو نعم المولى ونعم النصير ونعم السميع المجيب.

      مسك الختام، كلمات الملك القدوس السلام:

*إِنَّ اللَّـهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا *

عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام إلى يوم يبعثون.

-----------------------------
الإنشاء: [Minhageat.com]

ديسمبر 2015

الحاج مالك الشباز أو MALCOM X

الحاج مالك الشباز أو MALCOM X

By المنهاج | 1:19 PM EET, Tue August 06, 2019

بسم الله الرحمن الرحيم:

﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ، فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فلا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ، وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّـهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ (البقرة: ١٩٧)

 

 

 

ماذا تعرف عن الحاج مالك الشباز أو مالكولم إكس؟: الموقع.

< هناك في الحج بعدما تعرف مالكوم على الإسلام - وكيف ينادي بالمساواة بين الأعراق، تخلى مالكوم عن اعتقاده بأن البيض شياطين وعقب ذلك أسس منظمة أسماها مؤسسة المسجد الإسلامي وأخرى حملت اسم منظمة اتحاد الأفارقة الأميركيين وأخذ يتجه بأفكاره نحو الاشتراكية محاولاً في هذه المنظمة الأخيرة أن يجد أرضية مشتركة للنضال تضم جميع المناضلين السود. وعلى الرغم من سعيه إلى الابتعاد عن النزاع مع منظمة أمة الإسلام إلا أن خصاما علنيا نشب بين الطرفين فيما بعد، وأمرته المنظمة بإخلاء بيته لأنه ملك لها[2]، فنذر نفسه للدعوة إلى الإسلام الحقيقي وحاول تصحيح مفاهيم جماعة أمة الإسلام الضالة المضلة، فقوبل بالعداء والكراهية منهم وبدءوا بمضايقته وتهديده فلم يأبه لذلك، وظل يسير في خطى واضحة راسخة يدعو إلى الإسلام الصحيح الذي يقضي على جميع أشكال العنصرية.[6] صاغ بعد عودته أفكاراً جديدة تدعو إلى الإسلام الصحيح أو الإسلام اللاعنصري وأخذ يدعو إليه ونادى بأخوة بني الإنسان بغض النظر عن اللون ودعا إلى التعايش بين البيض والسود لذلك هاجموه وحاربوه، وأحجمت الصحف الأمريكية عن نشر أي شيء عن هذا الاتجاه الجديد، واتهموه بتحريض السود على العصيان فقال: «عندما تكون عوامل الانفجار الاجتماعي موجودة لا تحتاج الجماهير لمن يحرضها وإن عبادة الإله الواحد ستقرب الناس من السلام الذي يتكلم الناس عنه ولا يفعلون شيئاً لتحقيقه»

المنصة التي اغتيل عليها مالكوم إكس، ويظهر في الخلف على الحائط بعض الطلقات التي اخترقت جسده.

      بتنامي الخلافات بين مالكوم ومنظمة أمة الإسلام، قامت المنظمة بإعطاء أوامرها بقتل مالكوم إكس، وفي 14 شباط/فبراير 1965 قامت مجموعة بإضرام النيران في بيت مالكوم إلا أن النجاة كتبت له ولعائلته من النيران.[7] وفي الحادي والعشرين من نفس الشهر الموافق 18 شوال1384 هـ صعد مالكوم إلى المنصة في قاعة مؤتمرات في مدينة نيويورك ليلقي محاضرة ويدعو إلى الإسلام، وخلال المحاضرة نشبت مشاجرة مفتعلة في الصف التاسع بين اثنين من الحضور، فالتفت الناس إليهما،[12] وحاول الحراس الشخصيون لمالكوم السيطرة على الوضع، فاقترب رجل من المنصة وأطلق النار على مالكوم وأصابه في صدره وبعدها تقدم رجلان آخران من المنصة وأمطروا مالكوم بوابل من النيران فأردوه قتيلاً.[7] أصيب مالكوم بست عشرة رصاصة في صدره فتدفق الدم بغزارة من جسد هذا الداعية ليلقى مصرعه على الفور. تم القبض على القتلة الذين اتضح بعد ذلك أنهم من رجال منظمة أمة الإسلام ولكنهم أنكروا أن يكونوا قد تلقوا أوامر من إليجا محمد بقتل مالكوم إكس، وقالوا أنهم فعلوا ذلك من تلقاء أنفسهم فلم يُدَن إليجا محمد بشيء.[12] كانت وفاة مالكوم إكس نقطة تحول في سير حركة أمة الإسلام حيث تركها الكثيرون والتحقوا بجماعة أهل السنة وعرفوا دينهم الحق، وتغيرت كثير من أفكار جماعة أمة الإسلام خاصة بعد رحيل إليجا محمد وتولية ابنه والاس محمد الذي تسمى بوارث الدين محمد فصحح أفكار الجماعة وغير اسمها إلى "البلاليين" نسبة إلى الصحابي بلال بن رباح، وجعل المسلمين السود الأمريكيين أقرب ما يكونوا إلى تيار الإسلام الوسطي وكان كل ذلك صدى لأفكار ودعوة الداعية مالكوم إكس الذي خر صريعًا للدعوة إلى دين الله.[12]  >

المصدر: الويكيبيديا.

      أغتيل "الحاج مالك الشباز" بأيدى آثمة بعد أن صحح الحج إعتقاداته فى الإسلام وغير من نظرته للعالم من حوله. كما أغتيل "مارتن لوثر كنج"، كليهما كنتيجة لحربهما ضد التفرقة العنصرية. ثم أخيرا وبعد قرون من المعاناة من جراء قسوة البيض وصلفهم، وبعد أن كان السود معول البناء للقوة العظمى بالعبودية، جاء "باراك أوباما" الأسود (الأفروأميركان، لأب إفريقى مسلم وأم أمريكية بيضاء مسيحية) ليسكن البيت الأبيض. حدث تاريخى فى الولايات المتحدة الأمريكية بعد صراع مرير ضد العنصرية وتاريخ أسود للسود. علامة تاريخية بعد الحرب الأهلية وتحرير العبيد وحرب الإستقلال ضد الإستعمار الإنجليرى. لامناص من ذكر البطلين كعنوان له، وكركن ركين فى الإسلام. وليشهد ثلاثتهم بأن بضاعة الإسلام هى تحرير البشر من شرور أنفسهم وسيئات أعمالهم، هى السلام بين بنى البشر، شرقا وغربا، بيضا وسودا، لا فرق بينهم كما جاء بحديث خاتم المرسلين صلى الله عليه وسلم: "الناس سواسية كأسنان المشط، لا فرق بين عربى ولا أعجمى ولا أبيض ولا أسود إلا بالتقوى"، شاهده الحج. وقال خليفة المسلمين عمر بن الخطاب رضى الله عنه وأرضاه: "متى إستعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا"، بما يعنى أن الله قد خلفهم أحرارا، وقد قال الغفور الرحيم:

♣ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ♣ ﴿الحجرات: ١١﴾

لقد ولدتهم أمهاتهم متساويين أحرارا، يحجون لبيت الله الحرام مكة المكرمة فى مثل هذه الأيام من كل عام (التوقيت الهجرى)، حين يشد الحجيج الرحال يأتين من كل فج عميق، شتى بقاع الأرض، متجردين من عتاد الدنيا وزينتها فى زى الإحرام الموحد، يعبدون الواحد الأحد الفرد الصمد، لا شريك له ولا ولد. وليشهدوا بأن وعد الله حق. وأن الساعة لاريب فيها، قوله تعالى:

♠ يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ♠ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّـهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ♠.

وأن الله غالب على أمره حيث قال: 

♠ يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّـهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّـهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ♠ 

متم لنوره على أرضه وفى سمائه، ولو كره كل من فى الأرض، يتمه على سنة الله ورسله وأنبيائه صلى الله عليهم وسلم.

مسك الختام قول الملك القدوس السلام:

* فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَـٰكَذَا عَرْشُكِ ۖ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ ۚ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ *

صدق الله العظيم

 

-----------------------------

 

حجة الفداء فى عيد الأضحى المبارك.

حجة الفداء فى عيد الأضحى المبارك.

By المنهاج | 10:58 AM EET, Thu August 08, 2019
 بسم الله الرحمن الرحيم:
 
* وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ * رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖسَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّـهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ * كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ * (الصافات 99 - 110)
صدق الله العظيم
فى المناسبة عدة مسائل:
الأولى: كى يهديك الله فعليك أن تذهب إليه جل فى علاه. وأن تذهب إليه هو أن تكون إليه قريب كما هو أقرب إليك من حبل الوريد، بقلب مفعم بالإيمان والتقوى و بالأعمال الصالحات. قوله تعالى: "إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ".
الثانية: عندما تكون إلى الله قريب فليست الجائزة الهدى فقط، إنما الإستجابة للدعاء أيضا. فلما دعا إبراهيم عليه السلام أن يهبه الله الذرية الصالحة أستجيبت دعوته فى قوله تعالى: " فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ ".
الثالثة: الموعظة الأعظم فى التربية، أن إبراهيم عليه السلام نبى الله يستشير إبنه فيما يفعله، وإن كان ما سيفعله فى مرتبة الأمر من الله. على الجانب الآخر إمتثال الإبن لأبيه ولأمر الله، طاعة الله فى الحق عمياء فى رقبته. هل رأيتم فيما قيل: "إن كبر ابنك خاويه"، وقال الحكيم العليم: " فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ"، تحتمل سن السعى على الرزق, قيل فى الروايات أنه كان فى حوالى الثانية أو الثالثة عشر من العمر. فى الرابعة عشر سن الحلم، وهو الأكثر تماشيا مع معطيات الذكر الحكيم.
الرابعة: هنا مشكل: أنه لا خلاف على أن الوحى من أمر الله وأمر من الله كليهما، لكن كيف تكون الرؤيا أمر من الله؟ المسألة فى التأويل، فى سورة يوسف هناك رؤيا وهناك تأويل لها، إنما المتقدم فى السورة تعليم تأويل الأحاديث. قال العلماء فى ذلك الكثير. شبه الإجماع على أن الرؤيا فى القرآن الكريم ليست من المحكم ويلزم لها التأويل. على الأرجح كان هذا أساس الفداء، فلم تكن الرؤيا على الحقيقة أمرا أو نهيا فى الشريعة وأمرا من الله، وإن كانت من أمر الله وحجته البالغة. دليل ذلك أن الله لا يأمر بالذبح بغير جريرة تعالى جل شأنه عن الظلم، قال بذلك المتكلمون وذكره الرازى فى تفسيره "مفاتيح الغيب"، دلائله كثر. فى ذلك قوله تعالى: "إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ"، أن يذبح نبى الله بغير جريرة فهذا بلاء عظيم. دليله قول الحكيم العليم:
* ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّـهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ  *(البقرة:  61)
الخامسة: مقارنة تربوية داخلة فى حجة الفداء. فلنقارن بقتل الغلام مع موسى والخضر عليهما السلام فى سورة الكهف، والذى خشى أن يرهق أبويه طغيانا وكفرا، قوله تعالى:
وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا * (الكهف: 80).
ألم تر أن الخضر عليه السلام قال "خشينا" ولم يقل "خشيت"؟
 من هنا كان الفداء لنبى الله إسماعيل عليه السلام، الذى عنه قال تعالى:
* وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا * ﴿مريم: ٥٤﴾
هنا إسماعيل عليه السلام فى بنوة ونبوة وهناك فى الكهف غلام فى عقوق وطغيان وكفر. هنا رؤيا وهناك واقع اليقظة، فكان الفداء، الحجة والموعظة.
ولنقارن مع قصة نوح عليه السلام وابنه الذى لم يستمع إلى نصح والده أن يركب الفلك معهم للنجاة من الطوفان، وهى الفلك التى حملت "المثانى"، فكان من المغرقين. قال العليم الحكيم:
* وَنَادٰى نُوۡحُ اۨبۡنَهٗ وَكَانَ فِىۡ مَعۡزِلٍ يّٰبُنَىَّ ارۡكَبْ مَّعَنَا وَلَا تَكُنۡ مَّعَ الۡكٰفِرِيۡن * قَالَ سَاٰوِىۡۤ اِلٰى جَبَلٍ يَّعۡصِمُنِىۡ مِنَ الۡمَآءِ‌ؕ قَالَ لَا عَاصِمَ الۡيَوۡمَ مِنۡ اَمۡرِ اللّٰهِ اِلَّا مَنۡ رَّحِمَ‌ۚ وَحَالَ بَيۡنَهُمَا الۡمَوۡجُ فَكَانَ مِنَ الۡمُغۡرَقِيۡنَ * وَقِيۡلَ يٰۤاَرۡضُ ابۡلَعِىۡ مَآءَكِ وَيٰسَمَآءُ اَقۡلِعِىۡ وَغِيۡضَ الۡمَآءُ وَقُضِىَ الۡاَمۡرُ وَاسۡتَوَتۡ عَلَى الۡجُوۡدِىِّ‌ وَقِيۡلَ بُعۡدًا لِّـلۡقَوۡمِ الظّٰلِمِيۡنَن * وَنَادٰى نُوۡحٌ رَّبَّهٗ فَقَالَ رَبِّ اِنَّ ابۡنِىۡ مِنۡ اَهۡلِىۡ وَاِنَّ وَعۡدَكَ الۡحَـقُّ وَاَنۡتَ اَحۡكَمُ الۡحٰكِمِيۡنَ * قَالَ يٰـنُوۡحُ اِنَّهٗ لَـيۡسَ مِنۡ اَهۡلِكَ ‌ۚاِنَّهٗ عَمَلٌ غَيۡرُ صَالِحٍ ‌‌ۖ  * (هود 22 - 26). 
عصى الإبن أباه أن يجاهد معه فى سبيل الله وإختار أن يكون مع الكافرين، فكان من  المغرقين، هو حكم الله فى اليقظة لا الرؤيا، قوله: "وَاَنۡتَ اَحۡكَمُ الۡحٰكِمِيۡنَ"، لم يشفع له أنه إبن نبى الله، قوله: "رَبِّ اِنَّ ابۡنِىۡ مِنۡ اَهۡلِىۡ": لجأ الإبن إلى الطبيعة لتعصمه من أمر الله، كيف وهو الخلاق العليم؟ جاءته النصيحة فى قوله: " لَا عَاصِمَ الۡيَوۡمَ مِنۡ اَمۡرِ اللّٰهِ اِلَّا مَنۡ رَّحِمَ‌ۚ "، ولم تصبه الرحمة فى جانب الكفر وهو إبن نبى الله، فقد أرسل الله الطوفان عقابا للكافرين ولينجى نوح عليه السلام ومن معه والمثانى أيضا، قوله تعالى:
* قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ * (هود)
هنا أيضا من الحجة البالغة لم كان الفداء فى الأضحى المبارك. وليكن عيدا للفداء وطاعة الله، وطاعة  الوالدين فى الحق والإستماع لنصائحهما فطاعتهما من الإيمان، إلا إذا غويا على الشرك، قول الرؤوف الرحيم:
* وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا * (العنكبوت: 8).
وقال:
* وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا * (لقمان: 15).
كررت مرتين، إشارة للمثانى، وقصة سفينة نوح عليه السلام فى اليقظة وبالوحى هى الإنقاذ لسنة الله الرئيسية فى الكون والحياة، المثانى أيضا. تعجب وتأمل، ستجد أن طاعة الوالدين فى الحق من الإيمان، الحجة فى فداء الأضحى.
وعليه كانت الرؤى فى الذكر الحكيم يلزمها التأويل، جاز على رؤيا الأنبياء، مثار الخلاف بين جمع من العلماء. وليس من المعقول أن نساوى بين حال المنام وحال اليقظة أو بين الرؤيا والوحى فى سبل البيان والإستدلال والتأويل، وإلا أن تنطمس معالم الحدود بلا فرقان، نستغفره ونتوب إليه جلت حكمته، فهنا مثال للفرقان فى القرآن ، تمييزا للحدود.
السادسة: المعنى بالصدق فى الرؤيا من حيث الرواية من جهة، ومن جهة أخرى التصديق بها وتفعيلها، قوله جلت حكمته: "فلما تله للجبين". لا يتعارض هذا الصدق مع لزوم التأويل للرؤيا، كما هى الحال مع رؤيا يوسف عليه السلام التى لم يكن السجود فيها للكواكب وللشمس والقمرعلى الحقيقة مع الصدق فى الرواية، إنما الإخوة والوالدين. مثله أن رؤيا إبراهيم عليه السلام لم تكن على الحقيقة أمرا من الله تعالى بذبح الإبن الصالح البار، الصادق الوعد، لذا كان الفداء وعيد الأضحى المبارك إحتفاءا بها. والله أعلم.
أما قوله تعالى:
* لَّقَدْ صَدَقَ اللَّـهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّـهُ (الفتح: 27).
فقد احتج به فى أن رؤيا الأنبياء من الصدق والحقيقة بحيث لا تفتقر إلى التأويل. وهذا فى نظرنا ليس دقيقا من جهة أن هذه الرؤيا لرسول الله صلى الله عليه وسلم لم تتحول إلى حقيقة إلا بأمر الله، المقصد فى قوله: "صَدَقَ اللَّـهُ" و"بِالْحَقِّ"، دليل ذلك قوله تعالى مع رؤيا يوسف عليه السلام:
* وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا (يوسف: 100).
وبها تفسير قوله "بِالْحَقِّ" مع رؤيا الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام. والقرآن يفسر بعضه بعضا أكثر بيانا فى المنهاج وأدواته. ما يؤيد ما ذهبنا إليه. ففى رؤيا يوسف عليه السلام علمه الله التأويل، لأنه إن كان للكواكب والشمس والقمر أن تسجد لاحد فليس إلا الله الواحد القهار. فى رؤيا إبراهيم عليه السلام ناداه ربه ليصلح وكان الفداء بعد أن صدقها نبى الله. هنا فى رؤيا المصطفى عليه الصلاة والسلام جعلها الله حقيقة واقعة بإرادته. فى كل الأحوال كان الله  تعالت حكمته معقبا بالإصلاح أو التصديق، مثلما قال جل ذكره:
قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا (البقرة: 144).
لم يدعو رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه بها، فهى بمثابة رؤيا فى اليقظة، وكانت الإستجابة تحولت إلى حقيقة رؤيا العين، من باب التأييد للرسالة الخاتمة إلى أن يتم الله نوره بالحق. ربما كان هنا فارق بين رؤيا الأنبياء ورؤيا الرسل عليهم الصلاة والسلام. والله أعلم. من فضله الهدى وبه التوفيق.
الموعظة: عند الفداء أو النذر، أيما كان، أدعوا ربكم تضرعا وخفية مخلصين له الدين أن يهبكم الذرية الصالحة، وأن يصلح لكم فى ذريتكم، هو نعم السميع المجيب.
فى سورة إبراهيم قال تبارك وتعالى:
وَاِذۡ قَالَ اِبۡرٰهِيۡمُ رَبِّ اجۡعَلۡ هٰذَا الۡبَلَدَ اٰمِنًا وَّاجۡنُبۡنِىۡ وَبَنِىَّ اَنۡ نَّـعۡبُدَ الۡاَصۡنَامَ * رَبِّ اِنَّهُنَّ اَضۡلَلۡنَ كَثِيۡرًا مِّنَ النَّاسِ‌ۚ فَمَنۡ تَبِعَنِىۡ فَاِنَّهٗ مِنِّىۡ‌ۚ وَمَنۡ عَصَانِىۡ فَاِنَّكَ غَفُوۡرٌ رَّحِيۡمٌ * رَبَّنَاۤ اِنِّىۡۤ اَسۡكَنۡتُ مِنۡ ذُرِّيَّتِىۡ بِوَادٍ غَيۡرِ ذِىۡ زَرۡعٍ عِنۡدَ بَيۡتِكَ الۡمُحَرَّمِۙ رَبَّنَا لِيُقِيۡمُوۡا الصَّلٰوةَ فَاجۡعَلۡ اَ فۡـٮِٕدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهۡوِىۡۤ اِلَيۡهِمۡ وَارۡزُقۡهُمۡ مِّنَ الثَّمَرٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَشۡكُرُوۡنَ * رَبَّنَاۤ اِنَّكَ تَعۡلَمُ مَا نُخۡفِىۡ وَمَا نُعۡلِنُ‌ ؕ وَمَا يَخۡفٰى عَلَى اللّٰهِ مِنۡ شَىۡءٍ فِى الۡاَرۡضِ وَلَا فِى السَّمَآء * اَلۡحَمۡدُ لِلّٰهِ الَّذِىۡ وَهَبَ لِىۡ عَلَى الۡـكِبَرِ اِسۡمٰعِيۡلَ وَاِسۡحٰقَ‌ؕ اِنَّ رَبِّىۡ لَسَمِيۡعُ الدُّعَآءِ‏ * رَبِّ اجۡعَلۡنِىۡ مُقِيۡمَ الصَّلٰوةِ وَمِنۡ ذُرِّيَّتِىۡ‌‌ ۖ  رَبَّنَا وَتَقَبَّلۡ دُعَآء * رَبَّنَا اغۡفِرۡ لِىۡ وَلـِوَالِدَىَّ وَلِلۡمُؤۡمِنِيۡنَ يَوۡمَ يَقُوۡمُ الۡحِسَابُ (إبراهيم: 35 - 41).
آمين يا رب العالمين. وكل عام وأنتم وأمة الإسلام فى سؤدد وسلام بإذن الرحمن الرحيم.

(2) ملابسات آذانى الفجر.

(2) ملابسات آذانى الفجر.

By المنهاج | 1:04 PM EET, Tue May 14, 2019

حجة الآذانين تعتمد على الحديث الشريف، عن النبي ﷺ أنه قال: "إن بلالًا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم"، ومعناه - هلى قدر فهمنا للحديث - أن ذلك فى رمضان فقط حيث يعتبر الأذان الأول نداءا للسحور، والنانى للإمساك. فسبب الأول هو الأكل والشرب، فالكف عنه مع الثانى.
والله أعلم.

رمضانيات 1440 هجرية.

رمضانيات 1440 هجرية.

By المنهاج | 12:21 PM EET, Tue May 14, 2019

بسم الله الرحمن الرحيم: * شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ * صدق الله العظيم

الموضوعات:

رمضاء الصيام، باب الهدى والإستجابة.

رمضاء الصيام، باب الهدى والإستجابة.

By المنهاج | 2:48 PM EET, Mon May 06, 2019

بسم الله الرحمن الرحيم:

* يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ ۚ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖوَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّـهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّـهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖفَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ * * (البقرة: 184 -6)

صدق الله العظيم

رتب جل ذكره عدة مسائل فى الصيام: الآية الأولى بدأت بالعموم، أن منهاج الله واحد وشرعته واحده فى الرسالات السماوية، أمر فيها بالصيام، من هذا العموم خصص فى الإسلام أيام معدودات، الزمان والمدة والكيفية. فالتدليل على ثنائية "العام والخاص". ولأن رمضان من الرمضاء فقد ثبتت المشقة، عليها رخص جلت رحمته لعباده. جريا على ثنائية "الإختيار والجبر""، ففرض الصيام من الجبر بفرض الإيمان، أما الترخيص بالإفطار ففيه الإختيار المرشًد بقوله تعالى: " خَيْرٌ لَّكُم "، دون تفريط. فى الآية الثانية أورد  جلت حكمته الفضائل والأسباب، ثم تناول الترخيص مرة ثانية تخفيفا للمشقة على العباد. التثنية تفيد أن فى المنهاج إستثناء وترخيص مثل الشرعة. من جانب آخر فإن الترخيص فى الشرعة واجب فقهيا أن تجرى مسائله ومسالكه منضبطة إلى المنهاج ومثانيه، ما هو تكييف الشرعة بالمنهاج فيما فيه خلاف. لأن فى ذلك يسر على العباد فى حمل التكليف، بلا إفراط أو تفريط.

على أن فى الصيام حكمة أساسية، إذا تقرب العبد إلى ربه بالعبادة الصحيحة، كان المردود دنيويا متعدد الجوانب. أن فى رمضان يكون الهدى من الله أكثر، حيث يفرغ العبد من النزوات والشهوات. الجانب الثانى فى المردود هو الإستجابة للدعاء، فهى أقرب مع قرب العبد من ربه، أكثر قربا فى الصيام. فمن فوائد الصيام فى الإعتقاد فتح أبواب الهدى والإستجابة، بإذنه تعالى، لعلكم تشكرونه جل شأنه على فرض الصيام، يريد بكم اليسر. والله أعلم.

بيان للمثانى المنهاجية تجده فى كتاب "إشراق المنهاج" وبإقتضاب على هذه المدونة "تساؤلات المنهاج"، والله ولى التوفيق والمستعان.


 

شعبان فى بينية، مطابقة بين المنهاج والحديث.

شعبان فى بينية، مطابقة بين المنهاج والحديث.

By المنهاج | 1:22 PM EET, Tue April 09, 2019

      يعلم المسلمون أن السنة شارحة للشرع ومبينة له بالتطبيق، والمستقر عليه أن لا تعارض بين الأحاديث الشريفة وبين القرآن الكريم، إنما ذلك فى الشرعة والإعتقاد، ثابت بالدلالة القطعية وقول الرؤوف الرحيم جل ذكره:
*وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُفَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا * (الحشر: 7)

لأنه بعلمه الأجل يعلم ما يجئ به الرسول من حكمة فى جماع كلم رسول أمى عليه الصلاة والسلام، ولما كان إصطفاؤه. كما يعلم علماء الإسلام مدى الجهد والإجتهاد فى تحقيق الأحاديث الشريفة، علوم شتى ما هى إلا سبيل اليقين فى التشريع، فيتحدثون عن الإسناد والآحاد والمتفق عليه والحسن والغريب والموقوف والمرفوع...الخ، أهل الحديث أهل لها. ولما كان المنهاج بكرا فلا نرى بقدر بحثنا فى الموضوع من عمد إلى محاولات للبرهنة على أن المنهاج فى الأحاديث الشريفة  مطابق للمنهاج فى القرآن الكريم شارح له مثله مثل الشرعة سواء بسواء. وإن كان ليس هناك من شك فى ذلك مدلول الآية الكريمة، إنما الأهمية فى تبيان الحق الذى لم يستبين بعد فى تأسيس المنهاج والنظر فى قضاياه. بل قد قلنا بأن المنهاج يمكن أن يكون طريقا من طرق تحقيق الحديث، فإن كان تطابق إرتفع الشك فى الرواية والإسناد، وكان الحسن وصفا.

      لقد سبق أن ذكرنا مثال لذلك فى قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: "ما كثيره مسكر فقليله حرام"، ما يطابق المنهاج على المثانى فى ثنائية الكيف والكم بتقديم الكيف، مثالها قول العليم الحكيم:
كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّـهِ ۗ وَاللَّـهُ مَعَ الصَّابِرِينَ * ﴿البقرة : ٢٤٩

فالتحريم فى الحديث الشريف على الكيف أصلا ومن ثم الكم تبعا، تطابق واضح، إثباتا للنبوة والإصطفاء. فإن كان التحريم على الكم لم يلزم تحريمه على الكيف، ولم يكن من يقين فى الكم وكانت شبهات وخلاف وتشيع.

      فى شهر شعبان دليل آخر على هذا التطابق فى المنهاج بين الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة، قول خاتم المرسلين عليه الصلاة والسلام: "ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاس عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَان , وَهُوَ شَهْر تُرْفَعُ فِيهِ الأَعْمَال إِلَى رَبّ الْعَالَمِينَ ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ". المنهاجية هنا معنى من معانى وسطية الإسلام التى هى فى الحقيقة وسطية كينونة وكيفية، نعنى بخلاف الكيف فى هذا المقام، بقدر ماهى فى المصير والمآل والتفعيل، نقصد بها التدرج فى الوسائل، ليس من حيث الوسيلة المادية ولكن من حيث كيفية إدارة الوسائل، منهجها وطرقها. المسألة هنا بسيطة أنه من المفضل على منهاج الإسلام ألا تنتظر رمضان وتصوم فجأة فى يوم وليلة مع ما فى ذلك من إجهاد فى نواحى كثيرة، جسمانية ونفسية، يترتب عليها ضرر ربما كان مرئيا محسوسا، وربما كان طويل الأجل فى النتائج الغير مرغوب فيها صحيا. إن قلنا كان صيام رمضان بعد عام من الإفطار كالصدمة للبدن والنفس، كان ذلك صائبا إلى حد بعيد. المنهاجية إذن هى التدرج، تأويل قول الرسول عليه الصلاة والسلام "بين رجب ورمضان". "بين" هنا ليست وسطية كينونية أو زمانية أو كيفية، إنما التدرج فى الكيفية والطريقة. أن تدرب نفسك على الصيام فى شعبان، بعض منه، حتى لا يكون الصيام فى رمضان مثل الصدمة المفاجئة للبدن والمعدة بوجه خاص، من قبيل دفع الضرر.

      المنهاجية ثابته الدلالة فى الذكر الحكيم من عدة وجوه ومن عدة طرق وفى عدة مناطات، حتى إكتسبت صفة العموم فى منهاج الإسلام، وحتى أننا نعدها صفة من صفات وسطية الإسلام من طريق الكيفية. فوسطية الإسلام على منهاج المثانى بحر واسع لا نرى له برورا فى الوقت الراهن. أول الأدلة فى مسألتنا وحاكمها وعامها قول الرؤوف الرحيم:

* وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا * (المدثر: 14)

      التمهيد والإعداد فى الوسائل والكيفية، الخطوات والطريقة. المعنى مبسوط لغويا لا يحتاج إلى تأويل، فبات قاطعا فى هذه المسألة. الذى يحتاج التأويل هو المفعول المطلق "تمهيدا"، ففيه تثنية المثانى. يدل من وجه آخر على أن التمهيد فى المفعول المطلق غير التمهيد فى الفعل، وإن كان من جنس الفعل، قلنا فيه من قبل مع قوله تعالى:

* وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا * (المزمل: 4)

أن هناك فارق بين الترتيل فى الفعل والترتيل فى المفعول المطلق، أعلى مرتبة فى التفعيل، أو إن شئت قلت مضاعفة الفعل، فيكون الترتيل الثانى المعنى به هو التجويد، مع ما فى الفارق بين الترتيل والتجويد فى تفعيل القراءة، الذى يدل على الفارق فى المدلول بين الفعل والمفعول المطلق. دأب المفسرون والنحويون على إعتبار المفعول المطلق تأكيدا للفعل، لكنه فى المنهاج بمرتبة مختلفة. مثله قوله تبارك وتعالى:

 * لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا *  ﴿مريم: ٩٤﴾

ليدل المفعول المطلق "عَدًّا" على الإحصاء، أعلى مرتبة فى العد من مجرد العمليات الحسابية العادية. من عداد قانون التأويل المجازى النحوى فى المنهاج. هنا أيضا فى التمهيد والإعداد للساريات من الأمور والأعمال والمخططات. فإن قلنا أن التمهيد الأول هو فى الوسائل المادية، كان التمهيد الثانى فى الكيفية والخطوات والطرائق.

      إن أردت التمهيد ب "الفعل" لرمضان، فربما مهدت له بالولائم و"المكسرات" مما إعتاد عليه المسلمون وما شابه من أنواع المأكولات التى تساعد على صيام أقل فى المشقة، كأن تتناول فى السحور أنواع الغذاء التى تدوم لمدة أطول فى المعدة، ليست تحايلا وليس من تحريم فى ذلك، لأن التكليف فى عمومه ترتفع عنه المشقة، المنبع للرخص فى الشرع. أو أن تعد نفسك فى الأعمال بتحديد الأوقات وتغيير المواعيد لتتناسب مع حال الصيام، مع ما يترتب عليه من نتائج إختزال القدرات، أو الفتور البدنى فى بادئ الأمر، وإن كنا لا نقول به، فكم من إنتصارات للإسلام حدثت فى الشهر الكريم مثل بدر والعاشر من رمضان، إنما المقصود التغيير فى كيفية العمل مع التحول من حالة الإفطار إلى حالة الصيام.أما التمهيد بالمفعول المطلق"تميهدا" فهو المقصود فى الحديث الشريف، أن تصوم بعض من شهر شعبان. والله أعلم.

      تأكيد المنهاجية فى حديث عائشة رضى الله عنها: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، وما رأيت رسول الله استكمل صيام شهر قط إلا رمضان، وما رأيته في شهر أكثر منه صياماً في شعبان" (متفق عليه). أما حديثها رضى الله عنها: "لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يصوم شهراً أكثر من شعبان، وكان يصوم شعبان كله". وفي رواية: "ولم أره صائماً من شهر قط أكثر من صيامه من شعبان، كان يصوم شعبان كله، كان يصوم شعبان إلا قليلاً"، ففي الرواية شك أن كان الرسول صلى الله عليه وسلم يصوم شعبان كاملا، لأن فى ذلك تعارض مع البينية فى الحديث الأول. البينية تعنى بين الإفطار والصيام، وبينهما البعض وليس الكل. فلو كان صيام شعبان كله إنتفت الحكمة فى البينية وفى منهاجية التدرج من حيث الأصل.

      أحد المفتين أو الأئمة الوعاظ أصاب القول فى التأويل والتفسير للحديث الشريف عن البينية فقال:

< وشهر شعبان كالمقدمة لشهر رمضان شرع فيه ما يشرع في شهر رمضان على جهة الاستحباب من الصيام، وقراءة القرآن ليحصل التأهب لتلقي شهر رمضان المبارك وتتروض النفوس بذلك على طاعة الرحمن فيكون ذلك كالتمرين على صيام رمضان، ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: "لم يكن النبي (صلى الله عليه وسلم) يصوم من شهر أكثر من شعبان، فإنه كان يصوم شعبان كله" (متفق عليه).>

المصدر: http://www.sunnah.org/ibadaat/fasting/benefits_fasting_Shaban.htm

---------------------------------------------------------------------------

       لكن المتكلم لم يصب فى إختيار حديث عائشة رضى الله عنها كتفسرة لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم، لأن فى حديثها هذا شك، يعارض ما قاله هو ويتعارض مع فحوى الحديث عن البينية فى شعبان. فإن وقف حديثها عند قولها رضى الله عنها "يصوم من شهر أكثر من شعبان"، لم يكن من شك لأنه بذلك يرتفق والمنهاجية فى البينية ويؤيد تأويل الحديث الشريف الذى قال به هو نفسه معقولا، تحول من معقول إلى متعارض.

      منهاجية التدرج فى الأمور والإعداد لها دلائلها كثر فى الذكر الحكيم، إستيفاؤها على أصولها يجئ مع حديث الوسطية، إلا أننا نذكر منها قول العادل الحكيم:

* نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّـهَ * ﴿البقرة: ٢٢٣﴾

قال فيها القرطبى رحمه الله:

< الرابعة ـ قوله تعالىٰ: {وَقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُمْ} أي قدّموا ما ينفعكم غداً؛ فحذف المفعول، وقد صُرِّح به في قوله تعالىٰ:

وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ }[البقرة: 110].

فالمعنى قدّموا لأنفسكم الطاعَةَ والعملَ الصالحَ. وقيل إبتغاء الولد والنسل؛ لأن الولد خير الدنيا والآخرة؛ فقد يكون شفيعاً وجُنَّة. وقيل: هو التزوّج بالعفائف؛ ليكون الولد صالحاً طاهراً. وقيل: هو تقدّم الأفراط؛ كما قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: " من قَدَّم ثلاثةً من الولد لم يبلغوا الحِنثَ لم تمسه النار إلاَّ تَحِلَّةَ القَسَم"الحديث. وسيأتي في «مريم» إن شاء الله تعالىٰ. وقال ٱبن عباس وعطاء: أي قدّموا ذكر الله عند الجماع؛ كما قال عليه السَّلام: "لو أنّ أحدكم إذا أتى ٱمرأته قال بسم الله اللَّهُمَّ جنّبنا الشيطان وجنّب الشيطانَ ما رزقَتنا فإنه إن يُقَدَّر بينهما ولدٌ لم يضرّه شيطانٌ أبداً" أخرجه مسلم.>

إبن كثير رحمه الله فى تفسيره:

< وفي حديث بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري، عن أبيه، عن جده، أنه قال: يا رسول الله نساؤنا، ما نأتي منها وما نذر؟ قال: "حرثك، ائت حرثك أنى شئت، غير أن لا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت" الحديث، رواه أحمد وأهل السنن.>

داخل فى التقديم، فكان المفهوم المسكوت عنه، خلافا للضرب والتقبيح والهجران، هو الملاطفة والمداعبة فى التقديم تعبيرا عن المودة والحب بينهما. هنا لا تفى البسملة أو التمنى بالتقديم والإعداد المطلوب وإن كانت مستحبه كما قال المفسرون، تيمنا فى كل الأحوال بالذرية الصالحة. ربما كان فى ذلك إعجاز علمى من طريق الوراثة، والله أعلم. منه جاز المنع إن لم تكن لها رغبة فى الآونة، داخل فى التقديم أيضا. مثل أن من النساء أصحاب الرسول صلى عليه وسلم من منعت زوجها من إتيانها الدبر وصدقها صلى الله عليه وسلم: " أيها الناس إن الله لا يستحي من الحقّ لا تأتوا النساء في أعجازهنّ"، الحديث، ذكره إبن كثير فى تفسيره. هنا بالقياس جائز الممانعة بعدم توافر الرغبة. دليله عدم الإكراه فى النكاح. لأهل الأصول الفصل،  إنما ثابت الدليل مفاد منهاجية التدرج والتمهيد، وتفسير التقدمة فى الآية الكريمة.

      دليل ثان على المنهاجية، قول القاهر فوق عباده:

* وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ * (الأنفال: 60)

لا يحتاج إلى بيان، محكم القول لغويا فى الإستدلال على منهاجية التدرج والإعداد، وإن تطلب التأويل فى ماهية القوة ورباط الخيل. 

      فإن قلنا أن شهر شعبان بين رجب ورمضان فى الزمان وفى المناط الذى هو الصوم، كان البين بينهما صيام بعض من شعبان لم ينص فيه على عدد الأيام، وإن كان حديث عائشة رضى الله عنها يدل على أنه أكثر الشهور صياما عند الرسول صلى الله عليه وسلم. كان يصوم فى الشهور الأخرى إلا أن  شعبان أكثر صياما، تأويل البين بين حالة الإفطار وحالة الصيام. فإن تأولنا البين على الأرجح على أنه وسطية، كان المطلوب هو صوم خمسة عشر يوما من شعبان، ليس فرضا ولا واجبا من حيث الشرع، إنما مستحب من حيث الإقتداء إبتداءا، أهل الشرعة أهل لها، بينما هو تكليف من حيث المنهاج والإقتداء سواء، تحقيقا للوسطية فيه بين الصفر والثلاثين يوما. وإذا أجرينا الوسطية على الإعداد والتدرج، كان الأفضل أن نتدرج أيضا فى عدد الأيام خلال الأسابيع الأربعة، تماشيا على وجه آخر مع مضمون قوله تعالى: "وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا". التمهيد الأول فى العدد هو خمسة عشر يوما تقريبا، والتمهيد فى المفعول المطلق أن يكون هناك تدرج مثل أن تصوم يومان فى الأسبوع الأول، وثلاثة فى الثانى، وأربعة فى الثالث، ثم خمسة فى الرابع، فيكون هناك أربعة عشر يوما. أما أن الأيام مفردة أو متجمعة فيمكن إدخالها الإعداد والتدرج بإعتبار الأسبوع الواحد، كأن لا تجمع فى الأسبوع الأول، مستحب فى الأخير، متروك للمكلف بإدراك أن ذلك يعنى فى المقام الأول الصحة الجسمانية والنفسية سواء، بل ألأعمال الصالحات وعبادة فى إستقامة على معطيات الدين القيم ومنهاج الله. والله أعلم.

      مسك الختام:

 * قُلِ ادْعُوا اللَّـهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَـٰنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا * ﴿الإسراء: ١١٠﴾

صدق الله العظيم

-----------------------------
الإنشاء[Minhageat.com]


فى الهجرة ميلاد، فهاجروا إلى منهاج الله..

فى الهجرة ميلاد، فهاجروا إلى منهاج الله..

By المنهاج | 1:29 PM EET, Fri August 30, 2019


كل عام وأنتم بخير وسعادة، وأمة الإسلام فى سؤدد وسلام بإذن الرحمن.

A moon and stars in the sky

AI-generated content may be incorrect.

 

الباب الأول: قصة الهجرة.

بسم الله الرحمن الرحيم:

* إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّـهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّـهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّـهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ اللَّـهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّـهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * ﴿التوبة: ٤٠﴾

ميلاد جديد للإسلام ولرسوله المصطفى محمد بن عبد الله عليه افضل الصلاة وازكى السلام، به عم الإسلام ثلث وجه الأرض وباتت أبدا كلمة الله هى العليا. يأبى الله إلا أن يتم نوره فى مشارق الأرض ومغاربها ولو كره كل من فى الأرض، فكانت الهجرة نصر من الله للإسلام وميلاد جديد، فيها العبرة والموعظة التى فيها مقالنا.

عن قصة الهجرة يقول القرطبى رحمه الله فى تفسيره "الجامع لأحكام القرآن":

< الرابعة ـ قوله تعالىٰ: {إِذْ هُمَا فِي ٱلْغَارِ} الغار: ثقب في الجبل، يعني غار ثَوْر. ولما رأت قريش أن المسلمين قد صاروا إلى المدينة قالوا: هذا شر شاغل لا يُطاق؛ فأجمعوا أمرهم على قتل رسول الله صلى  الله عليه وسلم، فبيّتوه ورصدوه على باب منزله طول ليلتهم ليقتلوه إذا خرج؛ فأمر النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب أن ينام على فراشه، ودعا الله أن يعمّى عليهم أثره، فطمس الله على أبصارهم فخرج وقد غشِيَهم النوم، فوضع على رؤوسهم تراباً ونهض، فلما أصبحوا خرج عليهم علي رضي الله عنه وأخبرهم أن ليس في الدار أحد، فعلموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فات ونجا. وتواعد رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر الصديق للهجرة، فدفعا راحلتيهما إلى عبد الله بن أَرقْط.

ويُقال ابن أريقط، وكان كافراً لكنهما وثقا به، وكان دليلاً بالطرق فاستأجراه ليدل بهما إلى المدينة. وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من خَوْخة في ظهر دار أبي بكر التي في بني جُمَح ونهضا نحو الغار في جبل ثَوْر، وأمر أبو بكر ابنه عبد الله أن يستمع ما يقول الناس، وأمر مولاه عامر بن فهيرة أن يرعى غنمه ويريحها عليهما ليلاً فيأخذ منها حاجتهما. ثم نهضا فدخلا الغار. وكانت أسماء بنت أبي بكر الصديق تأتيهما بالطعام ويأتيهما عبد الله بن أبي بكر بالأخبار، ثم يتلوهما عامر بن فهيرة بالغنم فيُعَفّى آثارهما. فلما فقدته قريش جعلت تطلبه بقائف معروف بقفاء الأثر، حتى وقف على الغار فقال: هنا انقطع الأثر.  فنظروا فإذا بالعنكبوت قد نسج على فم الغار من ساعته؛ ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتله. فلما رأوا نسج العنكبوت أيقنوا أن لا أحد فيه، فرجعوا وجعلوا في النبي صلى الله عليه وسلم مائة ناقة لمن ردّه عليهم. الخبر مشهور، وقصة سراقة بن مالك ابن جعْشُم في ذلك مذكورة. وقد رُوي من حديث أبي الدّرداء وثَوْبان (رضي الله عنهما): أن الله عزّ وجل أمر حمامة فباضت على نسج العنكبوت، وجعلت ترقد على بيضها، فلما نظر الكفار إليها ردّهم ذلك عن الغار.

الخامسة ـ روى البخاريّ عن عائشة قالت: استأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رجلاً من بني الدِّيل هادياً خِرِّيتاً، وهو على دين كفار قريش، فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غارَ ثَوْر بعد ثلاث ليال، فأتاهما براحلتيهما صبيحة ثلاث، فارتحلا وارتحل معهما عامر بن فُهيرة والدليلُ الدّيلي، فأخذ بهم طريق الساحل. قال المهلب: فيه من الفقه ائتمان أهل الشرك على السر والمال إذا عُلم منهم وفاء ومروءة كما ائتمن النبيّ صلى الله عليه وسلم هذا المشرك على سِرّه في الخروج من مكة وعلى الناقتين.> ا.ه.


الثانى: ملابسات التفسير:

من طرائف الرازى رحمه الله فى تفسيره "مفاتيح الغيب" تفسير الضمير ومن المقصود بالسكينة:

< والوجه العاشر: قوله: {فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ} ومن قال الضمير في قوله: {عَلَيْهِ} عائداً إلى الرسول فهذا باطل لوجوه:

الوجه الأول: أن الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكورات، وأقرب المذكورات المتقدمة في هذه الآية هو أبو بكر، لأنه تعالى قال: {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ}. والتقدير: إذ يقول محمد لصاحبه أبي بكر لا تحزن، وعلى هذا التقدير: فأقرب المذكورات السابقة هو أبو بكر، فوجب عود الضمير إليه.

والوجه الثاني: أن الحزن والخوف كان حاصلاً لأبي بكر لا للرسول عليه الصلاة والسلام، فإنه عليه السلام كان آمناً ساكن القلب بما وعده الله أن ينصره  على قريش فلما قال لأبي بكر لا تحزن صار آمناً، فصرف السكينة إلى أبي بكر ليصير ذلك سبباً لزوال خوفه، أولى من صرفها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، مع أنه قبل ذلك ساكن القلب قوي النفس.

والوجه الثالث: أنه لو كان المراد إنزال السكينة على الرسول لوجب أن يقال: إن الرسول كان قبل ذلك خائفاً، ولو كان الأمر كذلك لما أمكنه أن يقول لأبي بكر: {لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا} فمن كان خائفاً كيف يمكنه أن يزيل الخوف عن قلب غيره؟ ولو كان الأمر على ما قالوه لوجب أن يقال: فأنزل الله سكينته عليه، فقال لصاحبه لا تحزن، ولما لم يكن كذلك، بل ذكر أولاً أنه عليه الصلاة والسلام قال لصاحبه لا تحزن، ثم ذكر بفاء التعقيب نزول السكينة، وهو قوله: {فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ} علمنا أن نزول هذه السكينة مسبوق بحصول السكينة في قلب الرسول عليه الصلاة والسلام، ومتى كان الأمر كذلك وجب أن تكون هذه السكينة نازلة على قلب أبي بكر.> ا.ه.

نحن معه فى هذه المسألة لأن النبى صلى الله عليه وسلم قال لصاحيه رضى الله عنه: "لا تحزن إن الله معنا"، ولا يصدر ذلك إلا عن قلب ملؤه السكينة مفعم ومطمئن بالإيمان على يقين من نصرة الله لهما، لم يخالجه شك، ينبنى على سكينة متمكنة فيه. بخلاف موقعة "حنين" التى أنزل فيها السكينة صريحة على الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين وهم فى حال انكسار وفرار، قول الملك الحق:

* ثُمَّ أَنَزلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ * (التوبة: 26).

التأكيد فى ايجاب حرف الجر "على" مخصصة للرسول ومخصصة للمؤمنين، التفريق لا الجمع: "على رسوله والمؤمنين". كفوله تعالى: "فلا رفث ولا فسوق ولا جدال فى الحج" فإختلفت الأسباب بين المناطات الثلاثة (الزمخشرى فى "الكشاف" وموضوعنا "الجدال والجدل"). هنا أيضا أسباب السكينة التى نزلت على الرسول صلى الله عليه وسلم تختلف عن  الأسباب التى بها نزلت على المؤمنين. فى الهجرة لم تكن السكينة مقصود بها الرسول صلى الله عليه وسلم وإلا لذكرت صراحة كما هى الحال فى سورة الفتح ايضا بنفس المنطوق قوله جل وعلا:

 * فَأَنزَلَ اللَّـهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ * (الفتح: 26).

فأينما قصد بها الرسول صلى عليه وسلم ذكر وأشير إليه صراحة، كان تعظيما لخاتم المرسلين أو كان من البيان. وعليه فضمير السكينة فى آية الهجرة راجع للصديق رضى الله عنه، تأويل الرازى. والله أعلم.

حيث أن التكرار ورد حرفيا مرتين، فهو يشير إلى المثانى، أن فى المثانى سكينة للمؤمنين، ما يمثل دليلا ثانيا لم كان التخصيص بالتفريق لا الجمع. آية قوله "على" فى الأيتين التدليل على ثنائية الفرد والمجتمع، مقام الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم كفرد والمؤمنون فى مقام الجماعة أو المجتمع، قدم فيها الفرد. أن تكون المثانى فيها سكينة المؤمنين، ربما كان دليلها فى قول العليم الحكيم:

* هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ* ﴿الأعراف: ٥٣﴾.

جاء قوله "تأويله" مرتين بما يعنى إنتظار تأويل المثانى، وجاءت "نعمل" مرتين للتدليل على أن المقصود بإنتظار التاويل هو تأويل المثانى. وأن العمل بالمثانى أكثر إنضباطا وإرتفاقا بمقاصد الذكر الحكيم والحكم بما أنزل الله من حال قبل التأويل والإقتصار على الشرعة فى أسباب الإستخلاف فى الأرض. فإذا أضفت قوله "شفع" وذكرها مرتين أيضا فى نفس السياق، يصبح عندنا ثلاثة أدلة ما هو مطلوب الإستدلال فى المنهاج، من  ثم فقد عنى بالعمل المنهاج ككل لا ينحصر فى المثانى وحدها، وعنى بإنتظار التأويل المنهاج أيضا. والله أعلم.

الملابسة الثانية عن الجنود التى لم ترى:

 المفسرون قالوا بأن جنود الله فى الهجرة هى الملائكة، ومن قال بأنها الملائكة فى موقعة "بدر" بخروج عن السياق، وليس بدقيق البيان. فعندما يريد الله بها الملائكة فهى بالتنزيل وليس بالتأييد، والوارد فى الهجرة التأييد. فى موقعة "بدر" قال جلت قدرته:

* إِذْ هَمَّت طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا وَاللَّـهُ وَلِيُّهُمَا ۗ وَعَلَى اللَّـهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ * وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّـهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ ۖفَاتَّقُوا اللَّـهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُنزَلِينَ *  ( آل عمران: 122 - 4)

وقوله فى "حنين":

* لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّـهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ۙ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙإِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنزَلَ اللَّـهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ * (التوبة: 25 - 6)

كلمة "جنود" كناية فليست بجنود مجيشة، المقصود بها كل من ساهم فى نجاح الهجرة. "لم تروها" المعنى بها لم تروها كجنود مجيشة، فليست بموقعة حربية حقيقية، وإن كانت الهجرة بمثابة موقعة بين المسلمين والكفار. إنما الجنود هم الصديق وعلى وعبد الله ابن ابى بكر وأسماء ابنته وعامر بن فهيرة رضوان الله عليهم، والدليل من الكفار ابن أرقط، وأن الله أعمى أبصار الكفار فغشيهم النعاس، ثم الغنم والعنكبوت والحمام (القصة أعلاه). ولو كانت الأخيرتين فقط كجند الله لسددتا المعنى الذى نسعى إليه. وقد قال تعالى:"ولله جنود السماوات والأرض"، داخل فيها العنكبوت والحمام، تلك التى مسيرة بمقدرة الله وإرادته. أما القول بأن "لم تروها" لأنها من الملائكة فمردود لأن ذكرهم مقرون بالتنزيل حالهم فى موقعتى "بدر" و"حنين". بهذا يصدق التأييد وليس التنزيل، فكل من شاركوا فيها من الصحابة رضوان الله عليهم، مؤيدين بإرادتهم وإيمانهم بالرسول صلوات الله عليه وسلامه.، ثم أيده الله بغشى الأبصار وبالعنكبوت والحمام. والله أعلم.

 

الثالث: السنة الهجرية كتقويم.

قوله جلت قدرته:

* هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّـهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * ﴿يونس: ٥﴾.

الإمام فخر الدين الرازى كأحد الراسخين فى العلم كان تفسيره أكثر علميا من غيره، يكفيه التأسيس لعلم الميكانيكا فى هذا الأمر. نترك له مع "الويكيبيديا" هذا الباب، وإن كنا لسنا على وفاق معه فى الكلاميات مع تقدم العلوم، لا ننتقص من إجتهاده ورسوخه وأعماله الجليلة شيئا إن خالفنا، إنما التحديث والإضافه، كما هو الشأن مع كل علماء الإسلام وائمته الأفاضل، فلولا علمهم وإجتهادهم ما كنا سطرنا فى المنهاج بعد هدى الرحمن جلت أنعمه، رحمهم الله وأثابهم من فضله.

< وإذا ثبت هذا فنقول: الأشياء المتساوية في تمام الماهية تكون متساوية في جميع لوازم الماهية، فكل ما صح على بعضها وجب أن يصح على الباقي، فلما صح على جرم الشمس اختصاصه بالضوء القاهر الباهر، وجب أن يصح مثل ذلك الضوء القاهر على جرم القمر أيضاً، وبالعكس. وإذا كان كذلك، وجب أن يكون اختصاص جرم الشمس بضوئه القاهر، واختصاص القمر بنوره الضعيف بتخصيص مخصص وإيجاد موجد. وتقدير مقدر وذلك هو المطلوب، فثبت أن اختصاص الشمس بذلك الضوء بجعل جاعل، وأن اختصاص القمر بذلك النوع من النور بجعل جاعل، فثبت بالدليل القاطع صحة قوله سبحانه وتعالى: {هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَاء وَٱلْقَمَرَ نُوراً} وهو المطلوب.

المسألة الخامسة: اعلم أن النور كيفية قابلة للأشد والأضعف، فإن نور الصباح أضعف من النور الحاصل في أول النهار قبل طلوع الشمس،وهو أضعف من النور الحاصل في أفنية الجدران عند طلوع الشمس، وهو أضعف من النور الساطع من الشمس على الجدران، وهو أضعف من الضوء القائم بجرم الشمس، فكمال هذه الكيفية المسماة بالضوء على ما يحس به في جرم الشمس، وهو في الإمكان وجود مرتبة في الضوء أقوى من الكيفية القائمة بالشمس، فهو من مواقف العقول. واختلف الناس في أن الشعاع الفائض من الشمس هل هو جسم أو عرض؟ والحق أنه عرض، وهو كيفية مخصوصة، وإذا ثبت أنه عرض فهل حدوثه في هذا العالم بتأثير قرص الشمس أو لأجل أن الله تعالى أجرى عادته بخلق هذه الكيفية في الأجرام المقابلة لقرص الشمس على سبيل العادة، فهي مباحث عميقة، وإنما يليق الاستقصاء فيها بعلوم المعقولات.

..................................

------------------------

المسألة السابعة: الضمير في قوله: {وَقَدَّرَهُ} فيه وجهان: الأول: أنه لهما، وإنما وحد الضمير للإيجاز، وإلا فهو في معنى التثنية اكتفاء بالمعلوم، لأن عدد السنين والحساب إنما يعرف بسير الشمس والقمر، ونظيره قوله تعالى:

{ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ } [التوبة: 62]

والثاني: أن يكون هذا الضمير راجعاً إلى القمر وحده، لأن بسير القمر تعرف الشهور، وذلك لأن الشهور المعتبرة في الشريعة مبنية على رؤية الأهلة، والسنة المعتبرة في الشريعة هي السنة القمرية، كما قال تعالى:

{ إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَـٰبِ ٱللَّهِ } [التوبة: 36].

المسألة الثامنة: اعلم أن انتفاع الخلق بضوء الشمس وبنور القمر عظيم، فالشمس سلطان النهار والقمر سلطان الليل. وبحركة الشمس تنفصل السنة إلى الفصول الأربعة، وبالفصول الأربعة تنتظم مصالح هذا العالم. وبحركة القمر تحصل الشهور، وباختلاف حاله في زيادة الضوء ونقصانه تختلف أحوال رطوبات هذا العالم. وبسبب الحركة اليومية يحصل النهار والليل، فالنهار يكون زماناً للتكسب  والطلب، والليل يكون زماناً للراحة، وقد استقصينا في منافع الشمس والقمر في تفسير الآيات اللائقة بها فيما سلف، وكل ذلك يدل على كثرة رحمة الله على الخلق وعظم عنايته بهم.> ا.ه.

السنة الهجرية فى "الويكبيديا" وإعجاز التقويم:

< تاريخ التقويم الهجرى:

أنشأه الخليفة عمر بن الخطاب وجعل هجرة الرسول من مكة إلى المدينة في 22 ربیع الأول (24 سبتمبر عام 622م) مرجعاً لأول سنة فيه، وهذا هو سبب تسميته التقويم الهجري. رغم أن التقويم أنشئ في عهد المسلمين إلاّ أن أسماء الأشهر والتقويم القمري كان تستخدم منذ أيام الجاهلية. أول یوم هذا التقویم الجمعة 1 محرم سنه 1 الهجری قمری (16 يوليو عام622م). 

تتخذ بعض البلدان العربية مثل السعودية التقويم الهجري كتقويم رسمي لتوثيق المكاتبات الرسمية بين دوائر الدولة الرسمية إلاّ أن عامّة الشعوب العربية تألف وتتعامل بالتقويم الميلادي عنه من التقويم الهجري باستثناء المملكة العربية السعودية التي تتعامل بالتقويم الهجري على المستويين، الرسمي والشعبي. 

أشهر التقويم الهجري:

يتكون التقويم الهجري من 12 شهر قمري أي أن السنة الهجرية تساوي 354 يوما تقريباً، بالتحديد 354.367056 يوم، والشهر في التقويم الهجري إما أن يكون 29 أو 30 يوماً (لأن دروة القمر الظاهرية تساوي 29.530588 يوم). وبما أن هناك فارق 11.2 يوم تقريبًا بين التقويم الميلادي الشائع والتقويم الهجري فإن التقويمين لا يتزامنان مما يجعل التحويل بين التقويمين أكثر صعوبة. 

إجتماع العرب لتوحيد الأشهر: 

في سنة 412م وقبل البعثة النبوية ب150 سنة وبمكة المكرمة اجتمع العرب سواء من رؤساء القبائل أو الوفود في حج ذاك العام أيام كلاب بن مرة جد رسول الله صلى الله عليه وسلم الخامس، لتحديد أسماء جديدة للأشهر يتفق عليها جميع العرب واهل الجزيرة العربية بعد أن كانت القبائل تسمي الأشهر بأسماء مختلفة، فتوحدوا على الأسماء التالية مع أسباب التسمية. 

الأشهر في التقويم الهجري: ....................................... 

التحويل بين التقويمين الهجري والميلادي:

ورد بالقرآن في سورة الكهف: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً﴾ وفي تفسيرها: عند أهل الكتاب أنهم لبثوا ثلثمائة سنة شمسية وهنا ذكر ثلثمائة قمرية والتفاوت بين الشمسية والقمرية في كل مائة سنة ثلاث سنين فيكون في ثلثمائة تسع سنين فلذلك ﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾[1]

رغم أن التفاسير اختلفت فالبعض [بحاجة لدقة أكثر] قال ان المقصود هو انهم لبثوا ثلاثمئة وتسع سنين، والبعض ذهب انهم لبثوا ثلاثمئة سنين وتسعة ايام أو تسعة شهور أو تسعة ساعات أو تسع جُمع.... وعموما كان وقت المفسرين يعرفون كيف يحسبون السنين الميلادية والهجرية، أي باختلاف سني الشمس والقمر؛ لأنه يتفاوت في كل ثلاث وثلاثين وثلث سنة سنة فيكون في ثلثمائة تسع سنين.[1]

تقويم أم القرى: 

تقويم أم القرى هو تقويم قمري يعتمد على دورة القمر لتحديد الأشهر وكذلك جزء منه تقويم شمسي لتحديد فصول السنة، وهو التقويم الرسمي لـ المملكة العربية السعودية الذي تؤرخ به على المستويين الرسمي والشعبي. ويعتمد إحداثيات (خط الطول وخط العرض) للكعبة المشرفة في مكة المكرمة أساسا لتقويم أم القرى، ويعتمد على ولادة الهلال فلكيا حال غروب القمر بعد غروب الشمس في مكة المكرمة

التقويم الهجري المجدول: 

التقويم الهجري المجدول (Tabular Islamic Calendar)، تقویم عالمي هجري يعتمد علي محاسبة عدديه (مجدول) يستخدمه المورخون لتسهيل محاسبته. الشهور في هذا التقويم توالي من 30 يوم في شهور المنفرد مثل المحرم و 29 يوم في شهور المزدوج مثل الصفر. ویکون شهر الآخر (ذو الحجة) في سنوات الکبیسة یکون 30 یوما. یکون 11 سنة کبیسة في کل من 30 سنة. إذا تقسم السنة الهجری علی عدد 30 وتبقی عدد من اعداد: (2 - 5 - 7 - 10 - 13 - 16 - 18 - 21 - 24 - 26 - 29) یکون السنة سنة کبیسة. هذا التقویم یمکن أن یکون متغایر مع تقويم أم القري أو تقاویم هجری أخری في یوم أو یومان. تاریخه الیوم یکون: 27 ذو الحجة 1433 هجري مجدول.> ا.ه.

 

الرابع: ارض منهاج الله الواسعة، فلتهاجروا إلى الله:

قال العفو الغفور:

* إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّـهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ فَأُولَـٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُولَـٰئِكَ عَسَى اللَّـهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ ۚ وَكَانَ اللَّـهُ عَفُوًّا غَفُورًا * وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً ۚ وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّـهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّـهِ ۗ وَكَانَ اللَّـهُ غَفُورًا رَّحِيمًا * وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا * ﴿النساء: 97 - 101﴾. 

ذكرت الهجرة ثلاث مرات فى وحدة سياقية منهاجية إستدلالا على أن المقصود به هو الهجرة إلى منهاج الله. ليست هجرة مكانية كما كان الشأن مع الرسول عليه الصلاة  والسلام، إنما هجرة إيمانية بها يتم الله نعمته علي المسلمين بالمنهاج ومثانيه إضافة إلى الشرعة. فى الأولى تسبيب للإستضعاف وظلم النفس حيث أرض الله الواسعة ثم المآل لهؤلاء جهنم وساءت مصيرا، فكانت الهجرة مطلب إيمانى. فى الثانية أيضا تسبيب للطلب والجهاد فى سبيل الله على أرض الله الواسعة. فى الثالثة النوعية والغاية من أنها هجرة إلى الله ورسوله، قوله: "وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّـهِ وَرَسُولِهِ"، هجرة معنوية عقلية وفكرية فى رحاب القرآن وسعة المنهاج، مؤكدة ثلاثا. عنى بأرض الله الواسعة كليهما الأرض الطبيعية وأرض المنهاج ومثانيه التى هى كليات شاملة جامعة للوجود بأكمله بخلاف الشرعة التى لا تفى وحدها بمطلب الإستخلاف فى الأرض.

كرر ذكر قوله تعالى: " الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ" مرتين على مدار الذكر الحكيم، دليل على أن الإستضعاف بسبب من غياب المثانى وأن فى المثانى عناصر القوة والغلبة. والله أعلم.

الهجرتين والأرضين مقصودهما مقرر فى قوله تعالى:

* إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ *

الجمهور من المفسرين قالوا بثانى إثنين عددا، والرسول عليه الصلاة والسلام لا يشار إليه عددا وهو المرسل من عند الله رحمة للعالمين، تقلل من شأنه الذى مدحه وذكاه رب العزة أكثر من مرة لا يحتاج إلى بيان. منه أن الرسول لا يكون ثانيا فى المقام إنما هو فى حقيقة الأمر الأول وليس ثانيا تبيانا ومقصدا، إنما الثانى فى المقام هو الصديق أبو بكر رضى الله عنه فى الصحبة، قوله "إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ". الصاحب يجئ ثانيا فى الإستدلال تكوينا. من هنا الدليل العقلى من أن قوله "ثَانِيَ اثْنَيْنِ" من المتشابهات. وهو من المتشابهات بتكرار التثنية، "ثانى" و "إثنين" على الجذر من البعيد فى التأويل على المثانى. هذا برهاننا بأن المقصد أن هناك هجرتين، الأولى مكانية بالظاهر من القول يطابقه الواقع من الأمر، هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة وميلاد جديد له وللإسلام. الثانية من البعيد هجرة من الإقتصار على الشرعة فى الإستخلاف والإيمان إلى السير على ساقى أصول الدين، الشرعة والمنهاج. هناك تشابه بين الهجرتين فى مآلهما. الهجرة المكانية لم تعن الترك إنما الإنقاذ. لم تعن ترك مكة مهبط الرسالة السماوية، ومقام إبراهيم عليه السلام، إنما إنقاذ الرسول والإسلام من جور الكفار وتبييتهم للرسول. فتحت مكة فيما بعد فلم تكن الهجرة تركا بالأصل. فى الهجرة الثانية نفس الأمر أنها ليست تركا للشرعة، إنما إدراك تمام الدين والحكم بما أنزل الله شرعة ومنهاجا. هى تركا للجمود والعقم فى الإجتهاد والتقليد والتقهقر سلفا والتشيع ثم جدب الدعوة التى حلت بالأمة بعد الإنحسار فى الأندلس، فبات المسلمون شيعا بالإنحصار فى الجزئيات، والمنهاج ومثانيه أرض خصبة واسعة فى العقل والتطبيق كليهما، بإتساع البحر من النهر. أنه ليس من صحيح الدين الإقتصار على الشرعة فتسبيب للهجرة الثانية.

  فى الإتساع قال الحكيم العليم:

* لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّـهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ * ﴿التوبة: ٢٥﴾.

وقال:

* وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّـهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّـهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * ﴿التوبة: ١١٨﴾.

 وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(308) " من فرّ بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبراً من الأرض استوجبت له الجنة، وكان رفيق أبيه إبراهيم ونبيه محمد عليهما الصلاة والسلام "، صدق رسول الله. 

المعنى مطابق بين الذكر الحكيم والحديث الشريف، أن الهجرة من الإيمان إذا ثبت الإستضعاف، كانت هجرة فردية أو جماعية، مكانية أو عقلية بغيتها نصرة النفس والإسلام. الهجرة المعنوية تستقى من قوله "وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ"، وقوله: "ضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ"، قوله "مدبرين" فيها الإتساع من الأرض المكانية، فلا يستوى الضيق منها والإدبار وكان المقصد بقوله: "بِمَا رَحُبَتْ"، ليس مكانيا إنما الأسباب والإستدلال والسبل وما إليها فى العقل والإيمان.. والهجرة معنوية فى قول العلى القدير:

* فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ‌ إِلَىٰ رَ‌بِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * ﴿العنكبوت: ٢٦﴾
ليست الهجرة هنا مكانية إنما معنوية إيمانية إلى منهاج الله، وهو المطلوب.

جدير بالذكر فى الموضوع أن القصص القرآنى يقع معظمه فى المتشابهات، فيه من أنباء الغيب والمنهاج والعقيدة، بيانه تضمنه للمجاز، ليس بمحكم من ثم يلزمه التأويل. ففى القصص ثلاث مقاصد، أنباء الغيب ما قد سلف وإلى يوم الساعة، لما فيها من عظة وعبرة وبرهان الألوهية، والمنهاج للعمل به والحكم بما أنزل الله، كما فيه باب الإعجاز العلمى من أنباء الغيب وعليه براهين الخلق وآيات الآفاق، وفيه السبع المثانى كليات الوجود أدلتها المبدئية مطمورة فى القصص، فضلا عما يتضمنه من عقيديات وإثبات الإله الخالق مرسل الرسل والأنبياء، رسلا تترى على قلب رجل واحد من لدن إله واحد لا شريك له ولا ولد.

الطريق الأولى إليه التفسير بظاهر القول وما كان من مطابقة لواقع الأمور، الراحج فى لغة الرازى، والثانية بالتأويل، المرجوح فى لغته، كلاهما جائز وليس فيه من تقول على الله، إلى أن يتحول الراجح إلى مرجوح، أو المتشابه إلى محكم فيبطل ما عداه. ليس فى ذلك ظاهرية إنما إجتهاد يحتمل الخطأ ويحتمل الصواب، كلاهما مثاب عند الله بإذنه، وللظاهرية مذهبها المعروف الذى لم يلق القبول عند أهل السنة والجماعة. هو تمهيد الطريق للصواب من المعنى وتكشف المضمون بعد إحتمال، فتستبين الحقيقة بالتأويل بناء على دليل ثابت عقلى أو نقلى لا شبهة فيه، وردت أدلة الطريق فى سورة الكهف.

هنا مبحث عظيم، فلم يقال بعد كل ما على التأويل وأدواته، لسبب بسيط أن المتشابه والمنهاج يعتبران حقلا بكرا، أبوابهما موصدة بسبب مقولة لا إجتهاد مع النص وفهمها الخاطئ، وبسبب تفسير "الواو" فى "والراسخون فى العلم"(آل عمران: 7) بأنها على الإبتداء، قليل ما هم الذين قالوا بالعطف من متأخريهم الإمام محمد عبده، إضافة إلى التفريط فى المنهاج بالقول أن السبع المثانى هى فاتحة الكتاب وعليه الجمهور، وبسبب الإختلاف حول مفهوم النص. من العوامل الفاعلة  فى الأبواب الموصدة أن أحدا بقدر علمنا لم يجب إجابة شافيه وافية على سؤال ما فائدة المتشابه وما الطريق إلى سبر أغواره وكيف العمل به مقارنة بمحكم الشريعة الذى يحتل تقريبا ثلث القرآن. الشرعة ضاقت بها البحوث حتى قيل كما ذكرنا أنها قتلت بحثا، المعنى فى قوله: "ضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ"، أما المنهاج فمازال بكرا، والله تعالى جل فضله قد جعل لنا كليهما نبراسا للإستخلاف فى الأرض فى معرض الحديث عن الحكم بما أنزل الله، قوله جلت حكمته:

* وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّـهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ  شَاءَ اللَّـهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّـهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ *  ﴿المائدة: ٤٨﴾.

فلتهاجروا إلى منهاج الله جل شأنه، يثبكم الله من فضله ويصلح لكم أعمالكم بعد تخلف، وحيث ضاقت عليكم الأرض فى الإستدلال والإستنباط وفيها رحاب المنهاج. فى سورة التوبة كررت "ضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ" مرتين وفى سياق الحديث عن ثنائية الكيف والكم، قوله تعالى: "أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ". وعليه كان المقصود فى قوله: "بِمَا رَحُبَتْ" هى رحاب المثانى، وقد ذكرنا ذلك فى موضوع المنهاج كيف أن قوله: "قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا.." الآية، ينطبق على المثانى. ثم إنه فى آية الهجرة قول العلى القدير:

* إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّـهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّـهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّـهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ اللَّـهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّـهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ *  ﴿التوبة: ٤٠﴾

كررت "إِذْ" ثلاث مرات، إشارة للمنهاج، من التأويل البعيد الذى قال به إبن رشد رحمه الله. البعيد هذه فى ثلاثة أنواع، الأول ما عنيه إبن رشد من أنه فى العقل، تدليل وإجتهاد وقدح للعقل أكثر. البعيد الثانى عندنا فى الزمن، أن دليله متأخر لم يتوفر عليه الأولون، ومنه ما لم يتوفر بين أيدينا بعد. البعيد الثالث فى تأويل المنهاج أنه ليس بالتأويل المعروف دلائله فى الشرعة أو العقيدة، مبناه الأول التكرار وثلاث من الأدلة، يحتاج البعيد الرشدى أكثر من غيره. وليكن هذا النوع "بعيد التكرار"، بعيد فى الإستدلال على  مكانه فى الذكر الحكيم، بمعنى أين هو؟ فى التفصيل يتفرع إلى درجات، فإن وقع التكرار فى نفس الآية كان قاطعا بالقرب فى المكان وإن كان بعيدا فى الإستدلال، ثم بعيدا فى آيات مختلفة متتاليات فى وحدة سياق منهاجية، ثم بعيد بالتكرار فى نفس السورة، ثم الأبعد مكررا فى سور مختلفة، دلائله متوافرة فى الذكر الحكيم، فيها تفصيل يجئ فيما بعد بإذنه تعالى. مثال الأول قوله "إِذْ" فى الآية الكريمة. مثال الثانى ما ذكرناه أعلاه وتكرار الهجرة ثلاثا فى سياق واحد وآيات متتاليات فى سورة النساء، وفى آيات القبلة وثنائية المجتمع والفرد فى البقرة، سبق. ومثال الثالث فيما يجئ بعد وقوله: "وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّـهُ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ"، من الأبعد مكانا.

 قوله "إذ" فى الآية الكريمة يعنى أن المسلمين فى يوم من الأيام، سبحانه وتعالى عالم الغيب والشهادة، سيفتقرون إلى هجرة أخرى، ليست هجرة مكانية، إنما هجرة إلى منهاج الله فى الحياة، بعد هجران فى التدبر، وبعد تخلف وعوار فى الأعمال، وبعد أن سلبهم النهضة وأسبابها ومنحها لغيرهم. وما زال المسلمون يمشون فى الأرض على ساق واحدة من أصول الدين. إنه التصديق لما بين أيدينا، سبحانه وتعالى العزيز الحكيم جلت قدرته. هجرة إلى المنهاج، هجرة فى الأدمغة والفكر والممارسات والحكم بما أنزل الله (سبق منه فى موضوع: مرجعية الدستور)، قول العليم الحكيم:

 * إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّـهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّـهُ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ*  ﴿المائدة: ٤٤﴾.

الثمن القليل فى المتشابه الذى دأب المفسرون على نسخه فإبطال المنهاج.

وقوله:

* وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّـهُ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * ﴿المائدة: ٤٥﴾.

وقوله:

* وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّـهُ فِيهِ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّـهُ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّـهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ۚ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّـهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ إِلَى اللَّـهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * (المائدة: ٤٨).

كررت "وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّـهُ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ" ثلاث مرات فى نفس السياق فى نفس السورة، أعقبها المقصود "شِرۡعَةً۬ وَمِنۡهَاجً۬ا‌ۚ "، فالمطلوب إستبقوا الخيرات فى كليهما سويا، ما فيه مدادنا بعون الله. قرر سبحانه فى الآيات الثلاث أن من لا يحكمون بما أنزل الله فئات ثلاث: الكافرون والظالمون والفاسقون، وهم نفس الفئات التى لا يهديها الله. فإستبقوا الخيرات يهديكم الله إلى صراطه المستقيم ويصلح لكم أعمالكم. والله أعلم.

 

الخامس: جدب الدعوة:

قال العزيز الرحيم: 

ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَ‌بِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَ‌بَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ * ﴿النحل: ١٢٥﴾

الدعوة لا تكون بين المسلمين إنما غيرهم، أما المنابر فعليها التبصير للمسلمين بأمور دينهم، هناك فرق. وفى الدعوة طرفان وحجتان فى جدال. إن غلبت حجة الداعى حجة الآخر كان التأثير والفاعلية، مع العكس يكون جدب الدعوة. الحجة فى الآية الكريمة هى الحكمة والموعظة، الوسيلة فيها الجدال. فبماذا تجيب فى عصر العلم من يقول بأن القرآن يخالف سنن الطبيعة عندما يقول أن هناك مشرقان ومغربان؟ هنا حجتان، حجة القرآن وحجة العلم المنظور. مطلوب الجدال أن تقارع العلم بالعلم والحكمة بالحكمة، إن شئت قلت الفلسفة ولا ضير، إنما الأحسن. فى صدر الإسلام إمتد إنتصاره من الأندلس غربا إلى الشرق الأقصى بالحجة الناصعة والعقول النيرة، حين لم يكن هناك من تقدم علمى وفسلفى يبهر العالم ويحكم أمورهم مثلما هى الحال اليوم. اليوم ذهب الناس إلى تأليه العلم مثلما يقولون بأن نيوتن هو نبى العلم فى الغرب، أدى بالرئيس الأمريكى بوش الصغير أن يصف نفسه بأنه رب هذه الأيام. فى الدعوة إذن علينا أن نعى الأسباب ثم نجابه بالحجة الأنصع. بوش الآن مثل فرعون فى القدم الذى قال أنا ربكم الإعلى. ومثله بابا الفاتيكان الذى لم يعلن ربوبيته مثل بوش لكن الناس فى الغرب يعبدونه على هذه الصفة. نحن لا نعادى دينا من الأديان بل العكس، المنهاج يحتضن كل الرسالات والنبوات بلا تحريف، أحد معاول الدعوة للدين الحق.الأسباب عند بوش تنوير وفلسفة وعلم بنى على فلسفة علمية منذ عصر النهضة. وعندما تجابه العلم والفلسفة بالدين عليك أن تنقيه أولا من الخرافات التى ليس لها مكان فى عصر العلم. ثم ثانيا المثال، أن تضرب المثل وتكون محلها فى الثقافات المتعددة، وليس حال العالم الإسلامى بقادر على هذه المجابهة بالتخلف ومع التغريب الذى زحف على القيم والمبادئ فضلا عن اللغة والدين. ثم عليك بالحكمة ثالثا التى تعرف عند علماء الإسلام بأنها فلسفة مجازيا. لا تجد هذه فى الشرعة إنما المنهاج. فلسفة الغرب بدأت بالتنوير وإبن رشد على أرضية إسلامية العلم، جحدها الغرب، وفى القرآن تنوير وحكمة وعلم طبيعى ونظرى لم ينل منها المسلمون مأربها بعد على أصولها. بإختصار هو المنهاج الذى يمكنه الثبات والفعالية فى هذا المضمار الوعر مع تأليه العلم. فى مقام سالف أشرنا إلى المثانى بأنها تجب كل الوضعيات الفلسفية.

إن كان للحكمة مكان فى الذكر الحكيم لا يكون إلا المنهاج، لا الشريعة ولا العقيدة. قيل فى إبن رشد أنه الحكيم وقيل الفيلسوف، فتقاربت الحكمة والفلسفة، وإن كان هناك فرق الوضعى من الوحى فى منظورنا، له مقام آخر. منه أن المقصود بقوله تعالى: "ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَ‌بِّكَ بِالْحِكْمَةِ" أنه بالمنهاج وما يتضمنه من تنوير وكليات الوجود المثانى. والله أعلم.

فاستبقوا الخيرات ولتنتصروا للمنهاج ينصركم الله، لندرك مسالك الإستخلاف فى الأرض على أصولها وكمالها. تلك هى الدعوة للهجرة الثانية وكى تصبح الدعوة للدين الحق مؤازرة ومؤيدة بحجة بالغة، حكمة الله الحكيم العليم. وصف نفسه تعالى بالحكيم ووصف نفسه بالعليم، كلاهما يسطر فى الذكر الحكيم بحروف من نور مبهرة للعقول، أكثر ما تكون فى المنهاج ومثانيه وأبوابه الإثنى عشر. مشوار ليس فيه ميسرة إزاء من يدعون الألوهية بالعلم، مطلوبه العزم وإنفتاح العقول، وإزاء الحرب الضروس على الإسلام. المطلب ذو شقين، الدفاع فى هذه الحرب الشرسة بالإرهاب وغيره، وفى الدعوة إلى عبادة خالق العباد بدلا من العباد المخلوقين. فلتهاجروا مرة ثانية، يثبكم الله من فضله، ينصر من ينصره بإذنه أرحم الرحمين.

والله أعلم بالحق فيما سطر، هو الهادى إلى الصراط المستقيم وبه التوفيق والرشاد، نحمده ونشكره ونستهديه.