مثانى:
مثانى:
المرجعية:
قوله تعالى: ** اللَّـهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِي **
الموضوعات:
- 560 views
التلازم فى المثانى يجب النسخ.
التلازم فى المثانى يجب النسخ.
بسم الله الرحمن الرحيم:
* يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ ۚ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّـهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّـهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ * (البقرة: 183 - 6)
بإذن الرحمن الرحيم ستكون هذه الآيات الكريمة موضوعا لعدة رمضانيات.
السادسة:
ختاما لرمضانيات هذا العام، أعاده الله عليكم وعلينا وأمة الإسلام رمضانا وعيدا باليمن والإسعاد، نتناول هنا التدليل الثالث الذى ذكرناه فى الرمضانية الأولى عن تثنية الترخيص عند المرض أو السفر فى الآيات الكريمة من أنها تدلل من ناحية ثالثة على بطلان مزاعم الذين يقولون بالنسخ.
بداية، إن قلنا أن هذه الرخصة جارية فى المنهاج مجرى الشرعة لزمنا الدليل الثالث، فما جاء فى آيات البقرة هذه دليلان فقط إستدلالا على المثانى. من حيث أنه ترخيص على شرط المرض أوالسفر مقترنان وبصرف النظر عن مناط الحكم، فقد كرر شرط الترخيص مرتين أخرتين فى قوله الرؤوف الرحيم:
* يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّـهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا * ﴿النساء: ٤٣﴾
وقوله الحق:
* يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّـهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * ﴿المائدة: ٦﴾
تعجب أن التكرار جاء بخطاب المفرد مرتين مع الصيام فى البقرة، وجاء تثنية بخطاب الجمع مع الصلاة والوضوء فى النساء والمائدة، فثبتت بذلك التثنية الثالثة بثنائية الفرد والمجتمع. كما ثبت دليل التثنية المنهاجية مرة أخرى فى الشرط بإقتران المرض والسفر، لأنه قد سنت رخص أخرى على شرط المرض وحده دون السفر مقترنا، فدل الإقتران على تثنية منهاجية. بل إنه تدليل مركب على المثانى، لأن كل من خطاب المفرد جاء مثنى، وخطاب الجمع جاء مثنى أيضا، زد على ذلك تثنية على نوعية الخطاب فى ذاته فقد جاء مرة للغائب فى الأوليتين وقوله: "مَن كَانَ"، وجاء للمخاطب فى الأخريتين وقوله: "وَإِن كُنتُم"، ثم زد عليه تثنية على مناط الحكم فى الرخصة ولازمه شرط صحته، الصلاة والوضوء. كأن ثنائية الفرد والمجتمع هى الجامعة لكل الثنائيات تحت الرخصة على شرط المرض أو السفر، دليل شرط الرخصة مكررا أربع مرات. وهو فى آن واحد ومن جهة ثانية تدليل على المركب فى المثانى الذى تصطبغ به مع البنيانية فيها، المركب الذى أشرنا إليه فى معرض النسخ وقوله: "نَسْتَنسِخُ" فى مقالة "النسخ على المثانى". أضف إلى ذلك الثلاثية فى قوله: "امْسَحُوا"، و"بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم"، والتثنية فى قوله: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا"، و "الصَّلَاة"، و"جُنُبًا"، والغسل، ثم "أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا". من هنا تدرك كم أن بحر المثانى شطآنه عزيزة المنال، ما قلناه مع "علم المثانى" فى الرمضانية الخامسة، لأن هنا غوص فى مياه المثانى بكر على المتسع، شرعة ومنهاجا.
النسخ لا قاعدة له:
ما سبق هو بنيان منهاجى لا يستقيم بغير الوقوف على كل لبنة فيه، بل كل حرف فيه، من ثم لا مكان لأية مقالة فى النسخ. معلوم فى الفكر الإسلامى عند الأصوليين والفقهاء والكلاميين والمفسرين سواء أن من قال فى القرآن بلا قاعدة فهو تقول على الله، نستغفره ونتوب إليه. ومن قال فى النسخ لا تجد له قاعدة ولا قانون، إلا تأويلاتهم المفتوحة، وإلا أن تكون القاعدة "النسخ يكون فى العام" أو "النسخ يكون فى المتشابه"، باطل منهاجياً. خذ مثالا من الآيات الكريمة بين أيدينا فى سورتى النساء والمائدة، قيل فى آية النساء على النسخ:
< قوله تعالى: {يَا أيُّهَا الذين آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى} الآية.
حرّم الله في هذه الآية أن تُقْرَبَ الصَّلاةُ في حال سكر. فَفُهِمَ من الخطاب جوازُ السُّكْرِ في غير الصلاة. ومفهوم الخطاب كَنَصِّ القرآن يُعْمَلُ به ويقطع على مغيبه فَنَسَخَ ما أباح المفهومُ مِن الآية من جواز شُرْبِ المسكر في غير الصَّلاة بتحريم المسكر. فالبيِّنُ في هذا أن يكونَ أُريدَ به السُّكْرُ مِن المسكر قبل تحريمه، ثم نُسِخَ وحُرِّم.
وقد روى أبو مَيْسَرة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لما نَزَلَتْ: {لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنتُمْ سُكارَى} كان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقام الصَّلاةَ نادى: لا يقربَنَّ الصَّلاةَ سكران.
وقد قال عكرمة: إن قوله: {لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى} نسخه قولُه: {يَا أيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] الآية. يريد أنه كان أُبيحَ لَهُم أن يُؤَخِّروا الصلاةَ في حال السُّكْر حتى يزولَ السُّكر، إذ كانت الخمرُ غيرَ مُحَرَّمة، ثم نُسِخَ ذلك فأُمروا بالصلاة على كل حال، ونُسِخَ شُرْبُ المسكر بقوله: {فَهَلْ أَنتُم مُنتَهُونَ} [المائدة: 91]، وبقوله: {فاجْتَنِبُوه} [المائدة: 91]، فنسخَ ما فُهِمَ مِن الخطاب بتحريم الخمر في قوله: {فَهَلْ أَنتُم مُنتَهُون}. وهذا قولُ أَكثرِ العُلماء.
وقيل: الآيةُ مُحْكَمة، ومعنى السُّكْر فيها: السُّكْر من النوم لا من المسكر، وهو قول الضحاك وزيد بن أسلم. ويجب أن يكونَ المفهومَ من الخطاب على هذا القول (جوازُ قربانها) بسُكْر غير سُكْرِ النوم، ثم نُسِخَ هذا المفهوم بتحريم المسكر والسُّكْر بقوله: {فَهَلْ أَنتُم مُنتَهُون}.
ومن مفهوم الآية أيضاً جوازُ قرب الصَّلاة في غير حال السُّكْرِ جوازاً عاماً بغير شرط وضوء ولا غُسْل، فنسخ ذلك آيةُ الوضوء والغُسْلِ في المائدة، وصار الفرضُ المحكم أَلاَّ تُقْرَبَ الصَّلاةُ إلا في غير حال سكر بوضوء وطُهر، ويجوز أن يكون ذلك بياناً (وتفسيراً لآية النساء)، وليس بنسخ المفهوم منها.>ا.ه
تضاربت الأقوال لأنه ليس بقاعدة تحت ما يقولون، وما قالوه من نسخ ليس إلا تأويلا وتفسيرا بالمفهوم، ليس نصا قرآنيا. التضارب ينسحب على هل يكون النسخ فى ذات القرآن أم أن النسخ بين الشرائع. قد كان شرب الخمر مباحا فى شرع من قبلنا ثم حرم تحريما صريحا بلا تأويل فى آية أخرى، قوله: "إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ..." الآية، وما حرم هنا هو الصلاة مع السكر، نسخ لشرع من قبلنا، ومن قال بذلك فقد أصاب. أما أن هذه الآية منسوخة بآية المائدة فلم يرد بهذا النسخ نص قرآنى، بل ما قالوه من قبل المفهوم، المفهوم فى العقل لا النقل، ولا ينسخ القرآن بتأويل، وما نرى فيها شبهة آيات متشابهات تفتقر إلى تأويل.
نسخ النساء بالمائدة:
حول آية المائدة قالوا:
< قوله تعالى: {يَا أَيُّها الذينَ آمَنُوا إذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلوا وُجُوهَكُمْ}.
(هذه الآية) عند جماعة ناسخةٌ لقوله: {لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وأَنتُمْ سُكَارَى} [النساء:43]؛ لأن مفهومَ الخطاب جوازُ قُرْبِ الصلاةِ لغير السَّكران جوازاً عاماً بلا شرط غَسلٍ ولا وضوء، ثم منع في هذه الآية أن تُقْرَبَ الصَّلاةُ إلاّ بالغسل المذكور للأعضاء المذكورة، والمسح للرأس.
وقيل: الآيةُ ناسخةٌ لفعل النبي - عليه السلام - كان إذا أَحدَثَ لم يُكلِّم أحداً حتى يتوضأ، فنسخَ اللهُ ذلك بالأمر بالوضوء عند القيام إلى الصَّلاة......
وقد قيل: إن ظاهرَ الآية إيجابُ الوضوء على كل مَن قام إلى صَلاةٍ، وإن كان على وضوء، لكنه نسخ بتواتر الأخبار أن النبي - عليه السلام - كان يُصَلِّي صلواتٍ بوضوء واحد، وبالإِجماع على جواز ذلك وفعله.
والأحسن أن يقال: خُصِّصَ وبُيِّنَ بالإِجماع على جواز صلواتٍ بوضوء واحد، وبالسُّنَّةِ المتواترة بفعل [النبي صلى الله عليه وسلم] ذلك، فيكون مخصَّصاً ومبيَّناً أولى من أن يكون منسوخاً، هذا على قول من لم يُجِزْ النسخ بالإِجماع ولا بالسنّة المتواترة؛ إذ لا اختلاف في جواز تخصيص القرآن وتبيينه (بالإِجماع وبالسُّنَّةِ المتواترة).......
وقد قال زيدُ بنُ أسلم: الآية مخصوصةٌ يراد بها مَن كان على غير طهارة، والمعنى: إذا قمتم إلى الصلاة محدثين، وعليه جماعة الفقهاء، وهو الصواب، إن شاء الله. فيدخل تحت الحدث النوم وغيره؛ فالآية محكمة في هذه الأقوال.
وقد روي عن ابن عباس أنه قال: فَرْضُ غَسْلِ الرِّجْلَين ناسخٌ للمسح على الخفين. وعن عائشة وأبي هريرة أنهما منعا المسح على الخفين وهي رواية ضعيفة.
وأكثر الفقهاء وأهل السنّة وأهل الحديث، وأكثر الرواة عن الصحابة والتابعين على جواز المسح على الخفين في (السفر والحضر). فهو غير منسوخ بل هو توسعة وتخفيف على المسلمين. وهو بدل من الغسل.
فأمّا من قرأ: "وأرجُلِكُم" - بالخفض - فهي قراءة مُجْمَعٌ عليه لا اختلاف في جوازها والقراءة بها. وهي توجب جواز المسح على (الأرجل) وليس على ذلك عمل. وقد قيل فيه أقوال:
وقيل: هو (محكم) منسوخ بفعل النبي - عليه السلام - وغسله لرجليه دون أن يمسح، نقل ذلك نقلاً متواتراً......
فأما المسح على الخفين:
فإن ابن عباس يقول: "مسح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الخفين قبل نزول المائدة"، فلما نزلت المائدة بالغَسْل نسخَ ذلك المسحَ، وقال: "والله ما مسح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد المائدة".
وقال جريرُ بن عبد الله: مسح النبي - عليه السلام - على الخفين بعد نزول المائدة - وكان إسلامُ جرير بعد نزول المائدة في (شهر) رمضان سنة عشر - وعلى هذا أكثر الناس لأن من أثبت أولى بالقبول ممّن نفى. هذا أصل مجمع عليه.
وقد اختلف قولُ مالك في جواز المسح (على الخفين) للمقيم. وعلى جوازه أكثر أهل السنّة.> ا.ه.
قال جماعة أن آية المائدة ناسخة لآية النساء وفى الأخيرة تحريم الصلاة عند السكر، مستندين إلى مفهوم الخطاب فى العقل لا النقل، ولا حول ولا قوة إلا بالله.هناك من قال أن الآيات محكمة، كليهما النساء والمائدة، فما مكان التأويل بالمفهوم، وكيف ينسخ محكما؟ ومنهم من يقول أن هذه مخصصة أو مبينة لتلك، ولا ضير. ومنهم من يجيز النسخ فى القرآن بالإجماع أو بالسنة المتواترة، نستغفر الله ونتوب إليه. من ثم لا قاعدة مشهودة يقينية تسرى مسرى اليقين فى الذكر الحكيم إذا كان الأمر متعلقا بآياته. لقد ذكروا الشاهد الذى نسعى إليه: "من أثبت أولى بالقبول ممن نفى. هذا أصل مجمع عليه". فكل تدبر للقرآن يلزمه قاعدة أو قانون مثل هذا الأصل، إما مجمع عليه أو أن فى ذاته اليقين من الذكر الحكيم. لا نقصد القول بالنسخ إنما قاعدة تأويلية ينبنى عليها النسخ أيا كان مثل ما ذكروه من أصل مجمع عليه. وفى الخلاصة كما قلنا لم ينزل القرآن كى ينسخه بشر بتأويل، كان إجماعا أو سنة متواترة، فالسنة لا تنسخ القرآن، إنما مبينة له معلوم لدى الكافة، ذكر فيما قالوه عاليه، قوله الكبير المتعال:
* وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ * (النحل: 44)
يتفكرون فى البيان لا فى نسخ ما هو فى حاجة إلى بيان، ولم ينم إلى علمنا أن النبى، صلى الله عليه وسلم، قال بنسخ أحاديثه للقرآن لأنه يعلم أن ذلك من الكفر. نحن لا نطعن على المفهموم ولا المفهوم المخالف، لا الإجماع ولا السنة المتواترة أو أى من طرق التدبر والتقعيد، إنما طعننا على تلبيسها فى نسخ آيات الله البينات وكلامه المقدس.
قد كان ذلك المرصد الأول لإبطال مقولات النسخ فى الذكر الحكيم، أن ليس هناك قاعدة أو قانون، إنما تأويلات على هوى العقول. الثانى أن القرآن الكريم لم يتنزل كى ينسخه بشر بتأويل، معلوم إبتداءا. الثالث أن ليس هناك نص قرآنى صريح بنسخ فى ذات القرآن، كما يقولون نسخ للقرآن بالقرآن. الرابع أن ما إشتبهوا فى نسخه من المتشابه غالبه وفيه المنهاج والمثانى على ما رأينا، وعلى ما سطر الإمام الشطبى رحمه الله ومن ماثله من الأصوليين، من أن نسخهم غالبه فى العام والمتشابه. الخامس أن المعنى الحقيقى للنسخ فى قوله: "مَا نَنسَخْ..." الآية، هو نسخ لآيات الإعجاز لا التلاوة، وما ورد منه فى الذكر الحكيم هو نسخ بين الشرائع، شرع من قبلنا وقبلهم، لا فى ذات القرآن، سبق تبيينه مع مقالات "الطير فى الفاتيكان". السادس أن هنا ثنائية من السبع المثانى وفيها التلازم، ثنائية المجتمع والفرد، لا ينسخ المجتمع بالفرد ولا العكس، مثله لا ينسخ الخاص العام ولا العكس لتلازمهما تلازم "كينونة". فرخصة الإفطار على شرط المرض أو السفر سارية فرضت برحمته أرحم الرحمين فى كل صيام، فى كل الشرائع السماوية، العموم الثابت مع تقلب الأزمنة. فإن نسخت كأنها نسخ لرحمته تعالى بعباده فى الرخص تحت أية رسالة أو نبوة، نستغفره ونتوب إليه. ما نقصده هو التلاوة وليس الحكم الذى لازمه التخصيص. يقولون بنسخ آية المائدة لآية النساء وفيهما سويا بنيان منهاجى يستأهل كتابا بكامله أو يزيد تبيانا لمنهاج الله.
المثال البين فى تلازم العام والخاص بحيث لا يستتبع نسخا هو فى قبلة الصلاة. قال العزيز الحكيم:
* وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّـهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا ۚ أُولَـٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ ۚ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * وَلِلَّـهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّـهِ ۚ إِنَّ اللَّـهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * (البقرة: 114 - 5).
فى التثنية قال:
* سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ۚ قُل لِّلَّـهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * (البقرة: 142)
السؤال عن التغير فى القبلة والجواب بالعام لا الخاص، وأن ذلك من السفهاء باطل أصله، راجع إلى أحكم الحاكمين جل شأنه. جاءت الآيات الكريمة فى سياق الحديث عن القبلة فى سورة البقرة، بدأها سبحانه بالعام عن المساجد ثم فى أن القبلة أينما كانت فهى صحيحة، ليس من ذنب يرتكب فى التوجه إلى الله حيث وجهه تعالى ليس محددا بمكان، من صفات الذات الإلهية فى قوله: "أَيْنَمَا تُوَلُّوا"، ما يدخل مع المتكلمين فى مشكل "الجهة" أو المكان، حيث تغاضى بعضهم عن أن الله مطلق الأزمنة والأمكنة فى وجوده، فيه تفصيل بإذنه تعالى.
ثني قوله: "لِّلَّـهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ" تدليلا على المثانى فى القبلة، ثنائية العام والخاص. جاء الخاص تاليا للعام فى نفس سياق الحديث عن القبلة دليلا على أسبقية العام فقال أحكم الحاكمين:
* وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّـهُ ۗ وَمَا كَانَ اللَّـهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّـهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ * قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ۗ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۗ وَمَا اللَّـهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ* (البقرة: 143 - 4)
وردت فيها ثنائية المجتمع والفرد، سبق تبيانها، وفيها القبلة الإسلامية التى هى الخاص من التوجه إلى الله حيث هو فى كل مكان. وقد كان قبلها فى النصرانية واليهودية قبلة خاصة بهم كما هو معلوم، حتى أن اليهود كانوا يتخذون من بيوتهم قبلة للصلاة، قوله: "وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً"، قبلة غير موحدة بخلاف قبلة الإسلام، بيت الله الحرام، فيها التوحد بين المسلمين فى الإيمان. كلها من حيث هى قبلة تخضع لهذا العام من أنه أينما تولوا للصلاة فثمة وجه الله الكريم. فى الإسلام إن كان مسافرا فى قطار أو طائرة أو سفينة أو سفينة فضاء، مكان متحرك لا يعدم فيه عدم التيقن من القبلة، فأينما ولى وجهه للصلاة فصلاته صحيحة، وأينما ولى وجهه للصلاة متوخيا التوجه لبيت الله الحرام ثم تغيرت بحركة المقلة فليس عليه من ذنب، وصلاته صحيحة بهذا العام فى الإيمان، قصد الخاص المعمول به وسانده العام فيما فيه تغير.
فى حقيقة الأمر أن التوجه يكون إلى العام لا إلى الخاص بذاته وصفاته. فتولى المسجد الحرام هو تولى لوجه الله حيث هو فى كل مكان من زاوية معينة محددة مخصصة للإسلام، أن الصلاة ليست للمسجد الحرام، مفروغ منه. فإن كان من نسخ للعام هنا كما يقول أهل النسخ، وقعت الصلاة للمسجد الحرام لا لوجه الله، ووجب الإستغفار ومن سبقونا بالإيمان. قارب المعنى في ذلك قول الإمام الشاطبى رحمه الله أن الخاص المعمول به هو جزء من الكلى أو العام لا ينسخ سائره: "إلا أن اللفظ العام لم يهمل مدلوله جملة وإنما أهمل منه ما دل عليه الخاص وبقي السائر على الحكم الأول".
من ثم يكمننا القول بأن العام هو المطلوب أصلا بإعمال الخصوص، من حيث أن العام ضالع فى ثوابت الدين ومن حيث هى شرعة، أما الخاص فمتغيره.
ما أفاده الشاطبى من طريق النسخ: "لما تقرر أن المنزل بمكة من أحكام الشريعة هو ما كان من الأحكام الكلية والقواعد الأصولية في الدين على غالب الأمر اقتضى ذلك أن النسخ فيها قليل لا كثير لأن النسخ لا يكون في الكليات وقوعا وإن أمكن عقلا. ويدل على ذلك الاستقراء التام وأن الشريعة مبنية على حفظ الضروريات والحاجيات والتحسينيات وجميع ذلك لم ينسخ منه شئ بل إنما أتى بالمدينة ما يقويها ويحكمها ويحصنها وإذا كان كذلك لم يثبت نسخ لكلي ألبتة. ومن استقرى كتب الناسخ والمنسوخ تحقق هذا المعنى فإنما يكون النسخ في الجزئيات منها والجزئيات المكية قليلة."
أما قول الواسع العليم جل ذكره:
* وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ * ﴿البقرة: 145﴾
فيه إشارة المنهاج بتكرار القبلة ثلاث مرات، وفيه الخصوص بأن لكل شريعة قبلتها. وهنا يصدق قول الأصوليون أن الخاص هو ما يعمل به لا ينفى العام ولا ينسخه، مقالة الإمام الشاطبى رحمه الله على سبيل المثال، سبق. مغزى العموم ينسحب من وجهين، أولهما فيما بين الشرائع من عموم كالإيمان بالخالق لا إله إلا هو واحد أحد لا شريك له ولا صاحبة ولا ولد، وأنى تولوا تحت أية نبوة أو رسالة، كأنه توحيد للشرائع على منهاج الحق تعالت حكمته وصراطه المستقيم. ثانيهما فى الشريعة نفسها لضبط الخاص بالعام أو تكييفه بلغة الأصوليين. تجد هذه المرجعية فى قوله الحكيم العليم:
* يا ايها الذين امنوا اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولي الامر منكم فان تنازعتم في شيء فردوه الى الله والرسول ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الاخر ذلك خير واحسن تاويلا * (النساء: 59)
وقوله:
*واذا جاءهم امر من الامن او الخوف اذاعوا به ولو ردوه الى الرسول والى اولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان الا قليلا * (النساء: 83)
الآيتان فى سورة واحدة معتنيتان بالرد والمرجعية. الأولى فيها ثلاث ثنائيات فالإشارة للمنهاج ومثانيه، يرد إليهما ما أختلف عليه فى الشرعة. فى التعقيب أن هذا المنهج هو أخير من رد التنازع إلى قواعد أو أهواء أخرى كما هو معلوم، وهو فى آن أحسن تأويلا. فى الثانية تثليث لفظ الجلالة وتثنية الرد وأولى الأمر، الرباط أو القرينة (لم تحرر بعد قواعدها فى المنهاج) بين الآيتين، تأكيدا للمطلوب تكييف الشرعة بالمنهاج. فيه تفصيل أصحاب الأصول لهم اليد، والله أعلم.
منه فقد لزم الخاص العام، لا ينفك عنه لأنه أصل له لا يستقيم إلا به، وقد يكون من تغير مع الأزمنة والأمكنة والشرائط والشرائع. وعليه فمن نافلة القول أن من يتوجه إلى الله وهو على دين الإسلام ولم يحز توجهه تمام قبلة المسجد الحرام فلم يحنث، ولم يفترق عن دين الإسلام بهذا العموم فى القبلة والإيمان بالخالق حيث هو أينما تولوا، بالطبع بشرط النية، التوجه الخالص لوجه الله. مثل هذا التلازم فى كل السبع المثانى إن كان من نص فيها وقع له نسخ بتأويل وما أكثره على ما رأينا، وقد دللنا على أنه باطل برمته. هنا مثال على ضبط الأحكام الشرعية وتكييفها بمنهاج المثانى، أهل الأصول أهل لها بهذا الإعتبار.والله أعلم، منه الهدى وله الفضل.
-------------------------------
أعسطس 2014
- 26 views
التلازم فى المثانى.
التلازم فى المثانى.
من حديث المثانى الإقتران والتلازم بين عنصرى الثنائية، ذكرناه من قبل، أنهما لا ينفكان عن بعضهما البعض وجودا وعدما، فمتى كان هناك شكل كان له مضمون، ومتى كانت هناك غاية كانت لها وسيلة، ومتى كان هناك عام كان تحته خصوص، والعكس صحيح فى كليات الوجود.
نحن لا نقول فى المثانى إلا بأدلة من الذكر الحكيم، فإذا تماشت الوضعيات مع القرآنيات فليس معنى ذلك أننا نستدل بالأولى على الأخيرة. فى مواضع آخرى قلنا ما معناه إن حدث ذلك فهنا مكان لهدى الله المباشر. فى الإقتران والتلازم بين عنصرى الثنائية دليله فى الذكر الحكيم وقوله أحكم الحاكمين:
* لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّـهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّـهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * (البقرة: ٢٥٦)
وقوله:
* وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّـهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ ۗ وَإِلَى اللَّـهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ * (لقمان: 20 -2)
ذكر لفظ الجلالة مرتين فى كل آية من الآيتين، وكرر الإستمساك بالعروة الوثقى على مدار الذكر الحكيم مرتين فقط إشارة للمثانى، إقترنت الأولى بعدم الإنفصام، قوله: "لَا انفِصَامَ لَهَا" صفة للعروة الوثقى. أن من الصفات الأساسية للسبع المثانى التلازم، لا ينفك أحد عنصرى أو طرفى الثنائية عن الآخر، وجودا وعدما.
لا نعتقد - على قدر علمنا - أن الفلسفات الوضعية قد نبهت لهذه الصفة فى الجدل. عند ماركس مثلا، وهو متأخر عن هيجل أبو الجدل الحديث، هناك البروليتاريا والرأسمالية كعنصرى جدلية التناقض والصراع. مآل الحل أن يختفى أحد الطرفين، الرأسمالية، وليس ذلك بجدل ولا من المثانى المعتبرة فى كليات الوجود، بالتالى لا تلازم. أما هيجل، رحمه الله، رغم صعوبة قراءة فلسفته كما يقول الهيجليون أنفسهم، إلا أننا نستطيع القول بأنه لم يقل بتحول أحد العنصرين للآخر كما فعل ماركس، كما لم يشدد على مسألة التلازم بين عنصرى الثنائية أو الجدلية، فإن كان من إنتقال أو تحول فهو للجدلية برمتها، العنصران سويا فى مركب جديد، أصحاب الفلسفة أدرى بشعابها. الذى نبه إلى هذا التلازم قبل أهل الجدل الغربيين هو الإمام الغزالى، رحمه الله، فى قوله: "وكل علم مطلوب فلا يمكن أن يستفاد إلا من علمين هما أصلان، ولا كل أصلين بل إذا وقع بينهما إزدواج على وجه مخصوص وشرط مخصوص. فإذا وقع الإزدواج على شرطه أفاد علماً ثالثاً وهو المطلوب."، سبق فى مقالة "النسخ على المثانى". جدير بالذكر أن الإمام لم يستند فى مقولته هذه على الدليل النقلى من الذكر الحكيم الذى نحن بصدده، كما أن التلازم فيها بين العلمين (العنصرين أو طرفى الثنائية) ليس مباشرا إنما يستفاد عقليا من شرط الإزدواج. غالب الأمر هدى من الله جل فضله من خلال التصوف والتقرب إلى الخالق. غنى عن القول أن لغة المنهاج هذه لم تكن معروفة قبلنا، ولله الفضل والمنة.
صفة التلازم تفرق بين أنواع من المثانى، السبع المثانى فقط هى التى تجد فيها هذه الصفة. فإن قلت أن الأبيض والأسود ثنائية من الثنائيات فهى ليست كلية من كليات الوجود وليست من السبع المثانى لأنه يمكن أن يكون عندك أبيض بلا أسود معه أو مستتر فيه واقعا إلا فى المنطق والمعرفة، من ثم لا تلازم فى الثنائية من حيث الإدراك والواقع. أما أن تقول بأن اللون يعبر عن شكل من الأشكال فلا بد من موضوع تحته، جوهر بلغة القدماء، ماهية بلغة المناطقة، ثنائية كلية جامعة لكل ما يعرفه البشر من موجودات مادية كانت أو عقلية. فما هو هذا الأبيض إجابة الموضوع. مثل ذلك فى الأديان، إن قلنا أن الجنة والنار ثنائية على التقابل ليس فيها ولا يلزمها تلازم، فليست من كليات الوجود وإن كانت تشكل صيرورته، إما أن ينال المرء الجنة فى الثواب أو تناله النار بالعذاب، منفصلان من حيث الجزاء واقعا. أما أن الجنة والنار متلازمان من حيث الوجود ككينونة دينية عقائدية فمحل نظر فى علم المثانى، فيها تفصيل للتمييز بينها وبين الأنواع الأخرى من المثانى.
المرتد الدكتور نصر حامد أبوزيد فى كتاباته عن القرآن أسهب وأسهل فى الجدليات حتى فاضت صفحاته بالجدليات، كل شئ عنده فى جدلية ما معتبرا اللغويات، لا يطلق عليها ثنائية. من ذلك جدلية الله / الإنسان (يضعها هكذا بين العنصرين شرطة مائلة). فلو إعتبرناها جدلية صحيحة أو ثنائية من السبع المثانى، كان التلازم فيها يعنى الكفر. من ثم خرجت من حيز الثنائيات المعتبرة وليست بجدلية حقيقية إلا فى دماغه. مسألة كلامية أن الإنسان مخلوق لله، وما تلازم أو سبق المخلوق الخالق، والله غنى عن العلمين، الإنسان يفنى ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام، فليس من تلازم وجودا وعدما، والعدم يرجع إلى الإنسان. أما أن هناك "جدل" بين العبد والرب فمسألة تكتنف الكفر أيضا، لم تستبين على المثانى عندنا بعد، تقتضى التعريف والتفرقة بين الجدل والجدال. أما أن هناك "جدال" بينهما فهذا وارد ثابت فى الذكر الحكيم، قول الجليل الباقى جل ذكره:
* هَا أَنتُمْ هَـٰؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللَّـهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا * (النساء: 109)
ذكر فعل الجدال مرتين فى نفس الآية دليل المثانى قاطع. ألم تر أن ذكر العروة الوثقى فى سورة لقمان جاء تعقيبا على الحديث عن ثنائية الباطن والظاهر ثم الجدل والعلم فجمع بين النوع وصفتة؟ قوله أحكم الحاكمين:
* أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّـهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ۗ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّـهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّـهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۚ أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ السَّعِيرِ * وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّـهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ ۗ وَإِلَى اللَّـهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ * (لقمان: 20 -2)
يمثل هذا الموضوع الدسم إنعطافة كبيرة فى دراسات المثانى والثنائيات والجدل والجدليات والسبع المثانى على وجه الخصوص، لكل مجتهد نصيب. هى إنعطافة تبرهن على أن علم الله لا يعزب عنه مثقال ذرة فى الأرض ولا فى السماء، ولا فى العقول حيث تقازمت الوضعيات. هنا نستدعى مقولة شيخ الإسلام إبن تيمية، رحمه الله، فى الحكم بين الناس بما أنزل الله والشهادة عليهم، قال فى كتابه "درء تعارض النقل والعقل":
< والسلف والأئمة الذين ذموا وبدعوا الكلام فى الجوهر والجسم والعرض تضمن كلامهم ذم من يدخل المعانى التى يقصدها هؤلاء بهذه الألفاظ فى أصول الدين، فى دلائله وفى مسائله، نفيا وإثباتا. فأما إذا عرفت المعانى الصحيحة الثابته بالكتاب والسنة وعبر عنها لمن يفهم بهذه الألفاظ ليتبين ما وافق الحق من معانى هؤلاء وما خالفه، فهذا عظيم المنفعة، وهو من الحكم بالكتاب بين الناس فيما اختلفوا فيه، كما قال تعالى:
* كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * (البقرة: 213)
وهو مثل الحكم بين سائر الأمم بالكتاب فيما اختلفوا فيه من المعانى التى يعبرون عنها بوضعهم وعرفهم، وذلك يحتاج إلى معرفة معانى الكتاب والسنة، ومعرفة معانى هؤلاء بألفاظهم، ثم إعتبار هذه المعانى بهذه المعانى ليظهر الموافق والمخالف.>
فى الآية الكريمة المشهود بها كرر كل من لفظ الجلالة والإختلاف ثلاث مرات، والحق والهدى على المثانى، دليلا على منهاج الله على المثانى والإختلاف فيه بين الأمم، فساغت مقولة شيخ الإسلام فى هذا المقام.
والله أعلم، هو الهادى إلى سواء الصراط.
فى كتاب "إشراق المنهاج" إحاطة وتفصيل أكثر عن السبع المثانى والتلازم فيها، وبالله التوفيق.
- 10 views
سنة الله فى الكون المثانى.
سنة الله فى الكون المثانى.
التوازن دليل الوحدانية:
الحمد لله رب العالمين الذى فطر السماوات والأرض والحياة على المثانى فى توازنات لا تختل ولا تمل، بديع السماوات والأرض على نسق ونظام واحد، سخرها لخير البشر، ثم إستوى على العرش (مجازا)، يدبر أمرها وفصولها بقدرة الخالق البارئ المصور القدير العليم الحكيم، برهان ساطع على أنه إله واحد أحد لا شريك له، فى الخلق إبتداءا وفى النسق وفى النظام وفى التدبير وفى المصير.
الوحدانية والتدبير والمصير فى قوله اللطيف الخبير:
وفى قوله:
الثانى: الذى قال به المتكلمون قائم كبرهان عقلى. وهنا لأن الأمر خلا من المصير المتعلق بالقدرة. فى نظرنا أن هذا الإحتمال لا لزوم له لأننا بإزاء النظر فى القدرة لا العجز، لأن فى القدرة ألوهية وفى عجز الإله الكفر ما يخرج عن النظر الأصلى وهو الشرك. الفرض ليس إلا سفسطة.
* وَهُوَ اللَّـهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَىٰ وَالْآخِرَةِ ۖ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ* قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّـهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ اللَّـهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ ۖ أَفَلَا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّـهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ اللَّـهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ* وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ *وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ * (القصص: 70- 4)
- 5 views
علم المثانى.
علم المثانى.
* الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ * ﴿الملك: ٣﴾
وقوله الحق:
* أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّـهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا * ﴿نوح: ١٥﴾
ضمن هذا الخضم من المثانى يندرج الجدل والجدال أشيرت لهما بأمثلة متعددة تفرق بينهما وتبين صفاتهما، فليست كل المثانى تحتها جدل أو جدال، ما يحضرنا منها فى المقام هو أن الجدال حالة خاصة من الجدل. من ذلك قول العليم الحكيم:
* وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَرًا * (71)
* وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا * (73)
التقابل مرتان، فى "كَفَرُوا" مع "اتَّقَوْا رَبَّهُمْ"، وفى "جَهَنَّمَ" معها "الْجَنَّةِ"، إصطحبه تثنية "وَسِيقَ الَّذِينَ" و"إِلَىٰ" و"زُمَرًا"، إسم السورة.
يتبع ذلك التقسيم إلى طبقات أولا، ثم إلى نوعيات تبعا لما إذا كان بين عنصرى (طرفى) الثنائية جدلا من عدمه، وما إذا كان بينهما تلازما كما ذكرنا من قبل، وتبعا لصفة العلاقة بين العنصرين من تضاد أو تناقض أو تكامل أو تقابل وما شابه، وتبعا لما إذا كانت التثنية من الطبيعيات أم من مدركات الحس أو العقل، وما إذا كانت من الأخلاقيات أو السلوكيات أو المعنويات، فضلا عن البنيانية داخل السبع المثانى. البحر متسع والله المستعان، ولكل مجتهد نصيب، أخطأ أو أصاب، بإذن الله تعالى الهادى إلى صراطه المستقيم.
هنا يصدق أكثر ما يصدق حديث خاتم النبيين عليه الصلاة والسلام من أن القرآن لا يشبع منه العلماء فضلا عن أن تنقضى عجائبه:
".. كتاب الله فيه نبأ ما كان قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل. من تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم. هو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء ولا أصحهما على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه. هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد. من قال به صدق ومن عمل به أجر ومن حكم به عدل ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم.." (الترمذى: باب ما جاء في فضل القرآن 2906).
* وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّـهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * ﴿البقرة: ٢٣﴾
* أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّـهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * ﴿يونس: ٣٨﴾
والله أعلم، هو الهادى إلى سواء الصراط، منه التوفيق والرشاد.
- 5 views