الرشدية بذرة العلمانية.

الرشــــدية بذرة العلمانيــــة الأولى
 
      وحينما تصبح الفلسفة هي النقيض التاريخي للأسطورة، ويصبح الشكل المنطقي للعقل هو النقيض التاريخي للشكل الخرافي للأساطير القديمة، حينئذ تتبلور الإشكالية التالية:
استخراج ماهية الشيء من ظواهره، هي المهمة المركزية للمعرفة الفلسفية. ومن أجل استخراج تلك الماهية (أو الجوهر)، وضبطها وعزلها، لجأت الفلسفة إلى تجريدها من الظواهر الحسية للشيء، أي فصل الماهية (التي يفترض أنها ثابتة)، عن كل ارتباطاتها العابرة وغير الضرورية والموجودة بالصدفة. إن دفع ذلك التجريد إلى حده الأقصى (الذي تعتبره الفلسفة، الطريقة الوحيدة الممكنة لتخليص جوهر الأشياء من الارتباطات الحسية، المعيقة للإمساك بذلك الجوهر ومن ثم اكتشافه)، سيؤدي إلى جعل نقطة الانطلاق للبحث الفلسفي هي: الوجود الخالص، أي الوجود العام بوصفه كائناً خالصاً، متجرداً من كل ما هو زائل وحسي.

      وإذاً فإن الأساس المنهجي الذي أقامت عليه الفلسفة تأملاتها، يتحدد في التساؤل التالي: ما هي الطبيعة النهائية لكل الكائن؟ بمعنى أن جميع الكائنات لها جوهر واحد مشترك، وبالتالي يجب اكتشافه لإدراك كنه وسر الوجود. إن البحث في المطلق، وإن علم الوجود الخالص (الأنتولوجيا) هو إذاً الموضوع المركزي لفلسفة الميتافيزيقا (ما وراء الطبيعة). وهذه الإشكالية الميتافيزيقية، قد استغرقت ألفي سنة من النقاش الفلسفي، بدون أن يتمخض ذلك عن جواب يشفي الغليل. والسبب أن الإشكالية هي في أصلها إشكالية مغلوطة، ولذلك لا حل لها في الإطار الذي وضعت فيه، وبالطريقة التي طرحت بها. فشلت الميتافيزيقا في طرح العلاقة بين ماهية الشيء وظاهره، طرحاً سليماً.. لم تستطع حل التناقض بين الماهي القابل للإدراك بواسطة العقل، وبين الظاهرة القابلة للإحساس بواسطة الحواس. إن هذا الإشكال الفلسفي المستعصي على الحل، دفع الميتافيزيقا إلى إقامة فصل تام وقاطع، بين جوهر الشيء، وظاهره.. بين عالم الإدراك العقلي، وعالم الإحساس. والخلاصة التي انتهى إليها ذلك المنطق، هي أن جوهر الأشياء لا ينتمي إلى الأشياء ذاتها، أي إلى الظواهر الحسية نفسها، بل إلى عالم خارجها ومستقل عنها. وهذا العالم هو عالم الفكر أو الروح.
      وهكذا نشأ الاتجاه المثالي داخل الفلسفة. فالفلسفة المثالية، بالتالي، لا تعني شيئا آخر، غير انتماء ماهية الأشياء وجوهرها إلى عالم الفكر والروح، لا إلى عالم تلك الأشياء الحسية نفسها. فإذا كان الاتجاه المثالي، يؤكد على أن الجوهر له وجود فعلي، وأن واقعه واقع فكري؛ فإن الاتجاه المادي، على العكس، ينكر أي وجود للجوهر. وبالنسبة إليه، فإن مفاهيم الجوهر والماهية، هي مجرد تجريدات ذهنية فارغة، لا أساس لها في الواقع. والأشياء الوحيدة التي يعترف بوجودها، هي الأشياء الحسية الملموسة والعينية. إن الاتجاه المادي أراد أن يتجاوز تناقضات الاتجاه المثالي، عن طريق إلغاء مفهوم الجوهر من الفكر المنطقي الواقعي. فهل أفلح في ذلك؟ إن الفلسفة المادية بدورها، عجزت عن تجاوز تناقضاتها البنيوية. وهكذا ظل الصراع قائماً بين الاتجاه المثالي، الذي كان يتزعمه سقراط وأفلاطون، وبين الاتجاه المادي، الذي كان يتزعمه ديمقريط وأبيقور،
      إلى أن جاء أرسطو. انتقد أرسطو الفلسفة المثالية، لأنها زعمت بأن الجوهر لا ينتمي إلى العالم المحسوس، وانتقد الفلسفة المادية، لأنها أنكرت أصلاً وجود الجوهر. وعلى هذه الطريق الوسطى بين النقيضين، قام ببلورة مفاهيمه الفلسفية الخاصة. وقد قامت فلسفته برمتها على الأساس التالي: علة العلاقة بين الصورة والمادة. فبالنسبة إلى أرسطو، يمثل الجوهر بالنسبة للكائن، ما تمثله الصورة بالنسبة للمادة. فكما أنه لا يمكن تصور وجود صورة بدون مادة، فكذلك لا يمكن تصور وجود كائن ملموس، واقع محسوس، بدون جوهر. إن الصورة تعطي للمادة شكلها المتميز، والجوهر يعطي للكائن الملموس هويته الخاصة. لكن أرسطو، بتأكيده على الوحدة بين الصورة والمادة، فإنه مع ذلك لا يطابق بينهما: فالصورة لها وجود متميز، حتى وإن توحدت بالمادة، حتى ولو منحتها شكلاً. والسبب في ذلك أنه من جهة، حين يتم التعميم بين عدة أشياء، فإن جميع المميزات الخاصة لتلك الأشياء، يتم إهمالها لكي تبقى الصورة المجردة عن الكل وفوق الكل؛ ومن جهة ثانية، فالأشياء المادية تزول وتفنى، بينما الصور التي كانت ملتصقة بها، تبقى بعد ذلك الفناء. إن هذه المنظومة الفلسفية التي بناها أرسطو، والتي حاول من خلالها أن يحل التناقضات التي كانت تعصف بالفلسفتين المثالية والمادية معاً، قد استطاعت فعلاً أن تهيمن وتصمد عدة قرون، إلى أن جاء ابن رشد.
      إن عبقرية ابن رشد، تكمن في اكتشافه للخطأ النظري العميق، الذي قامت عليه منظومة أرسطو. وهذا الخطأ يتجلى في التمييز الجوهري الذي وضعه أرسطو بين المادة والصورة. إذ، في رأي أرسطو، فإن الأشياء المادية معرضة للزوال والفناء، بينما الصورة باقية وغير فانية. والإسهام الأساسي الذي أتى به ابن رشد، لتطوير الفلسفة البشرية، هو أولاً، تأكيده على أن الطرح الأرسطي للعلاقة بين المادة والصورة، بالشكل الذي طرحها به، (أي تمييزهما عن بعضهما البعض تمييزاً جوهرياً)، يؤدي حتماً إلى انشطار المنظومة الأرسطية من الداخل، إلى شطرين متناقضين. وهكذا، فقد اكتشف ابن رشد بأن فلسفة أرسطو قابلة بنيوياً لتأويلين متناقضين: تأويل مثالي، وتأويل مادي. أما الإسهام الثاني، وهو الحاسم، فهو أن ابن رشد قد عمل على تطوير مفاهيمه الفلسفية انطلاقاً من التأويل المادي لفلسفة أرسطو. قام منطق ابن رشد على التساؤل التالي: كيف يعقل أن المادة التي تشكل مع الصورة وحدة عضوية، تفنى، بينما الصورة تبقى؟! فإذا كانت المادة فانية، فإن الصورة هي الأخرى فانية بالضرورة. كيف يعقل أن الكائنات المادية تستمد صورها من واقع غير مادي؟! ولذلك انتهى ابن رشد إلى هذه الخلاصة الحاسمة: إن سر الصورة يجب البحث عنه في المادة نفسها. وبهذا الطرح، يكون ابن رشد قد عاد بفلسفة أرسطو إلى الاتجاه المادي. بالإضافة إلى أنه لم يعد الاعتبار للاتجاهات المادية الكلاسيكية فحسب، بل طعمها بتأكيده الصارم الموضوعي والمادي لمفهوم الجوهر (وهو ما لم يفعله لا أرسطو، ولا ديمقريطس وأبيقور، ولا الماديين الآخرين كلهم، الذين كانوا ينكرون أصلاً وجود الجوهر).
      وهكذا لم تمر على وفاة ابن رشد في مدينة مراكش المغربية سوى سبع وعشرين سنة، حتى ولد في إيطاليا توما الأكويني، الذي تزعم حركة التأويل المثالي لفلسفة أرسطو، داخل الفلاسفة السكولائيين. وأصبحت فلسفة توما الأكويني هي الفلسفة الرسمية للكنيسة الكاثوليكية في عصر الإقطاع الأوروبي. ولأن فلسفة ابن رشد كانت ذات توجه مادي، وكانت بالتالي تهدد الأيديولوجيا المحافظة، السائدة داخل الكنيسة الكاثوليكية، فقد وجدت نفسها تتعرض إلى حملة واسعة من التضييق في البلدان الأوروبية، وخاصة إيطاليا مركز البابوية، من طرف فلسفة توما الأكويني المثالية. بل إن هذه الأخيرة، لم تظهر في الأصل إلا كرد فعل على فلسفة ابن رشد. فالتأويل المثالي الذي أعطاه توما الأكويني لفلسفة أرسطو، كان الغرض منه محاربة التأويل المادي الذي أعطاه إياها ابن رشد. وهكذا فالصراع الفكري والفلسفي العنيف، الذي شهدته أوروبا في المرحلة ما قبل عصر النهضة، كان في أساسه بين فلسفة توما الأكويني المحافظة، وفلسفة ابن رشد النقدية. ومع دخول أوروبا عصر النهضة، شرعت بخلق نظام الجديد، يتعارض مع النظام الإقطاعي السائد. عندها لم تجد سوى فكر ابن رشد وتأويله المادي لفلسفة أرسطو، ليكون أداة في صراعها مع الإقطاع، وأساساً متيناً لبناء أوروبا حديثة.
      عُرفت فلسفة ابن رشد، المتوفى العام 1198، في عصر النهضة الأوروبية، بـ"الرشدية اللاتينية"، التي سيطرت على العقل الغربي، لأكثر من ثلاثة قرون. وقد سميت بالحركة الرشدية اللاتينية، لأنها أخذت عن ابن رشد أهم مبادئه الجوهرية في المنطق العقلاني، الخاصة بالفصل ما بين "حقيقة" العقل الخالص (البرهان المنطقي) و"حقيقة" الوحي الميتافيزيقي والإيمان الروحي. وإذا كان ابن رشد قد رشح برهان العقل معياراً للنظر في حقيقة الإيمان، وخلص إلى فكرة ازدواج الحقيقة، بمعنى الإيمان الروحي بـ"الحقيقة الدينية" بالنسبة إلى الشخص كمؤمن متدين من جهة، و"الإيمان" العقلاني بـ"الحقيقة البرهانية" بالنسبة للشخص نفسه ككائن تاريخي. وفي حالة تعارض "الحقيقتين"، فإن على الإيمان أن يلجأ إلى العقل الفعال.
      ولم يتجرأ المفكرون الرشديون الغربيون، ما بين القرن الثالث عشر والخامس عشر، خصوصاً، على نقل فكر ابن رشد كاملاً، لأنه كان أعمق (عقلانياً) مما يستوعبه الوعي الغربي، الذي كان يتلمس طريقه للخروج من عصور الظلمة. وتعرضت الحركة الرشدية اللاتينية للاضطهاد الفكري من قبل السلطات الكنسية، لأنها مثلت الأساس الفلسفي الذي قامت عليه فكرة الفصل ما بين الحقيقة الدينية والحقيقة الفلسفية الدنيوية. أي الفصل ما بين العقل الغيبي العرفاني والعقل العلمي البرهاني. والخلاصة أن بذرة شجرة "العلمانية"، الوارفة بظلالها على معظم أنظمة الحكم في العالم المعاصر، هي إسلامية الأصل في بذرتها الفلسفية الأولى. انتهت الفلسفة الإسلامية بنفي ابن رشد وحرق كتبه، ودخل العرب والمسلمون في عصور الظلام. وبعد قرون طويلة، من الجهل، استيقظ العرب، ليكتشفوا أن العالم (الغرب الكولونيالي) كان قد امتلك صناعة الحياة، وأقام حياة دستورية متينة. لقد استيقظوا على عصر حديث، أعطى ما للعقل للعقل وما للروح للروح، ووجدوا أنفسهم متأخرين، وقد أصيبوا بذهول، عقد ألسنتهم وعقولهم.‏
 
"عقبة زيدان" أديب وكاتب سورى ملحق ثقافي لصحيفة الثورة السورية. 5/2/2008م
 
-----------------------------------------------
قراءة على القراءة:
      منذ النشأة الأولى، آدم وحواء، والإنسان يحاول دائما ودائبا إستكناه الطبيعة ومعرفة حدود هذا الكون وتفسير الظواهر التى تؤثر فى حياته اليومية، الخارقة منها على وجه الخصوص، حتى إبتداع الوسائل التى بها يدافع عن نفسه ضد الخوارق الطبيعيات، والتى بها يوفر لنفسه لقمة العيش بدءا بأدوات الصيد والزراعة مرورا بالملبس والمسكن وحتى طرق الإتصال وتنظيم المجتمع، وإلى أن نظر فى أدوات أخرى وسبل متجددة لإشباع الرغبات والنزوات كما فى التسلية مثلا، إحدى مظاهر الترهل مع التقدم العلمى الحالى.
      فى هذا الإتجاه الرئيسى لتعامل الإنسان مع الطبيعة وإستكناه مكنونات الكون، كان له أن يضع شيئا من القواعد ويسن بعضا من القوانين كما هى الفلسفة ثم المنطق وتأسيس العلوم فيما بعد، يصنع شيئا من تنظيم الكون، التحكم فيه لإشباع رغباته ونزواته، وللحفاظ على الحياة وإطرادها. لكى ينجز هذا الهدف كان عليه أيضا أن يسأل الطبيعة ويحاول أن يجيب، ما هو ولماذا وكيف وكم وأين...الخ، الأسئلة الزمنية والأبدية. المحاولة تفسير للظواهر بهدف التحكم والمنفعة، متضمنة محاولة للإجابة على سؤال الخوارق.
      ما هية الشئ أول العلم بالكون وباب التعامل مع الأشياء من حوله. كان أول الصدام العقلى مع الطبيعة فى ظواهرها الخارقة مثل الرعد والبرق والزلزال والبركان وأعماق البحار والمحيطات والشمس والقمر والنجوم، بل خوارق الموجودات الأحياء أيضا. عندها أدرك أن هناك قوة خارقة لا قبل له بها تسير هذا الكون، منشأ الأساطير والخرافات، كمثل "الجنيية" (كسر الجيم وتشديد الياء المكسورة) التى نصفها آدمى والآخر ذيل سمكة. إبتداع وتخيل عقلى لا وجود له إلا أنه يعبر عن قوة خارقة ويعبر عن الخوف من المجهول فى أعماق البحار.
      مر تطور الإعتقاد فيما يسمى ب"ما وراء الطبيعة" أو "الميتافيزيقيا" بمراحل مختلفة لها إرتباط وثيق بما حققه الإنسان من إستكناه الكون وإكتشاف أسراره ومخترعاته فى آن واحد. إكتشف النار مثلا وبها تعامل مع الطبيعة بقسوة أكثر من ذى قبل لتسديد الرغبات والنزوات بطريقة أيسر. هكذا دأب الإنسان حتى وقتنا هذا، التيسسير على النفس فى مقابل المشقة فى المعيشة. الحاسوب أو الكمبيوتر الآن فيه التيسير الأعظم والشكوى المستقبلية معا. بهذا الإكتشاف ، النار، تطورت المعتقدات والأفكار وغدا ما وراء الطبيعة أكثر تكشفا وقربا وأكثر أمنا أو أسقط من إعتبارات الإنسان ومعتقداته. أصبح فى يد الإنسان وسيلة فيها شئ من القوة الخارقة التى كانت تعجزه من قبل. أى أنه بدأ فى وضع يده بأسلوب أكثر علمية على مكنونات الطبيعة، وبها تطورت فكرته عن الأساطير التى بدت أقل خرافة أو مالت إلى الزوال حالها اليوم. على سبيل المثال، القمر الذى كان مسرى الشعراء، أصبح محل بحث وتحرى وأمل فى الإستغلال وفائدة على الأرض، لم يعد شيئا من القوى الخارقة للطبيعة أو ما وراءها، فقد شيئا من قدسيته الخرافية والرومانسية أيضا.
      فى هذا الإطار نشأت فكرة الإله كما هو الحال مع الفراعنة، وضعها الناس لتمثيل القوة الخارقة فى الطبيعة بدلا من الثور الرهيب الذى يحمل الأرض على قرنيه. مثل هذا التطور أقر به الخالق سبحانه وتعالى فى رسالاته السماوية. الإختلاف البين بين الرسالات الثلاثة المقدسة ليس فى التوحيد ولا أساسيات العقيدة إنما ما هو للتواؤم مع التطور التاريخى للمجتمع البشرى. فموسى عليه السلام كانت معجزته فى عصاه السحرية ليجابه بها المعتقد السائد فى وقت الفراعنة وبراعتهم فى السحر، القوة الخارقة، ليثبت لهم أن هناك من هو أقوى وأقدر، خالق هذا الكون، قوله جلت قدرته:

* وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * (الأعراف: 120)
فى رسالة الإسلام إختلفت الفكرة عن السحر حيث لم يعد يمثل الخوارق والمعجزات للكفار ، فقال جل شأنه:

* وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَـٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ* (البقرة: 102)
أعطى جل شأنه معجزات متباينة للرسل والأنبياء تتماشى مع التطور فى معتقدات البشر بحيث تثبت لهم أنه الخالق البارئ المصور جلت حكمته. فما كان صالحا من السحر مع الفرعون ليس بهذه النفاذية مع أهل الجاهلية فى الجزيرة العربية وشعرهم المشهود. إنما أكثر مادية فى المعجزات، مثل قوله تبارك وتعالى لرسوله الكريم صلوات الله عليه وتسليمه فى مستهل الوحى:

* إقرأ * (العلق)
وكان الرد و"ما أنا بقارئ". إثباتا لأمية الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنه ليس بشاعر، إنما هو ذكر للعالمين من رب العالمين. معجزة ليست شيئا مما يؤمن به الناس من الخوارق الطبيعية أو ما وراء الطبيعة، لكنه واقع مادى ملموس. فى معجزة الإسراء والمعراج أثبت الرسول الكريم، صلى الله عليه وسلم، بالوقائع التاريخية المادية الملموسة صدق نبوءته، أخبر الناس بما شاهده ورآه رؤيا العين فى رحلته الإيمانية مع الله جل وعلا. الواقعية والوقائع هى الشاهد على الإعجاز والنبوة.
      لو أننا تحدثنا فى الإعجاز العلمى فى القرآن الكريم، سنجد تطورا ومدى أبعد مما نتخيله فى علمية الرسالة المحمدية فى البرهان على قدرة الخالق جل شأنه، مثل إثبات تناقص الأكسيجين كلما إرتفعنا فى الفضاء، قوله تعالى:

* فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ۖ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ * (الأنعام: 125)
وأى دليل علمى مادى على وحدانيته وقدرته جل فى علاه؟ دليل لم يثبت أيام الوحى، إنما نزل لعصر إرتياد الفضاء، وإنما هو التواؤم فى الإعجاز الإلهى مع تطور المجتمعات وطرقها فى التعامل مع الطبيعة، التطور العلمى. غدا هناك دليل آخر فى ثنايا الذكر الحكيم لا يعرفه ولم يكتشفه  ولم يؤوله أحد بعد من قاطنى الأرض هذه الأيام، وإن كنا نتعبد بآياته. إنه المعنى الفصيح لمفهوم خاتمية الرسالة المحمدية.
      على قدم وثاق وعلى نفس النمط تطورت الفلسفات وأدواتها فى التعامل مع الكون وخوارق الطبيعة. فكانت البدايات الفلسفية جلها من النوع الميتافيزيقى كما فى الفلسفة اليونانية - ما وراء الطبيعة -. بالتقدم العلمى وإحكام الإنسان قبضته أكثر على الطبيعة والمادة، تطورت الفلسفات وأصبحت أكثر مادية. من الأفلاطونية الحالمة السابحة فى الفضاء بعيدا عن المادة وقسوتها، إلى الماركسية المادية المتمردة على سنن الله فى الكون حتى العلمية البحتة منها، الشرسة فى تعاملها مع الكون والبشر والمادة نفسها، وإلى المسخ الفلسفى العلمى المسمى "ما بعد الحداثة". مشوار طويل للفكر البشرى.
      بهذه المقدمة وفى هذا الإطار والسياق التاريخى ندرك مكانة  القاضى الحكيم أبو الوليد إبن رشد رحمه الله وإسهاماته فى تطور الفلسفات والفكر البشرى إزاء التعامل مع الكون ومكنوناته. وندرك أيضا الخلفية الفكرية التى بها طور فى أفكار وفلسفة أرسطو. إنه العقل المسلم وإيمانه بالخالق سبحانه وتعالى بأنه خالق هذا الكون ومسيره، إيمان مبنى على شواهد واقعية مادية ملموسة. هى نفس رسالة علماء الكلام الإسلاميين الذين لم يجدوا رونقا عند عالم آخر مثل الإمام الغزالى رحمه الله والذى عادى الفلاسفة فى "تهافت الفلاسفة". من قبل النهضة الأوروبية كان الفكر الإسلامى ثريا إلى مدى بعيد يتراوح بين الروحى والمادى،  مع هذا التراوح لم يتم الفصل بينهما، إنما جعل أحدهما دليلا على الآخر. الغزالى كان صوفيا على سبيل المثال يناطح الفلاسفة وأساليبهم فى البرهان، وكانت دلائله على الخالق بطريقة مختلفة، وأهل الكلام يستشهدون على الغائب بالشاهد، يستشهدون على الخالق جلت قدرته بالكون المادى المخلوق بقدرته سبحانه وتعالى. أما إبن رشد فوضع كل ذلك فى إطار التوافق بين الروحى والمادى، وهنا تكمن عظمة الفيلسوف.
      لم يفهمه الكثيرون حتى إتهموه بالكفر، لأن هناك شيئا ما ينتقص سياق فلسفته وفهمه. لم يقصد فصل الحقيقة المادية عن العقلية، أو الإلهية عن البرهانية، إنما فى منظورنا هى طبقتان أو مرحلتان من أحوال العقل. فمرتبة العقل الدينى والحقيقة الدينية تعلو على الحقيقة البرهانية، مرتبة أعلى فى العقليات. العقل البرهانى يوصل إلى العقل الإيمانى، كلاهما فى الحقيقة خادم للآخر، لذا قال إبن رشد ما معناه كما جاء فى قراءة عقبة زيدان: "فإن على الإيمان أن يلجأ إلى العقل الفعال". الإيمان يحتاج البرهان، فليس من إنفصال إنما تفاعل بينهما مع إستقلال كل منهما بماهيته ووظيفته. ليس من تسلط للعقل البرهانى على العقل الإيمانى، أو العكس كما هى حال كنيسة الظلام، إنما هو وسيلته وطريقه، ليس من تناقض أو تضاد حتى ينفصلا. أساس ذلك نجده فى العقيدة الإسلامية، أن الدين عقد بين الخالق ومخلوقه، مبنيا على التعقل الذى هو السمة الرئيسية فى فلسفة إبن رشد، العقلانية. لله دره فهو المطلب الأول للإيمان دلائله كثيرة فى الذكر الحكيم مثل قوله جل شأنه:"أفلا يعقلون"، "لعلهم يتفكرون"، "أفلا يتدبرون القرآن".
      ليس من فصل ولكن ترتيب أحدهما على الآخر. لم ينفى العقل البرهانى إنما أكد عليه، المنحى العلمى البحت فى فلسفته، أو كما قال عقبة زيدان العقل ككينونة وماهية بشرية، مؤمنا أو ليس بمؤمن. لا كفر فى ذلك، فقد خص الله تبارك وتعالى الإنسان بالعقل حتى يدرك الإله: "لا إله إلا الله، وحده لا شريك له". فهمه الناس عن إبن رشد بالفصل بين الدين والعلم، أو بين الدين والحياة اليومية، وأن ذلك من قبيل الكفر. إن ما جاء به إبن رشد هو التمييز بين حالتين من حالات العقل: الحالة البرهانية الطبيعية التى هو عليها بالسليقة والخلق إبتداءا، والحالة الإيمانية عند إعمال الحالة البرهانية للنظر فى الكون ومادياته، أصله وفصله.
      هو نفس المسار لفيلسوف الغرب المعروف "كانت Kant" الذى ظل يبحث طوال حياته عن هذا الكلى الذى يشمل الوجود بأكمله فى مسبباته، وخلص فى النهاية بالبرهان على أنه الإله، تفكير ثيولوجى، أو هكذا يصفونه. نفس المسار الذى سار عليه علماء الكلام المسلمون للتدليل على الخالق سبحانه وتعالى، وربما نفس النوعية من البرهان، البرهان المادى. الإختلاف الذى سطره عقبة زيدان بين أرسطو و إبن رشد هو إختلاف تاريخى ثيولوجى أيضا. مكتشفات الإنسان وتطور العلم، والإرتقاء الإيمانى العقيدى بين الرسالات وتزييف الكهنوت والكشف عن التحريف فى الرسالات السماوية. يمكننا القول هو التطور فى الفكر البشرى كعقل مفكر وبالعلم والبرهان، والتطور فى المضمون الإجتماعى للرسالة السماوية متوائما مع تطور المجتمع، أو كما قيل "لكل مقام مقال"، إلى أن جاءت الرسالة المحمدية خاتمة تصلح لكل زمان ومكان، وفى ذلك إعجاز لم يدركه العقل البشرى بعد. أرسطو كان مثاليا إلى حد بعيد متماشيا مع الحالة العلمية التاريخية الفكرية السائدة، بمعنى أدق محاولا التقدم عليها للتطوير، الفائدة من الفلسفة، بينما كان إبن رشد أكثر مادية، البرهان على الخالق برهان مادى، كمثل قوله تعالى:

* قل سيروا فى الأرض فأنظروا كيف بدأ الخلق * (العنكبوت: 20)
وقوله:

* أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِم ۗ مَّا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى * (الروم: 8)
من هنا فقد وحد إبن رشد بين الجوهر والمظهر أو الصورة بالأسلوب الفلسفى اللاتينى لأنها كذلك فى الفكر الإسلامى وتعامله مع الأشياء، المضمون والشكل، فمن أسماء الله الحسنى الظاهر والباطن. ولا إنفصام بين الروحى والمادى، ولا إنفصام بين الدين والحياة اليومية، السياسة والإجتماع.
      المسألة فلسفية، فمقولة أرسطو أن الصورة لا تفنى بعد فناء الجوهر، لم يقصد فى نظرنا الصورة الوجودية الكائنة إنما الصورة الذهنية وهو صحيح بإعتبار العناصر المعرفية فى الإبستمولوجى، فلسفة المعرفة. فإن مات فلان فلا تزال صورته فى الذهن المعرفى لا فى الوجود الموضوعى. فى العصر الحديث هناك مراكز علمية تحاول تقنين المعنويات كأمراض النفس التى لها الآن روشتة أدوية وكالمشاعر الإنسانية وحتى الحب. ومنها الأرواح، التعامل معها كمادة بحثية لمعرفة الماهية إن كانت درب من الخرافة أم أن لها أساس وجودى مادى كمثل إلتقاط الإشارات والتخاطب البشرى عن بعد أو "التليباثى". مركز أبحاث فى بريطانيا يبحث فى تحضير الأرواح بهذه الكيفية. المعنى هنا أن الروح لها كيان منفصل عن الجسد، المادة. وهكذا الصورة الذهنية بعد الفناء، مقصد أرسطو. هو حقيقى ولكن بإنفصام بين الجوهر والصورة، أو خلط بين ما هو معرفى وما هو كائن موضوعى، الكينونة، الإشكالية الأرسطية التى أشار إليها عقبة زيدان.
      كانت المشكلة فى مطلع النهضة الأوروبية كما أشار عقبة زيدلن هى التعرف على الوجود وماهية الأشياء، وكان الخلاف الأساسى فى فلسفة الوجود هو هل الجوهر موضوعى أم ذاتى، أن الجوهر كائن فى الوجود بصرف النظر عن الإدراك والحس والتصورات الذهنية وإعمال العقل، أم أنه من قبيل التأليف اللغوى والتصورى، صور ذهنية أيقونية؟
      فإن قلت أن هذا ماء، هو مسمى وضعى ليس فى الوجود المادى للماء شئ منه إلا أننا نتعرف بهذا المسمى أو الرمز على هذا الشئ ونميزه عن غيره من الأشياء بهذه الخصائص على أنه "الماء". هذه الخصائص هى التى تعطى للماء كينونته فى الذهن، كينونته الوجودية الموضوعية عندما تنعكس فى العقل كوحدة معرفية. فهناك صورة ذهنية للماء وهناك صورة وجودية موضوعية وطبيعية للماء، كما تظهر فى العدسة.
      إلا أن الصورة الطبيعية ليس فيها شئ من الجوهر الوضعى، الموضوع والمصنوع عقليا بآليات لغوية، فى حين تحتوى الصورة الذهنية على كليهما. فأنت تذكر الماء بأنه سائل، لا لون له ولا رائحة، كلاهما. مقصد أرسطو الصورة الذهنية الأولى والصورة دون الجوهر، معزولة عنه، ومنحى إبن رشد تناول الثانية كإظهار للجوهر وإنعكاس له بمعنى ما، لإدراك مكنونات الشئ ككل، جوهر وصورة، أو جوهر ومظهر فى التعامل مع الأشياء بموضوعية، ففى هذا الإتحاد موضوعية تجعل هذا الشئ مستقلا عن الذهن والذاتية وإسقاطاتها. كل شئ موجود موضوعى مستقل عن العقل وفاعلياته، وأن هذا الشئ له جوهر ما و فى صورة ما فى وحدة تدل عليه، معرفيا، الوحدة المعرفية، يستدل عليها فى العلم الحديث بالأجهزة والآليات المناسبة تصف وتصنف بمعزل عن ذاتية البشر، موضوعية كاملة فى التعرف على الأشياء. فإذا ظهر الماء باللون الأزرق، كانت هذه صورته الذهنية المستقاة من إدراكات حسية، وهى فى نفس الوقت خاصية من خصائص جوهره. العلم الآن بعد التقدم العلمى والنهضة العلمية، يصف الماء بطريقة أكثر تفصيلا متناولة جوانب وخصائص لم تكن معروفة من قبل، والأهم فلسفيا أنها أكثر موضوعية ما يخص فلسفة العلم. كل الخصائص الجوهرية نعرفها من المدركات الحسية عن طريق الوسائل العلمية. فالعلم يعرف الماء بالكثافة والشفافية والإنسيابية أو اللزوجة وبتركيبه الكيميائى "ايد2"، ليس للحس البشرى شأن بها إلا من بعض الملموسات، إنما هى فى العقل، وحتى فوائده البيولوجية تعتبر من خصائصه أيضا. كلها خصائص تدل على الجوهر والمظهر مبنية على التجربة والملاحظة. فى الأسلوب العلمى، أو المنهج العلمى فى البحث، يوصف الشئ بكليهما المظهر والجوهر، وحتى الكيف والكم، ومقاييس أخرى تحدد أبعاده الزمنية والمكانية. إخترق العلم جواهر الأشياء محاولا الإجابة على سؤال الماهية الفلسفى، شكلا ومضمونا، وفيه التقدم والنهضة العلمية، والتغير الفلسفى تبعا، وكأن سؤال الماهية هو الآله والمحرك العلمى للعالم من حولنا. آخر الطفرات العلمية فى هذا الصدد كانت من إنجاز عالمنا د. أحمد زويل، مشروع البحث الذى به حصل على جائزة نوبل. هو بإختصار تحقيق حلم للعلماء طال إنتظاره منذ نشأة الكيمياء أو تفكير الإنسان فى ماهية المادة. فقد جرت الكيمياء مجرى مقولة الكلاميين فى "الإستدلال على الغائب بالشاهد"، لأن لا أحد يستطيع أن يرى التفاعل الكيميائى أو تركيب الذرة النظرى المعلق على التجربة للإعتقاد فيه. أخيرا مع مدرسة د. زويل البحثية بالفيمتوكيمسترى "FemtoChemistry" (التصوير السريع، إلتقاط صورة كل فيمتو من الثانية، 10 أس ناقص 15) يستطيع الإنسان الآن أن يرى الذرات والجزيئات والتفاعل الكيميائى، ما يساعد أكثر فى كيمياء الجينات أو البيوتكنولجى والتطور الصناعى، والتحقق من النظر العلمى. هى طفرة علمية فى إستكناه جوهر الأشياء. "ما بعد الحداثة" إحدى الفلسفات الحديثة تعول الوجود والفائدة (رأسمالية) فقط على كل شئ قابل للنسخ، (نسخ ولصق، أو كوبى وبيست، بلغة الحاسوب) أو كأنها إعادة لذهنية أرسطية معرفية مبرمجة ماديا. نقدها الكثيرون منهم الكنيسة التى رأت فيها الكفر.إعتبارات العلم ومنجزاته تشكل الفلسفات وتؤثر فيها، قديمها وحديثها، أهل الفلسفة لهم الباع الأكبر فى هذا الشأن.
      بهذا المنظور، إين رشد إذن كان علميا أكثر من أرسطو وهو السبب الذى جعل العقل الغربى فى العصور الوسطى رغم تخلفه ومحدوديته، جعله يعتقد فى صدق مقولاته بصرف النظر عن التأويلات التى طرأت فيما بعد. لقد كانت مقولات أرسطو والفلسفة اليونانية فى الأدراج لم يكن لها تأثير يذكر على الحياة اليومية بسبب الإنفصال الزمنى قيد المقال، وبسبب التسلط الكنسى على العلم سواء. علمية ابن رشد ومواكبته العصر جعل الغرب يعتقد فيه لمجابهة جبروت الكنيسة وطغيانها على العلم والعلماء، وقوفها فى طريق التقدم العلمى بإسم الدين. لم يكن أكثر علميا فقط بل كانت فلسفته نابعة من إعتقاد بأن  خالق هذا الكون المادى هو الله سبحانه وتعالى، فربط بين المادى والدينى، بين البرهان والإيمان، لم يفصل بينهما كما ذكرنا ولكن وحد بينهما فى العقل كعقل خالص مستقل عن الإيمان، وفى العقل إذا ثبت الإيمان بناء عليه. ووحد بينهما فى الوجود الموضوعى بصرف النظر عما نعرفه عنه. أن تكون عالما مؤمنا هو مطلوب الإسلام، وأن تكون عالما بلا إيمان فهذا وارد من منطلق حرية العقيدة، أحد عناصر العلمانية المبنى على معطيات الدين الإسلامى الحنيف. قوله تعالى:

* وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا * (الإسراء: 15)
فيه هذا المعنى، العلم بمعنى المعرفة هو أساس الحساب، الثواب والعقاب. هذه الموضوعية فى المعرفة والفلسفة وضع أسسها عالم إسلامى آخر هو الإمام الشافعى، وبها وجد الفلاسفة حلا لإشكالية العلاقة بين الجوهر والمظهر، بين المضمون والشكل والتى مازالت الحرب الفلسفية تتناوله بلا قرار، أهل الفلسفة أقدر على فصل المقال. لنا مشاركة فى هذا الموضوع فى هذه المدونة،
 المضمون والشكل فى المنهج والمنظور الإسلامى.
      العلمانية إذن أسس لها إبن رشد بطريقة فلسفية يفهمها الغرب بعيدا عن النصوص الدينية وفى سياق فلسفة يونانية، لكنها فى الأصل بنيت على مبادئ الإسلام فى حرية العقيدة وأن الدين وثيقة إيمان بين العبد وربه، وأن العقل البرهانى مستقل عن الإيمان سابق عليه ومطلوب له. ليس من إزدواجية كما سطر عقبة زيدان، وهو أيضا ما فهمه الغرب بأنه فصل بين الدين والدولة، أو هكذا صيغ فى العلمانية الغربية. أو كأنه قيل أن الرب يقطن فى السماء أو الكنيسة، ودعنا نعمل بالعلم، ترجمة سيئة للمفهوم الإسلامى بأن التدين عقد بين العبد وربه وليس لنا شأن به وليس له شأن بالحياة اليومية، لكنها أثمرت مع المسيحية وكنيسة الظلام ثم بنيت عليها حرية الأديان فى العلمانية. ذلك هو الإلتباس القائم بين المتدينين والمنظرين، وبين المتحجرين وواقع التقدم العلمى فى فهمهم للعلمانية. أما الغرب منذئذ لا يستطيع أن يشهر إسلامه حفظا لماء وجه الكنيسة، حكمة الله فى خلقه، وما زال منذ بدايات النهضة الأوروبية ينظر فى مستجدات ومصادر إجتهادات العقل المسلم خلسة وجحودا، كما يفعل إستعمارا لبلاد المسلمين وسرقة ثرواتهم، ومنها
 هذه المدونة . ألم تر أن سبينوزا Spinoza الذى طرده المعبد اليهودى وأحد أساطين العلمانية والتنوير فى النهضة الأوروبية كان ارتواؤه من إبن عربى رحمه الله؟ على هذه المدونة قراءة أكثر على ابن رشد.
      هل يمكننا القول بأن الغرب يعيش بالإسلام منذ إبن رشد وإلى الآن؟ هذه مقولة الإمام محمد عبده رحمه الله ونحن معها على طول الخط. وجهة نظرنا أن إبن رشد برئ من الفصل بين الدين والدولة وإن كانت فلسفته قد أتخذت أساسا للعلمانية، وقد قلب المجن على رأس كنيسة الظلام، بالعقل وبالإسلام، العقل والنقل. قال جلت حكمته:

* يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا * (النساء: 174)
ألا ترى أن البرهان هو نبراس العقل إلى الإيمان بالنور المنزل من الخالق البارئ المصور، والتنوير كذلك؟. فكيف ينفصل العقل البرهانى عن العقل الإيمانى؟ فى تقديرنا هذا هو مدرك إبن رشد من كلام الله جل وعلا.

والله أعلم، هو ولى التوفيق.
 
-----------------------------