إعجاز:

آية الطير في الفاتيكان / 4 / الطير المسلمة تقصف المشركين والنسخ.

آية الطير في الفاتيكان / 4 / الطير المسلمة تقصف المشركين والنسخ.

By المنهاج | 5:25 PM EEST, Sat August 01, 2026

آية الطير في الفاتيكان / 4 / الطير المسلمة تقصف المشركين والنسخ.

      

نأتي للإعجاز بين أيدينا ومثال ساطع لا برهان له إلا أن تكون رسالة إلهية. في سورة الفيل، والتي تحكى قصة أصحاب الفيل النصارى وزعيمهم "أبرهة"، حينما أرادوا هدم الكعبة المشرفة، فأرسل الله عليهم الطير بالحجارة تصدهم عن مأربهم وكيدهم، يقول العلى القدير:

* أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ *

      تأمل حال الطير في هذه القصة التي تشبه حال الهدهد مع سليمان، عليه السلام. قلنا في الجزء الثاني أن الهدهد قام بفعل وبدور طاعة لأمر الله، تمثل الفعل في قوله تعالى: "فَمَكَثَ" و "وَجِئْتُكَ". هنا أيضا حال الطير فاعل، قام بفعل وبدور طاعة لأمر الله في قوله عز وجل: "وَأَرْسَلَ". تمثل الفعل والدور في قوله: "تَرْمِيهِم"، عن قصد وإصرار من باب الطاعة، ثنائية "الاختيار والجبر" كما ذكر هناك. وكما ذكر أيضا أن الطير حباه الله بهذا الدور اصطفاءاً من بين جميع الحيوان، يحمل أمرا إلهيا لتنفيذه في وقت معلوم.

      وتأمل دليل المتشابه في الآية الكريمة، النص فيما نرى محكما إلى أن قال: "مِّن سِجِّيلٍ"، و"كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ". المجاز واضح في كليهما، فالحجارة لا تصنع ولا تأتى من "سجيل" الذي هو العذاب، دليل طبيعي، إنما هي أداة السجيل. مثله "كَعَصْفٍ"، التشبيه فيها مزدوج، الأول كاف التشبيه من الإعجاز العلمي كما سبق، ولا يحضرنا دليله على وجه يقيني، أقرب احتمالات المرجوح صناعة القنابل الذرية / النووية. التفجير يحدث عن طريق القذف بأنوية الذرات أو النيوترونات، معروف بأن فيها يتمركز ثقل الذرة، في محل قوله تعالى: "تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ ". التدمير الرهيب الذي تحدثه القنبلة في محل قوله: "كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ". أصحاب الصنعة لهم القول الفصل. والله أعلم.

الصورة توضح القاذف النووى (Gun + Bullet)،اللازم لتفجير القنبلة النووية.

Gun assembly: one piece of fissile uranium is fired at a fissile uranium target at the end of the weapon, similar to firing a bullet down a gun barrel, achieving critical mass when combined. Implosion: a fissile mass of either material (U-235, Pu-239, or a combination) is surrounded by high explosives that compress the mass, resulting in criticality. The implosion method can use either uranium or plutonium as fuel.>

المصدر: Wikipidia
-----------------------

      دليل المتشابه الثاني المجاز في تشبيه الكفار بعد الرمي بالحجارة بأنهم أصبحوا عصفا، غير جائز في اللغة - على قدر علمنا - ولا في الطبيعة، إنما الأرجح في التأويل أنهم أصبحوا كالمأكول الذي تعصف به الرياح، ما قال به المفسرون كما سنرى. فثبت المتشابه من عدة وجوه، ولزمه التأويل.

      الطير الأبابيل جاءت في جماعات وأفواج من جهات شتى ومن نوعيات مختلفة ترمى الكفار بالحجارة، كأنها جيش منظم على هدف واحد في وقت محدد لا تخطئه. من أقوال المفسرين،
الطبرى:

< حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: {طَيْراً أبابِيلَ} قال: يتبع بعضُها بعضاً. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: {أبابِيلَ} قال: هي شتى متتابعة مجتمعة.>
الشوكانى:

< {وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ} أي: أقاطيع يتبع بعضها بعضاً كالإبل المؤبلة. قال أبو عبيدة: {أبابيل} جماعات في تفرقة، يقال جاءت الخيل أبابيل، أي: جماعات من هٰهنا وهٰهنا. قال النحاس: وحقيقته أنها جماعات عظام، يقال فلان، توبل على فلان أي: تعظم عليه، وتكبر، وهو مشتق من الإبل، وهو من الجمع الذي لا واحد له.>

الرازى:

< السؤال الثاني: ما الأبابيل؟ الجواب: أما أهل اللغة قال أبو عبيدة: أبابيل جماعة في تفرقة، يقال: جاءت الخيل أبابيل أبابيل من ههنا وههنا ... وفي أمثالهم: ضغث على إبالة، وهي الحزمة الكبيرة سميت الجماعة من الطير في نظامها بالإبالة. >

الزمخشري:
في تأويل قوله: "سِجِّيلٍ"، أي ما يؤؤل إليه فعل رمى الحجارة: كأنه قيل: بحجارة من جملة العذاب المكتوب المدوّن، واشتقاقه من الإسجال وهو الإرسال؛ لأنّ العذاب موصوف بذلك، وأرسل عليهم طيراً.>
      قيل أيضا في "السجيل" أنه اسم واد في جهنم. كأنه قيل كتب عليهم عذاب نار جهنم. يؤكد ما توصلنا إليه من قبل في الجزء السابق من تأويل قوله جلت حكمته:

* قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ * (الأنعام: 65)

مرجعيته المحكمة كما ذكر قوله تعالى:

* فَبَعَثَ اللَّـهُ غُرَابًا *

في قوله: "يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ" غائب محذوف تقديره أداة العذاب، سبق. مصداقها مع الطير الأبابيل قوله: "سِجِّيلٍ". فثبتت صحة طريقة التأويل التي نتبعها في المنهاج تنبني أوليا على الاستقراء التام (تعبير الإمام الشاطبي)، إن صح التعبير. الثلاث آيات تفسر بعضها بعضا. وهو دليل ثان على عظم شبكة المعاني في المتشابه من الذكر الحكيم التي سبق التدليل عليها وقوله تعالى: "قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا..." الآية. والله هو الهادي إلى سواء السبيل، هو الأعلم.

الرازي: عن تأويل "العصف المأكول"، ما آل إليه حال أهل الفيل بعد أن بادرهم الطير بالحجارة:

< المسألة الأولى: ذكروا في تفسير العصف وجوهاً ذكرناها في قوله:

وَٱلْحَبُّ ذُو ٱلْعَصْفِ } [الرحمن:12]

وذكروا ههنا وجوهاً: أحدها: أنه ورق الزرع الذي يبقى في الأرض بعد الحصاد وتعصفه الرياح فتأكله المواشي. وثانيها: قال أبو مسلم: العصف التبن لقوله:

{ ذُو ٱلْعَصْفِ وَٱلرَّيْحَانُ } [الرحمن:12]

لأنه تعصف به الريح عند الذر فتفرقه عن الحب، وهو إذا كان مأكولاً فقد بطل ولا رجعة له ولا منعة فيه، وثالثها: قال الفراء: هو أطراف الزرع قبل أن يدرك السنبل. ورابعها: هو الحب الذي أكل لبه وبقي قشره.

المسألة الثانية: ذكروا في تفسير المأكول وجوهاً أحدها: أنه الذي أكل، وعلى هذا الوجه ففيه احتمالان، أحدهما: أن يكون المعنى كزرع وتبن قد أكلته الدواب، ثم ألقته روثاً، ثم يجف وتتفرق أجزاؤه، شبه تقطع أوصالهم بتفرق أجزاء الروث، إلا أن العبارة عنه جاءت على ما عليه آداب القرآن. >

      في القصة طير في جماعات متتالية، جاءت من هنا وهناك بلا تدبر بينها بالطبع إلا تدبير العلى القدير، تستهدف هدفا واحدا. الأعجب أنها مع تفرق المنبع، والنوع في الغالب، كانت متسلحة بنفس السلاح، الحجارة، كأنها جيش منظم يهاجم بتكتيك وبخطة محكمة، لا يسيره إلا خالق الكون ومدبره. في حالة طير الفاتيكان، جاء الطير من مكانين مختلفين ومن نوعين مختلفين على هدف واحد، ما لم يذكر في قصة أصحاب الفيل، هل كانت الطير من نوع واحد أم لا؟ لكن الرازي شدد على النكرة في "طَيْراً"، ما يحتمل أن تكون من أنواع مختلفة مثل الغراب والنورس في حالة الفاتيكان.

      السورة الكريمة بتفسيرها وتأويلها وجنود الله الطير والكعبة المشرفة، فيها ما يجعلنا نشبه الطير الغاضبة والبابا والفاتيكان بقصة الطير وأصحاب الفيل. تلك آية من آيات الله في الإعجاز، وهذه آية مثلها تحمل رسالة لبنى البشر. في ذلك مسألتان، الأولى خاتمية الرسالة المحمدية، أنها أولاً خاتمة لأنها جاءت كما قلنا من قبل وكما هو معروف عند الأصوليين، جاءت بكليات الشريعة قابلة للتطبيق في كل زمان ومكان وإن اختلفت الفروع على مر الزمان ومختلف المكان. وهي ثانياً خاتمة لأن بها المتشابهات التي تجمع أنباء الغيب إلى يوم البعث. وهي ثالثاً خاتمة لأن بها مضرب الأمثال التي تغطى حياة الناس منذ الأزل وإلى يوم يبعثون. وهي رابعاً خاتمة لأن فيها آيات من الإعجاز التي لا يفوتها ذرة في السماوات ولا في الأرض تفصيلا، تدلل على الخالق البارئ المصور ووحدانيته في كل زمان، مهما كان الناس معاجزين بالعلم على مر العصور. وهي خامساً خاتمة بمجمل أبواب المنهاج ومثانيه التي لها صفة الكليات كما في الشرعة، لا تضاهيها كليات في الوجود. وهي سادساً خاتمة لأن الله أمرنا بحفظها وصونها من التحريف لتسديد مجمل ما سبق. وهي سابعاً خاتمة نصا لأنها نزلت على خاتم الأنبياء، ولم ترد إشارة لنبي بعده مثلما جاء في الرسالتين السابقتين، إلا الراسخين في العلم الذين يحملون عبئ تأويله بعد هداه جل فضله، ضمن الطائفة التي خصها الله بالتفقه في الذين. قوله الحكيم العليم:

*  مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَـٰكِن رَّسُولَ اللَّـهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّـهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا * (الأحزاب: 40)

وقوله:

* وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّـهُ ۗوَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ * (آل عمران: 7)

وقوله:

* وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الذينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ * (التوبة: 122)

المسألة الثانية، الآيات المعجزات التي أيد الله بها رسله وأنبيائه، عليهم الصلاة والسلام، لا تعنى انقطاعها مع الزمان لقوله تعالى: "سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا..." الآية. وعندما تأتى آياته جلت قدرته حتى بعد انقطاع الوحي، فهي برهان على وحدانيته، وبرهان على صدق الرسالات السماوية جاءت بالحق، وبرهان على بعثة رسل الله وأنبيائه، خاصة محمد، عليه الصلاة والسلام، الذي نزلت عليه خاتمة الرسالات السماوية. كان يكفينا هذا الدليل للتدليل على الاستمرارية، لكنه تعالى شأنه أكد عليها في مواضع آخري تهمنا في هذا المقام. قال العليم الحكيم:

إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ * (الشعراء: 4)

المشيئة الإلهية مطلقة في الزمان والمكان، الآيات البينات المعجزات بلا قيود، منذ الأزل وإلى الأبد، مناطها المناسبة كأسباب التنزيل بمشيئته جلت قدرته.

وقال:

مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّـهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ *

                                                                                         (البقرة: 106)

وقال:

وَمَا نُرِيهِم مِّنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * (الزخرف: 48)

تناول المفسرون والفقهاء وأصحاب الأصول معنى "آية" على أنها آية نصية أو نقلية، أو التلاوة في المشهور، لكنا هنا نحملها على معنى آية من المعجزات. لا يكون هذا المعنى مستقيما مع هذا الاختلاف بيننا وبينهم إلا من طريق المتشابه. معظم من تناول النسخ كان يقول في الشرعة والعقيدة، وإن كان النسخ متعلقا بالحكم أو بالتلاوة أو كليهما معا، ومازالوا مختلفين عليه، حتى أنهم اختلفوا على النسخ أصلا. نحن لا نقول بنسخ في المتشابه، لأن التكرار مطلوب كدليل تأويل في المنهاج، سبق. ونتفق مع الرازي في معرض تفسيره للآية أن الدليل العقلي الذي يستلزمه التأويل لا يسوغ أن ينبني عليه نسخ، وهنا في المتشابه يلزم التأويل من ثم لا نسخ على هذا الوجه أيضا.

       إن كان من متشابه في الآية جاز حمل المعنى على الوجهين، أما إن كان محكما فليس من وجه إلا واحد. دليل المتشابه في عمومه هو المجاز والتشبيه بأدواته المختلفة. في الآية الكريمة مجاز في قوله تعالي: "نُنسِهَا"، وتشبيه في قوله: "مِثْلِهَا". الأخير واضح لا شبهة فيه، الأول بنوعية الخطاب، فإن كانت بمعنى أن الله يأمر بنسيانها أو يتسبب في نسيانها فهو باطل، فلا يكون النسيان إلا من الشيطان، لقوله تعالى:

* قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا * (الكهف: 63)

محكمه قول الحكيم العليم:

قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ ۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى (طه: 52) 

الله تعالى لا ينسى ولا يأمر بالنسيان، متفق عليه في الصفات بين المتكلمين من أهل السنة والجماعة. فثبت المتشابه، وجاز حمل المعنى على أنها آية من آيات الإعجاز.

      كيف يكون النسخ في آيات الإعجاز؟ لأول وهلة وظاهر القول أن ما حدث منها قد حدث ولا سبيل للنسخ، إلا الأثر أو الحكم إن كان. قال الإمام الطبري، رحمه الله، في تفسيره للآية:

< يعنـي جل ثناؤه بقوله: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ} إلـى غيره، فنبدله ونغيره. وذلك أن يحوّل الـحلال حراماً والـحرام حلالاً، والـمبـاح مـحظوراً والـمـحظور مبـاحاً ولا يكون ذلك إلا فـي الأمر والنهي والـحظر والإطلاق والـمنع والإبـاحة، فأما الأخبـار فلا يكون فـيها ناسخ ولا منسوخ.>

هذا بديهي، متفق عليه. فآيات الإعجاز ما وقع منها هي في عداد أنباء الغيب، خبر الماضي والمستقبل. النسخ في المعجزات يأتي من طريق الاقتران بين النسخ والنسيان، نسيان أنها في قديم الزمان ولم يعد لأثرها تأثير فيما بين أيدينا، الحاضر، أو زمان غير زمنها. فآية الإعجاز في الطير الأبابيل خبر لا سبيل لنسخه، أو تكذيبه، أو رفعه، أو محوه، إنما الأثر والتأثير هو الذي يقصد به النسخ، وتبقى الموعظة والحكمة منها مصونة ومحفوظة في الذكر الحكيم. حتى في هذه ربما لم تعد بالنفاذية المطلوبة في هذا العصر أو في عصر بعده. لقد أيد الله رسوله موسى، عليه السلام، بآية السحر، التي لم تعد تجدى لإثبات النبوة مع عيسى، عليه السلام، فأيده بأخرى أخير وأكبر منها هي إحياء الموتى، ثم نسخت هاتين وجيء بالإسراء والمعراج مع محمد، عليه الصلاة والسلام، أخير وأكبر من السحر ومن إحياء الموتى، لأنه مثال على يوم البعث حيث اجتمع بمن قبله من الرسل وصلى بهم ثابت في كتب الأحاديث، قوله تعالى:

سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ* (الإسراء: 1)

ستجد هذا الاطراد في معجزات النبوة مع كل الأنبياء والرسل، عليهم الصلاة والسلام، ما يستدل عليه من الذكر الحكيم، المعنى الأصيل للنسخ في الآية الكريمة. والله أعلم.

      من العلماء مثل الرازي من قال بأن ما يعتقد بأنه نسخ هو من قبيل التخصيص أو تقييد للمطلق. ذكر في تفسيره أن أبا مسلم أجرى النسخ على أنه بين الشرائع لا في ذات الآيات القرآنية، بين التوراة والإنجيل والقرآن. نسخ ما جاء من شرعة في التوراة بما جاء منها في الإنجيل، وما جاء في القرآن نسخ به ما جاء في الرسالتين السابقتين، مثل الصوم جاء فيه ما هو أخير من السابق، نفس المفهوم الزمنى عندنا، مع الفارق أنهم يقصدون الشرعة أو الاعتقاد ونحن نقصد المعجزات كباب من أبواب المنهاج. من جانبنا نتفق مع الذين قالوا بعدم النسخ إطلاقا في الذكر الحكيم، وما يتوهم من نسخ إما أنه من المتشابه فالزيغ في القلوب، وإما أنه محكم من قبيل التخصيص في الشرعة كما قال الرازي. الإمام الشاطبي، رحمه الله، في كتابه "الموافقات" (الجزء الثالث، المسألة الثالثة) بين ألاّ نسخ بإطلاق من عدة وجوه مثل إطلاق الناسخ على مقيد المطلق:
< وهذا المعنى جار في تقييد المطلق فإن المطلق متروك الظاهر مع مقيده فلا إعمال له في إطلاقه، بل المعمل هو المقيد. فكأن المطلق لم يفد مع مقيدة شيئا فصار مثل الناسخ والمنسوخ، وكذلك العام مع الخاص إذ كان ظاهر العام يقتضي شمول الحكم لجميع ما يتناوله اللفظ فلما جاء الخاص أخرج حكم ظاهر العام عن الاعتبار فأشبه الناسخ المنسوخ. إلا أن اللفظ العام لم يهمل مدلوله جملة وإنما أهمل منه ما دل عليه الخاص وبقي السائر على الحكم الأول، والمبين مع المبهم كالمقيد مع المطلق. فلما كان كذلك استسهل إطلاق لفظ النسخ في جملة هذه المعاني لرجوعها إلى شيء واحد.>

      ذكرنا من قبل أن الشاطبي من المفردين الذين أجروا الشرع على المثانى، فكان من الراسخين. بينما ينسخ الأخرون العام بالمخصص، فهو لا يقول بالنسخ لأن العام مطلوبه مطلوب الخاص "لرجوعها إلى شيء واحد"، ثنائية من مثاني المنهاج، لنا فيها أن الخاص ناتج من العام ولا يستقيم إلا به، بل هو مرجعيته مع أن المعمول به هو الخاص، ويبقى العام حكمه كليا من منظور خاتمية الرسالة، لا ينسخ تلاوة ولا حكما. ينضوي ذلك في المساحة المشتركة بين الشرعة والمنهاج، سبق. يختتم مقالته بالتبين:

<وقيل في قوله {إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} منسوخ بقوله {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} الآية، وهذا من باب تخصيص العموم لا من باب النسخ. وفي قوله {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} إنه منسوخ بقوله {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ}، وكذلك قوله تعالى {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} منسوخ بها أيضا، وهو إطلاق النسخ في الأخبار وهو غير جائز. قال مكي وأيضا فإن هذا لو نسخ لوجب زوال حكم دخول المعبودين من دون الله كلهم النار، لأن النسخ إزالة الحكم الأول وحلول الثاني محله ولا يجوز زوال الحكم الأول في هذا بكليته إنما زال بعضه فهو تخصيص وبيان. وفي قوله {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ} الآية، إنه منسوخ بقوله {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ}، وإنما هو بيان لشرط نكاح الإماء المؤمنات. والأمثلة هنا كثيرة توضح لك أن مقصود المتقدمين بإطلاق لفظ النسخ بيان ما في تلقي الأحكام من مجرد ظاهره أشكال وإيهام لمعنى غير مقصود للشارع، فهو أعم من إطلاق الأصوليين فليفهم هذا وبالله التوفيق.>

      يقول الشاطبي كما قال القرطبي بأن لا نسخ في الأخبار. في أمثلته هذه يتعرض للعقيديات وصفات الله، فلا يقتصر النسخ فيما نظره على الشرعة وحدها. وكم من متشابهات في العقيديات غلط فيها المتكلمون ليس مقامها. في موضع آخر من كتابه غلّب الشاطبي مفهوم الناسخ والمنسوخ في عمومه كما أطلقه المتقدمون على أن الناسخ محكم والمنسوخ متشابها، في مقامنا لا يستقيم ومقاصد التنزيل، حيث المنهاج في عامته يقطن المتشابه. من هنا اللبس في مفهوم النسخ، ومن هنا ندرك ألا نسخ في التلاوة أو النص، وأن معنى "آيَةٍ" هو المعجزة وليس النص. تلك هي إحدى روافد طمس معالم المنهاج في الفكر الإسلامي.

      مثال لما يقولون فيه بالنسخ وهو من المتشابه: المنسوخ  قوله تعالى:

* يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمْ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا * نِصْفَهُ أَوْ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا * (المزمل: 1- 3). 

الناسخ  قوله تعالى:

 إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَي اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنْ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ * (المزمل:20). 

قلنا في موضع آخر أن الآيتين من المتشابهات، بأدلة مجازية أحدها في الأولى التنقيص والتزييد في التكليف، فيه تعارض لا يستقيم في الأصول. الثاني في الثانية أن الدلالة المكانية على الزمان لا تستقيم عقلا ولا طبيعيا، قوله: "تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَي اللَّيْل"، يلزمها التأويل.

     في نظرنا لا ينبني نسخ في القرآن على تأويل، ومازالت القضية محل خلاف. الصحيح فيها عندنا أن كلمة "آيَةٍ" مقصود بها المعجزة لا النص أو التلاوة، لأنه إذا كان من الثابت نصا أن هناك نسخ ولم يجمع العلماء على أنه نسخ في التلاوة، بل اختلفوا عليه، بل الأصوليون لا يقولون به، كان معنى "آيَةٍ" في آية النسخ هو المعجزة وكان النسخ في الإعجاز بداهة، وبمعنى الإحلال والتبديل، حاصل، مشهود ومثبت، في اتفاق مع الإمام أبى مسلم الأصفهاني، رحمه الله، في المفهوم الزمنى ومقصده الشرعيات.

     مقالتنا أن الطير في الفاتيكان جاءت كآية معجزة مثل التي نسيت ونسخ أثرها، حتى أن برهانها كدليل على فسق أو كفر أو كذب الفاتيكان لا يسوغه عقل. فكانت الطير في الفاتيكان إثبات للآية المعجزة المنسية في الطير الأبابيل من جانب، ومن جانب آخر جاءت لتواجه الضلال الذي استفحل مع الفاتيكان والكنسية الكاثوليكية في هذا العصر، مكرهم السيء في حربهم على الإسلام باسم الإسلام مثلما كان أبرهة وأصحاب الفيل.

     آية البقرة تدلل على احتمال التماثل والتشابه بين آيات الله المعجزات، واحتمال التكرار، وآية الزخرف أيضا تدلل على التماثل في قوله: "أُخْتِهَا"، بل الاضطراد في الإعجاز. ما يعنى التماثل بين آية أصحاب الفيل وآية الفاتيكان كبرهان على صدق النص الإلهي في الرسالة الخاتمة، أنه حق وأنه من عند الله، واحد أحد، لا شريك له في الخلق ولا ولد. هناك تماثل بينهما في الزمان، أنهما خارج زمن الوحي، أصحاب الفيل قبله، والفاتيكان بعده. وهناك تماثل في القوم، أن الطير في كلتا الحالتين أرسلت على قوم من المسيحيين. عندما نذكر النصرانية والنصارى نعنى بهم من آمن بالله، واحد أحد لا شريك له في الخلق ولا ولد، وهو اللفظ الوارد في الذكر الحكيم، أما المسيحية والمسيحيين أو الأقباط فنعنى بهم المؤمنين بالنصرانية المحرفة بالتثليث، مسمى لم يرد له ذكر في القرآن.

    هجوم الطير على حمائم السلام في الفاتيكان حدث مرتين، الأولى مع البابا السابق بينيدكت وكان نورسا فقط، والثانية ما نحن بصددها مع البابا الحالي فرانسيس، فيها نورس وغراب. فكانت الأخيرة أكبر من الأولى، برهانا على أن القرآن حق من عند الله، وتدليل على صدق ما جاء به، قوله: "أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا" ودليل مشهود على أن المقصود بكلمة "آيَةٍ" هو المعجزة لا النص. هل آية الفاتيكان أكبر من آية أصحاب الفيل؟ إجابتنا بإذنه تعالى هي نعم من عدة وجوه وبالرغم من قلة العدد. أحدها أن في الفاتيكان كان هناك مواجهة بين الطير لم تكن مع أصحاب الفيل. ثانيها أن الطير مع أصحاب الفيل كانت ترمى بالحجارة، "فعل" أقل صعوبة وتركيبا من مطاردة الطير للطير، حرب مخصوصة. الطير مع أصحاب الفيل كانت على قسم واحد، على قلب رجل واحد، أما في الفاتيكان فقد انقسمت إلى فريقين، فريق يرمز إلى الضلال وفريق يرمز إلى الحق، وكأن بها حرب بين الضلال والحق، الوازع الرئيسي في الاهتمام العالمي. وعليه يمكننا القول بأن آية الطير في الفاتيكان جاءت بالتأويل الحق لآية النسخ في القرآن. هناك وجوه أخرى، منها ما تنبني على المسببات، فيما يلى من اجتهادات بإذن الرحمن الرحيم. والله أعلم.

      يقول الإمام ابن كثير، رحمه الله، في تفسيره عن قصة أصحاب الفيل:

< هذه من النعم التي امتن الله بها على قريش فيما صرف عنهم من أصحاب الفيل، الذين كانوا قد عزموا على هدم الكعبة، ومحو أثرها من الوجود، فأبادهم الله، وأرغم أنوفهم، وخيب سعيهم، وأضل عملهم، وردهم بشر خيبة، وكانوا قوماً نصارى، وكان دينهم إذ ذاك أقرب حالاً مما كان عليه قريش من عبادة الأوثان، ولكن كان هذا من باب الإرهاص والتوطئة لمبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه في ذلك العام ولد، على أشهر الأقوال، ولسان حال القدر يقول: لم ننصركم يا معشر قريش على الحبشة لخيرتكم عليهم، ولكن صيانة للبيت العتيق الذي سنشرفه ونعظمه، ونوقره ببعثة النبي الأمي محمد صلوات الله وسلامه عليه، خاتم الأنبياء.>

      تفاصيل قصة أصحاب الفيل ومحاولة أبرهة هدم الكعبة تجدها في كتابه التاريخي "البداية والنهاية". وهي مثال من ضرب الأمثال في قصة تذكرنا باحتلال الإرهابيين للكعبة في عام 1979م، أول عمل إرهابي كبير ضد الإسلام باسم الإسلام وتحت رايته. فهل كان الفاتيكان وراء هذا العمل الإرهابي، ومن ثم كل الأعمال الإرهابية ضد الإسلام؟ الإجابة فيما تشير إليه الطير الغاضبة في هجومها على حمامتي السلام اللتين أطلقهما الأطفال مع بابا الفاتيكان. الإجابة ليست من عندنا إنما من عند القادر الحكيم جل ذكره.

      الخلاصة في النسخ أن معنى "آيَةٍ" هو المعجزة لا التلاوة، وأن المقصود به في قوله تعالى: "مَا نَنسَخْ" هو الإحلال والتبديل، كما هو الحال بين السحر وإحياء الموتى ومعجزة الإسراء والمعراج، وفيه قوله: "بِخَيْرٍ مِّنْهَا"، الاطراد. أما المقصود به في قوله: "أَوْ نُنسِهَا" هو الإتيان بالمثل في قوله: "أَوْ مِثْلِهَا". حرف "أَوْ" مشترك بين النسيان والمثل كرابط تأويل. فيها سبر وتقسيم لغوى: "خَيْرٍ" راجعة إلى " نَنسَخْ"، و"مِثْلِهَا" راجعة إلى "نُنسِهَا". مثل قوله تعالى:

جَعَلَ لَكُمُ الليل والنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ * (القصص: 73).

"لِتَسْكُنُواْ" عائدة إلى "الليل"، و"لِتَبتَغُواْ" إلى "النَّهَارَ".

يكون المثل أكبر مقصود قوله: " أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا"، كما هو الحال بين طير أصحاب الفيل وطير الفاتيكان في الحالتين. منه التأكيد على أن آية الطير في الفاتيكان هي تأويل آية النسخ في القرآن. والله أعلم.

      آيات الله في الكون وإعجازاته ليست من البساطة والجزئية، نستغفره ونتوب إليه، بحيث أنها تقصد شخصا بعينه أو حادثة بعينها إلا كجزء من الإعجاز وأداة من أدواته. فالطير في قصة أصحاب الفيل قصدت أبرهة وجماعته في عزمهم على تدمير الكعبة بيت الله الحرام، وكانت المعجزة بالطير دليل على قدرة الخالق سبحانه وتعالى أن يرسل جنوده عقابا وفاقا لمن تسول له نفسه المساس بالذين وبعقيدة الإسلام ومنها بيت الله الحرام. أن آيات الإعجاز لها من العموم مثل ما لضرب الأمثال من عموم ممتدا في الزمان بلا حدود راجعة لقدرته وإرادته جل شأنه، وممتدا في المناط مثل كليات الشريعة. ومنه أن الطير الغاضبة لم تقصد البابا الحالي فرانسيس، لكنها تقصد كل البابوات والفاتيكان والنصرانية المحرفة، تكذبهم في ادعاءات السلام بالحمائم، وتتهمهم بالحرب على الإسلام واحتلال بيت الله الحرام، المستهدف الواحد مع أبرهة والفاتيكان، وتنكر على الإرهابيين أتباعهم ادعاء الإسلام. ذلك هو الإعجاز والبيان، وتلك هي الآية ناصعة نذيرا لبنى البشر أجمعين.

      التعليقات بالآلاف على الفيسبوك والتويتر ومواقع الأخبار العالمية، أحدهم قال: "لقد عمدني البابا كي أعيش في سلام، فإلى متى؟!"، وآخر قال: "الرب هو الرب، والبابا هو البابا، فإما أن تعبد البابا دون الرب أو العكس". من حيث أن هناك أقوال من قبيل التطير ففي نظرنا التالي بإذن الرحمن الرحيم.

مسك الختام قول الملك القدوس السلام:

سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ *

صدق الله العظيم

--------------------------------------------------------------

التالي بعون الله:/5/ الآية لا نسخ فيها إنما المعجزة لا الحكمة.

 [Minhageat.com] الإنشاء: 

April 2014