قبس من كتاب "إشراق المنهاج" (4).
قبس من كتاب "إشراق المنهاج" (4).
بسم الله الرحمن الرحيم
الفوائد
يحسن في نهاية الكتاب أن نشير في الفوائد إلى أهم القضايا التى تناولها ضمن قضيته الرئيسية، قضية المنهاج:
۞ فمنها قضية العقل وسبل إستدلاله، ربما تلبيةً وربما مشاركةً وربما رداً جزئياً على النداءات التى تصاعدت هنا وهناك لإصلاحه، مُعـوِّلة في ذلك على التخلف الذى نبت في أرض لم تُخَصَّب في العقل بالدرجة المطلوبة لحمل عبء التخلف وأمانة الاستخلاف والإرتقاء بالبشر. في تصورنا أن قضيته ليست موقوفة على الموقف تجاه الآخر، إنما هى في الأساس تتمثل في منهجه الفكرى وأدواته في الاستدلال، وهى المقومات التى إنتصب بها راجحاً ناضجاً معافاً مبرءاً من الزلل إلى حـد كبير إبّان عصور النهضة التى مرت بها البشرية عموماً والعالم الإسلامى والوطن العربى خصوصاً. إنها مسألة نسبية، لا تنطفىء مع النظر فيها مصابيح الأصول، ولا تتغبَّش حيالها رؤيا الواقع، ولا يعز مع الإرادة فيها إشعال قناديل للمستقبل، لافتقار البلاد مع التخلف إلى تربية عقلية قويمة. نحسب أن هذه القضية تجوب الكتاب من البداية إلى النهاية، يكتنفها التبسيط بقدر الإمكان دون إخلال بالمضمون المبتغى ودون تخطى للإختصاص في العلم.
۞ ومنها قضية الاتفاق بين العقل والنقل، وقد أثْرت التراث "الكلامى" على قدر ما تحصل عصره بحثها من العلم. فإذا كانت قد بلغت أوجها حين تداخلت معطيات النقل مع منجزات العقل اليونانى إبان عصر النهضة الإسلامية، فإن الحاجة ملحة في العصر التكنولوجى لإثبات عدم التعارض بينهما وإلا تخلف النقل فى مبضعه عن منتهاه في خاتمية الرسالة وعن غرض التنزيل. المنهج الذى سار عليه الكتاب في هذا الصدد لم يغفل هذه القضية وأثبت في مواضع كثيرة منه التناغم بين العقل والنقل، العقل ممثلاً في نتاجه العلمى البحت وإن لم يغطه كله فلا يسعه كتاب أو مجلدات. هنا رد مسبق على الذين يرومون الإتهام بإسقاط النظريات والفروض العلمية الطبيعية على النصوص الدينية وتحميل الأخيرة ما لا تحتمل من الأولى. كل همنا التعامل مع أكنة القرآن بمعاول قرآنية لا وضعية، وإن كان تضمين الأخيرة بهدف التبيين وتحرير المصطلح. كيف وسبحانه هو الخلاق العليم الخبير بملكوته فى السماوات وفى الأرض، قال في كتابه العزيز:
﴿ مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ﴾، وقال: ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ ﴾، وقال: ﴿ وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾، وقال: ﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، وقال: ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ ﴾، وقال: ﴿ إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ ۖ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ ﴾، وقال: ﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾.
۞ ومنها قضية المتشابه التى تتعلق بالقضية الأولى. فعلى قدر ما بحث المتقدمون والمتأخرون في التأويل سواء في الشريعـة وأصولها أو العقيدة وكلامها وفي المجاز بلاغة وبديعاً وبياناً، فإن أحداً على قدر علمنا لم يتفق له أن يحدد أين المتشابه أو ما هو المتشابه على كماله، ثم رتب على هذا التعيين المقاصد الأصلية له في القرآن الكريم جميعه، اللهم إلاَّ فوائده للعقل من حيث الاستدلال. لقد غلطوا فى مقاصده العقيدية التى أودت بالمتكلمين إلى فتن كثيرة كثرت معها مناطات التكفير التى لا نعدم ذيولها في الوقت الراهن إرهاباً بأسلحة متنوعة. ليست مقاصد المتشابه تقتصر على هذين الأمرين، الشرعة والإعتقاد وإلاَّ الجور على المنهاج وعلى مفهوم خاتمية الرسالة المحمدية. هذا المفهوم الذى له جوانب متعددة منها عدم التفريط زماناً ومكاناً، وقد بحث بطرائق مختلفة، ومنها آيات الإعجاز الإلهى التى لا ينضب معينها - في علم الله - طالما أن هناك على البسيطة من لم يؤمن بالرسالة. ما هو التعضيد الإلهى للأنبياء والرسل، عليهم الصلاة والسلام، والداعين إلى الإسلام فى نور الله، ما كان بحثنا فيه وتركيزنا عليه.
الثابت والمستقر والمجمع عليه هو المعجزات. مع خاتم الرسل والأنبياء، ﷺ، فمن المنتظر للوحى أن يحتوى على مناطات للإعجاز المستمر، وهو مع إنقطاع الوحى ينصب أساساً على منتج العقل العلمى الذى به يغتر الإنسان ويفترى، وبه يتعذر الإمتثال للدعوة الإيمانية فيحسب قدرته على تسيير الكون بعلمه وقدراته التقنية، قوله تعالى:
﴿ حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا ﴾
[يونس:24]
ما أولاه المسلمون مؤخراً إهتمامهم ولكن مع الافتقار إلى القواعد التى تعصمه من الزلل في العقيدة أو النيل من أصل الاتفاق بين العقل والنقل. لقد إحتوى الكتاب على جانب من بحر هذه القضية مؤملين به جلب مصلحة أو درء مفسدة عن الإسلام وعن العالم بأسره.
۞ ومنها قضية التأويل التى ترتبط إرتباطاً وثيقاً بسابقتيها. ما قصُر عنه الفكر الإسلامى في قضية المتشابه إلى درجة أن قال بعض النظار أن لا قبل للعقل به، ما يترتب عليه إسقاط التكليف فيه. هذا القصور نتج أصلاً - في تقديرنا - من القصور في أدوات التأويل. ما تناولـه الكتاب في هذه القضية قابل للبحث والإثبات والنفى، لكنا نحسبه يفتح أبواباً جديدة ربما تكشفت معها سبل التقنين أو التقعيد المفتقرة فيها، خاصة مسألة الربط بين المتشابه والمجاز في عمومه. فإذا كان المحكم من آيات الكتاب العزيز يعنى خلوها من المجاز، وقد قسم سبحانـه وتعالى الآيات إلى محكم ومتشابه، فقد سكن المتشابه بديهياً في المجاز بأنواعه المختلفة. لكن أحداً - على قدر إطلاعنا في الموضوع وبحثه - لم يقل أن المتشابه هو المجاز الذى هو مبدئيا غير محكم لغويا نحواً كان أم بلاغة، إلا قلة قليلة من العلماء قاربت المنشود. في غالبية الأمر قصر تعريفه على "الشبه" في المنطوق. وربما دل الاشتقاق اللغوى للألفاظ على الإرتباط بينهما في نوع معين هو"التشبيه" البلاغى من المجاز. وما قال أحد أن التكرار في الذكر الحكيم من المجاز فمتشابه بالضرورة، وهو التكرار الذى طال مسائل شرعية قطعية كثيرة مثل ميراث الذكر والأنثى، مبنية على وحدة الدليل في التكليف.
مع أن هناك من النظار من نفى إحتواء القرآن على المجاز فإنه لم يستطع نفى إحتوائه على المتشابه، وقد أصبح الأمر مستقراً على ثبوت كليهما منطوقا وعقلا. وبالرغم من البحوث العديدة التى تناولت المجاز في القرآن فإن أحداً أيضاً - على قدر علمنا - لم يضع يده على الشاهـد (الدليل) اللازم للتأويل في كل حالة من حالاته، مع ضخامة المسعى، كذلك بالرغم من طلبه على أيدى علماء معتبرين مثل الإمام الشاطبى، وإن تأوّل الكثيرون المجاز على حقيقته اللغوية، لا حقيقة مقاصده ومعانيه ومفاهيمه من جهة التكليف ومن جهة عدم التفريط أو من جهة الإعجاز مع تداخلهما. لقد إحتوى الكتاب على أمثلة في هذا الصدد ربما ساعدت في تخطى هذه العقبة الكئود التى واجهت العقل المسلم إلى وقتنا الراهن، مع الحساسية التى فرضتها نصوص القرآن تجاه المتشابه الذى غلفه سبحانه في أكنة صعب اقتحامها وأدت إلى الخوف من الزيغ في تأويله. ولله حكمته في ذلك.
۞ ومنها قضية الإعجاز العلمى في القرآن مترتبة على ما سبق من قضايا. وهى القضية الشائكة الساخنة على ساحة الفكر الإسلامى الآن والتى قاربت في تخومها كما ذكرنا، تخوم التكفير في علم الكلام. نظرتنا لهذه القضية من زاوية الإعجاز الإلهى على المثانى. فكما ثبت بالأمية وقد حمله في ذلك الصادق الأمين، ﷺ، في زمن الوحى، فمطلوب دائماً إثباته بالعلم يحمله في ذلك الراسخون في العلم بمفهوم خاتمية الرسالية من جهة الكشف لا الإعجاز نفسه فيما نقصد، فهناك فرق. لذا كان العلماء ورثة الأنبياء كما جاء في الحديث الشريف. وكان الإعجاز على المثانى: بالأمية والعلم، وبالفرد والمجتمع. وكيف تكون الأمانة مع الراسخين في العلم دون أن يتقفّوا في هذا السبيل سبيل العلم ومنهجه وهو القاعدة أو القانون إبتداءاً؟ من الواضح جليا أن قضية الإعجاز مبنية على قضية المتشابه المبنية على قضية التأويل، فكيف تكون ثمرة والعود لم ينضج بعد؟
۞ ومنها قضية إسهامات العلم الإسلامى فى تأسيس النهضة الأوروبية، التى وصفناها بالخرسانة المسلحة للعلم الحديث لا تقتصر على عصر النهضة وحده. لقد أجريت فى هذا الصدد بحوث عدة لكنها إنحصرت في النصوص البينة والمعلومة المتاحة، تفتقر إلى المنهج المقارن. تلك الإسهامات لا تقتصر على مجال العلم التجريبى كالبصريات عند ابن الهيثم، إنما فى الأساس هى المنهجيات العلمية التى ما زال العلم يقتفيها ويطبقها إلى الآن، مثل الاحتمال وفرض الفروض والتجريب كمنهج، والبرهان على الغائب بالشاهد والجدل والتنوير، ما يدعى الغرب امتلاك حقيقته. هذه القضية أيضا تلف الكتاب من بدايته إلى نهايته، ضمنها المقارنة بين الغزالى وهيجل في الجدل. تحتاج القضية إلى عناية أكثر وبحوث إضافية مستفيضة.
۞ ومنها الجدية في البحث، أنه ما من بحث جاد أو إجتهاد إلاَّ ولـه فوائده حاضراً أو مستقبلاً كقاعدة علمية، وإلاَّ العبث. ربما إحتملت الفوائد الإيجاب وربما إحتملت السلب. لتقرير ذلك فقد إهتم مضمون الكتاب بطرح منهج نقدى على أسس منهاجية. مضمونه هذا المثال الذى تناولـه الكثيرون من قبل وما زالت قضيته في الساحة، أعنى قضية د. نصر أبوزيد وفكره. فكما قلنا في المقدمة أن بحثنا في فكره هو من جهة أنه مثال تطبيقى وإن كان المثل السوء، يستتبع ذلك اتباع منهج نقدى نعتقد أن ساحة الفكر مفتقرة إليه، وهو منهج الكتاب في النقد على المثانى على ما قرأت. فكل منهج نقدى، أو نقد في حد ذاته، يترتب عليه حكم بنوعية ما على موضوع النقد بالاستقراء والقياس على القاعدة العلمية أو المثال، شكلاً ومضموناً، وسيلةً وغايةً، كيفاً وكماً، تحليلاً وتركيباً، إبداعاً وإمتثالاً، نظرياً وتطبيقياً، إلى آخر ما يتلاءم وموضوع النقد. لهذا فقد إحتوى الكتاب على بعض من هذه الأحكام الفجة ليست هى الحكم الفيصل على فكر الزميل. النقد لم يتناول كل أعماله ولا كل منهجياته، كما أن مضمون الكتاب لم يقتصر على هذا النقد. إنما الحكم كان على الجزئية موضوع النقد فقط وهى الجدل لا يتعداها إلى غيرها. ما تناولـه الكتاب من منهجيات ليس إنتقاءاً عشوائياً، إنما ما يتفق وموضوع الكتاب.
۞ ومنها مسألة "التنوير". فما أخذ النقد على العقل ومساراته في العقود الأخيرة لا يعدو أن يكون تعبيراً عن عصر من الظلام، واكب منطقيا عصراً من التخلف منذ الإنحسار في الأندلس أذياله ممتدة إلى الآن، فاتته سبل التنوير التي بها نهضت أوروبا والتي كان جلها منبتا إسلاميا. نحسب أن هذا الكتاب قد طال مدركات التنوير بطرائق شتى إنبنت في الأساس على الكليات ومسالك الاستدلال، جوهر الكتاب ومضامينه نابعة من الذكر الحكيم الذى وصفه جل شأنه بقوله: ﴿ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ﴾، مقصد التنوير النقلى للعقلى.
۞ ومنها قضية "الغزو الفكرى"، وإن لم نعمد قصدها مباشرة. هى قضية مرتبطة بسابقتها كحالة نقدية. لمجابهة هذا المزعوم يتطلب الأمر "مَواقِع" بالتعبير المناسب له تكتيكياً. نقدر لهذا الكتاب أن يكون موضوعه إحدى هذه المواقع. لقد سأل سائل غيور بما معناه: الفكر بحر واسع وإتصاله بالآخر عبر الأثير العلمى الثقافى الذى لا مفر منه، بل هو مطلوب بضرورة التخلف، يتطلب مع هذا التعبير "الغزو" التمييز بين ما هو "أصيل" بمعنى المناسبـة أو النفع لأحوالنا، بتعبير آخر ما هو "الطيب"، وبين ما هو "دخيل" بمعنى عدم المناسبة أو الضرر لأوطاننا، بالتعبير الآخر ما هو "الخبيث"؟ فهل تجد سبيلا لأن تضع على الخبيث أعلام وشارات الجيوش الأعداء في هذا الغزو؟ هو هذا السؤال المهم حقيقة الذى تفوق أهميته كل ما طرح من أسئلة لإرتباطه الوثيق بأمن البلاد وتحضرها طالما أن هناك ما يطلق عليه "غزو"، مناطه العقول. لقد قيل - كما ذكرنا - على نفس الوتيرة أن الحرب الحديثة "حجة"، ما يتماشى تماماً مع هذا الموسوم "بالغزو الفكرى". حينئذ يصبح السؤال الملح المترتب على سابقه هو: ما هى "الحجة الأصيلة" وما هى "الحجة الدخيلة"؟ إجابة هذا السؤال من الواجب أن تنتصب لها كل العقول المؤهلة لذلك. بل لا نطرح خيالاً ولا نتجنى على الواقع إذا أمَّلنا أن يكون هناك تنظيم ما أو مؤسسة ما تطلع أو يسند إليها هذا الأمر، التمييز أو الفرز.
لكنك لا تستطيع هذا التمييز أو الفرز دون أن تكون لديك قاعدة نقديـة، ما أسلفناه، هى بالضرورة منهاجية في مقامنا. فمحتوى المنهاج حجة وإن شئت تقريباً قلت حكمة، كما هو قولك أن التوازن بين "الفرد والمجتمع" من المنهاج وهو حكمة وهو حجة. حجة من جهة الأصيل ضد المزعوم بالدخيل فكراً وعملاً. ترى أيضاً أن هذا الفرز أو التمييز هو من أدوات العقل الاستدلالية، أدواته الفكرية، فلزمك لإتيان الحجة على تمامها من جهة النفاذ والفاعلية الإرتفاع بقدرات العقل الاستدلالية، فنحيلك بذلك إلى القضية الأولى وما تتطلبه في المنهاج من قضايا لاحقة.
هذا النظر رغم رجاحته وصوابه فيما يتراءى لنا مما طرح منه هنا وهناك، وربما تراءى لك أيضاً بالمثل، يعد من العبث أو أضعف الإيمان الرياضة العقلية فيما لو لم يمتثل له الواقع. فيترتب على ذلك سؤال ثالث على نفس الدرجة من الأهمية: كيف السبيل أو الوسيلة إلى تجسيد الواقع بهذا المثال وتطبيقه؟
لقد أصاب وزير التربية والتعليم في مصر حين قال بأن التربية والتعليم هى" قضية أمنية للبلاد" (لك أو عليك)، مقتفياً في ذلك أثر طه حسين (*). لكن وزارته وأجهزة الدولة عجزت عن مجابهة آفة من آفاته مثل الدروس الخصوصية، التى هى آفة تندرج لبادى النظر تحت عنوان "الغزو" في بند العلم أو التربية أو التنمية البشرية والاقتصاد سواء. فيأتى السؤال الرابع والأخير: هل تقاعست الدولة عن حماية أمن البلاد "بالعلم" رغم إدراك هذا الأمر منذ الإنحسار في الأندلس إلى وقتنا الحاضر حيث موقع مصر مثلاً بالنسبة للتنمية البشرية هو 134 (مائة وأربع وعشرون) بين دول العالم ال 137 في تقرير دولى؟ ليس في هذا الكتاب كل الإجابـة المطلوبة ولا ندعيها. فإن أردناها شافية وافية صافية عدنا بالموضوع برمته إلى أسباب التخلف التى لا تنفك عن العلم، ولا ينفك العلم عن العقل، ولا العقل عن المنهاج، ولا المنهاج عن الأصول، ولا الأصول عن الرسالة الخاتمة، فنذكر قوله تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾
[المائدة: 35]
ورد لفظ "الوسيلة" في القرآن الكريم مرتين فقط. إشارة للمثانى.
ثم نذكر قوله جلت قدرته:
﴿ وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا 🔆 وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ ۖفَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا 🔆 وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا ﴾ ]الجن: 8-10[
ألا ترى في قولـه تعالى وصفاً دقيقاً لحال العالم اليوم في الفضاء من أقمار تجسس، أى تسمع وتصنت، وأقمار إعلام جاز معها "الغزو"، وحرب نجوم وإجراءات أمنية هى قمة العلم في العالم اليوم؟ ثم ألا ترى في تعبير "لمسنا" السماء هذا مجازاً عجَباً، تعبير تكنولوجى عن إدارة التحكم الآلى باللمس: " Touch Pannel Control "، فتجوب السماء لتقطع الأرض من أقصاها لأقصاها عبر الأقمار ربما بلمسة واحدة، لإصدار الأمر أو البحث عن معلومة، سراً أو جهراً؟ فالسماء لا تلمس، إنما ما تجوب به السماء فتجد أنها كما في قوله تعالى: ﴿ مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا ﴾، الشهب هنا في محل الأقمار الصناعية حديثا. قال عقبه جل علمه:
﴿ وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَٰلِكَ ۖ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا 🔆 وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن نُّعْجِزَ اللَّـهَ فِي الْأَرْضِ وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَبًا 🔆 وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَىٰ آمَنَّا بِهِ ۖ فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا 🔆 وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ ۖ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَـٰئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا ﴾
في سياق السورة كُرر الرشاد مثنى، وكرر الشهاب مثنى بإشارة ثنائية "المجتمع والفرد": شهباً وشهاباً، بالإضافة لأدلة أخرى على المثانى والتقابل فيها، فالتبيين للمثانى المنهاجية على أنها الرشاد في عصر الفضاء. والله أعلم.
۞ ومنها قضية المنهاج، القضية الرئيسية. فمع أن القرآن الكريم قد نص عليه هو والشرعة في آية واحدة، فإنه لم يحز من البحوث ما حازته الأخيرة. هذه القضية تشتمل في عموم مفهومها على كل القضايا المطروحـة بالإضافة إلى البحث في المنهاج نفسه، عصب الكتاب ومنتهاه، وإن لم يتناولـه تفصيلاً. توجه البحث إلى أساسيات منهاج المثانى الذى نحسبه كما ذكرنا، يخط المستقبل. ومنه نرجح أن قوله تعالى:
﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ﴾ ]الحجر: 87[
مقصود به سبع من مثانى المنهاج هذه، ما كان فيه بحثنا، وما يتطلب بحوثا جمه ومستفيضة لانجازه واثباته، تأصيله وتقنينه. هى المقصودة فى قوله جلت حكمته:
﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ﴾ ]المائدة: 48[
فمثلما بنيت الشرعة على "خمس" هى الحفاظ على: الدين والعقل والنفس والنسل والمال، فالمنهاج ينبنى على "سبع" من المثانى. إلا أنه يجب الإستدراك بأن ما كان بحثنا فيه عن المثانى ليس هو كل المطلوب في المنهاج. فله أبواب إثنا عشر من قوله تعالى:
﴿ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ ۖ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ۖ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ ﴾ ] البقرة: 60[
فيها شبّه سبحانه المتشابه بالحجر وأبواب المنهاج بالأعين وموضوع كل باب بمشربهم، لتغطى كل مجالات المنهاج في الحياة. تلك هي المعضلة الماثلة في متشابه القرآن لم نتوفر عل مسلك ناجع لها إلى الآن، وإن كانت هناك فكرة فجة لا تفى بالمطلوب كما سبق شرحه، ربما تناولناها فيما يلى من أجزاء الكتاب إذا أراد جلت قدرته، ما يتطلب بحوثا شتى لعلماء على تنوع فروع العلم الإسلامي، المنهاج والأصول والعقيدة واللغة في مقدمتها. وعلى الله قصد السبيل.
************ ************
قال المولى العليم الحكيم على المثانى:
﴿ يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّـهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّـهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ﴾
]التوبة: 32[
﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّـهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّـهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ﴾ ]الصف: 8[
إرادته حق ، وكلمته صدق، البارى جل ثناؤه.
(*) قال طه حسين في الثلاثينات: "وليست حاجة الشعب إلى التعليم الصالح بأقل من حاجته إلى الدفاع الوطنى المتين . فالشعب ليس معرضاً للخطر الذى يأتيه من خارج حين يغير عليه الأجنبى الطامع فحسب، ولكنه معرض للخطر الذى يأتيه من داخل حين يفتك الجهل بأخلاقه ومرافقه، ويجعله عبداً للأجنبى المتفوق عليه في العلم ". ( "مستقبل الثقافة في مصر" ص 163 ، مشار إليه)
- 7 views