ليلة القدر، وثنائية الكيف والكم الزمانية.

منهاجيات: 
بسم الله الرحمن الرحيم:
 
* إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ‌* وَمَا أَدْرَ‌اكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ‌لَيْلَةُ الْقَدْرِ‌ خَيْرٌ‌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ‌* تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّ‌وحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَ‌بِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ‌* سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ‌* (القدر)
ذكر تعالى " لَيْلَةُ الْقَدْرِ" ثلاث مرات إشارة للمنهاج والمثانى بالتالى. الكيف والكم ثنائية من السبع المثانى، تتصف بما سبق أن إستدللنا عليه فى الرمضانية السابقة من التلازم بين عنصريها أو طرفيها. ليس من كم بلا كيف وإن فى الوحدة، ومتى إتصف الشئ بالكيف كان تحته كم وإن فى الوحدة، ومن ذلك التمييز فى الحساب. لا ينفكان ولا ينفصمان وجودا وعدما. ومن حيث أنها من السبع المثانى فيخضع لها كل ما فى الوجود، كلية من كليات الوجود، الصفة الأولى فى السبع المثانى، الصفة الثانية التلازم.
      أدلة الثنائية فى الذكر الحكيم متكاثرة تناولناها من قبل منها قوله الحكيم العليم:
* كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّـهِ وَاللَّـهُ مَعَ الصَّابِرِينَ * ﴿البقرة: 249﴾
وقوله:
* يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ ۚ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ * (الأنفال: 65)
الإستدلال فى الأولى جاء بالكيف وفى الثانية بالكم. وفى كل جاء الدليل معبرا عن الثنائية منفردا فى نفس الآية فالقطع به.
      المعروف والمعلوم والمتداول أن الكيف والكم فى الأشياء المادية، لكن هنا من معجزات القرآن الكريم ثنائية الكيف والكم فى الزمن وما أثراها فى العبر. أن ليلة القدر خير من ألف شهر مثل ما جاء مقارنة فى آية الأنفال عشرون ومائتين، ثم مائة وألفا. من اليسير أن تستدل على الأشياء كيفا وكما، أما الزمن فمختلف أن تركز الأعمال فى الزمن فيكون الكيف المشهود، لا تضييع للوقت ولا إهدار. كيف الزمن يأتى من جهة الأعمال. ألا ترى أن الناس تحتفل بالمناسبات وهى أيام فيها الكيف الزمنى مثل ميلاد النبى صلى الله عليه وسلم أو الثورات وأعياد الإستقلال؟ فكانت أيام المناسبات دليل على الكيف الزمنى الذى جاء به القرآن وقال فيه العزيز العليم:
*  قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّـهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ ۖ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ * (المائدة: 114)
العيد المناسبة بالكيف يوم أن ينزل الله المائدة من السماء، التى هى آية معجزة من آياته جل وعلا، فكان يومها عيدا، الكيف الزمنى.
      فى ليلة القدر أنزل القرآن الكريم على رسول العالمين صلى الله عليه وسلم، رسالة ربانية غيرت وجه العالم. من  ذلك الكيف فى ليلة القدر، التى هى  خير من ألف شهر خالية من الإنجازات والأعمال الصاحات أو قل فيها منها، ينشر الإيمان بالخالق جل شأنه والعدالة والمحبة والتراحم والسلام بين البشر، وينذر الناس ويبشرهم بيوم الميعاد. منه كان الكيف الزمنى فيما حدث تلك الليلة وذلك الزمن المجيد على التحديد. العبرة فى الثنائية الزمنية متكاثرة أن يتدبر الناس أمور دنياهم بحيث أنهم يستثمرون أوقاتهم فيما فيه فائدة وأعمال صالحات.
      الإستدلال على المنهاج فى الآيات الكريمة فى تكرار "لَيْلَةُ الْقَدْرِ‌" ثلاث مرات، ما يعطى الليلة المباركة قيمة أكبر، وفيه المثانى التى منها ثنائية الكيف والكم. وفى الآيات الكريمة إستدلالا على شريعة الله بقوله: "أَمْرٍ‌"، من كل أمر الأمر والنهى، الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فكل أمر شرعى. فكان ما أنزل فى تلك الليلة المباركة هو شرعة الله ومنهاجه، وفى ذلك الكيف الأولى،  وفى ذلك ثناء الرحمن الرحيم بقوله: "وَمَا أَدْرَ‌اكَ".
 ليلة القدر أثنى عليها المولى عز وجل فى مقام ثان فقال:
* إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَ‌كَةٍ ۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِ‌ينَ * فِيهَا يُفْرَ‌قُ كُلُّ أَمْرٍ‌ حَكِيمٍ * أَمْرً‌ا مِّنْ عِندِنَا ۚ إِنَّا كُنَّا مُرْ‌سِلِينَ * رَ‌حْمَةً مِّن رَّ‌بِّكَ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * (الدخان: 3 - 6)
كرر قوله: "أَمْرٍ‌" مرتين فإكتملت الثلاثة أدلة المطلوبة فى المنهاج، ولأنها متباعدة وليست قريبة مثل أن تكون فى نفس الآية أو السياق أو السورة، فإن الفرض والتكليف فيها أضعف من الأمر فى محكمات الشرعة، وكان التكليف فى المنهاج على الكفاية لا العين، فرض كفاية لا فرض عين، سبق. والله أعلم.
      ليلة مباركة فقد تنزلت فيها الملائكة، ويما أنزل فيها وما إحتواه من حكمة تفرق بين الطيب والخبيث وتضع الحدود بين الحق والباطل، فيسود العدل بين عباد الله المؤمنين. لأن التكرار من المتشابه فليس الفرقان المقصود فى الليلة بذاتها إنما ما أنزل فيها، القرآن الكريم، عند ذلك سمى بالفرقان. وهى ليلة مباركة بتلك الحكمة التى تشتمل مما تشتمل عليه المنهاج والرحمة بالعباد، قوله "رَ‌حْمَةً مِّن رَّ‌بِّكَ".
      جاءت التثنية فى ثنائية الكيف والكم الزمنية فى سورة الحج، وقوله الغفور الرحيم:

* وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ اللَّـهُ وَعْدَهُ ۚ وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَ‌بِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ * (الحج: 47)

      والله أعلم.
      كل عام وأنتم فى خير وسلام، بوركتم فى الليلة المباركة بإذنه تعالى سميع عليم.
-----------------------------
 
 

Add new comment