التلازم فى المثانى يجب النسخ.
التلازم فى المثانى يجب النسخ.
بسم الله الرحمن الرحيم:
* يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ ۚ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّـهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّـهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ * (البقرة: 183 - 6)
بإذن الرحمن الرحيم ستكون هذه الآيات الكريمة موضوعا لعدة رمضانيات.
السادسة:
ختاما لرمضانيات هذا العام، أعاده الله عليكم وعلينا وأمة الإسلام رمضاناً وعيداً باليمن والإسعاد، نتناول هنا التدليل الثالث الذي ذكرناه في الرمضانية الأولى عن تثنية الترخيص عند المرض أو السفر في الآيات الكريمة من أنها تدلل من ناحية ثالثة على بطلان مزاعم الذين يقولون بالنسخ.
بداية، إن قلنا أن هذه الرخصة جارية في المنهاج مجرى الشرعة لزمنا الدليل الثالث، فما جاء في آيات البقرة هذه دليلان فقط استدلالا على المثانى. من حيث أنه ترخيص على شرط المرض أو السفر مقترنان وبصرف النظر عن مناط الحكم، فقد كرر شرط الترخيص مرتين أخريين في قوله الرؤوف الرحيم:
* يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّـهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا * ﴿النساء: ٤٣﴾
وقوله الحق:
* يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّـهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * ﴿المائدة: ٦﴾
تعجب أن التكرار جاء بخطاب المفرد مرتين مع الصيام في البقرة، وجاء تثنية بخطاب الجمع مع الصلاة والوضوء في النساء والمائدة، فثبتت بذلك التثنية الثالثة بثنائية الفرد والمجتمع. كما ثبت دليل التثنية المنهاجية مرة أخرى في الشرط باقتران المرض والسفر، لأنه قد سنت رخص أخرى على شرط المرض وحده دون السفر مقترنا، فدل الاقتران على تثنية منهاجية. بل إنه تدليل مركب على المثانى، لأن كل من خطاب المفرد جاء مثنى، وخطاب الجمع جاء مثنى أيضا، زد على ذلك تثنية على نوعية الخطاب في ذاته فقد جاء مرة للغائب في الأوليتين وقوله: "مَن كَانَ"، وجاء للمخاطب في الأخريتين وقوله: "وَإِن كُنتُم"، ثم زد عليه تثنية على مناط الحكم في الرخصة ولازمه شرط صحته، الصلاة والوضوء. كأن ثنائية الفرد والمجتمع هي الجامعة لكل الثنائيات تحت الرخصة على شرط المرض أو السفر، دليل شرط الرخصة مكررا أربع مرات. وهو في آن واحد ومن جهة ثانية تدليل على المركب في المثانى الذي تصطبغ به مع البنيانية فيها، المركب الذي أشرنا إليه في معرض النسخ وقوله: "نَسْتَنسِخُ" في مقالة "النسخ على المثانى". أضف إلى ذلك الثلاثية في قوله: "امْسَحُوا"، و"بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم"، والتثنية في قوله: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا"، و "الصَّلَاة"، و"جُنُبًا"، والغسل، ثم "أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا". من هنا تدرك كم أن بحر المثانى شطآنه عزيزة المنال، ما قلناه مع "علم المثانى" في الرمضانية الخامسة، لأن هنا غوص في مياه المثانى بكر على المتسع، شرعة ومنهاجا.
النسخ لا قاعدة له:
ما سبق هو بنيان منهاجي لا يستقيم بغير الوقوف على كل لبنة فيه، بل كل حرف فيه، من ثم لا مكان لأية مقالة في النسخ. معلوم في الفكر الاسلامي عند الأصوليين والفقهاء والكلاميين والمفسرين سواء أن من قال في القرآن بلا قاعدة فهو تقول على الله، نستغفره ونتوب إليه. ومن قال في النسخ لا تجد له قاعدة ولا قانون، إلا تأويلاتهم المفتوحة، وإلا أن تكون القاعدة "النسخ يكون في العام" أو "النسخ يكون في المتشابه"، باطل برمته. خذ مثالا من الآيات الكريمة بين أيدينا في سورتى النساء والمائدة، قيل في آية النساء على النسخ:
< ... قوله تعالى: {يَا أيُّهَا الذين آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى} الآية.
حرّم الله في هذه الآية أن تُقْرَبَ الصَّلاةُ في حال سكر. فَفُهِمَ من الخطاب جوازُ السُّكْرِ في غير الصلاة. ومفهوم الخطاب كَنَصِّ القرآن يُعْمَلُ به ويقطع على مغيبه فَنَسَخَ ما أباح المفهومُ مِن الآية من جواز شُرْبِ المسكر في غير الصَّلاة بتحريم المسكر. فالبيِّنُ في هذا أن يكونَ أُريدَ به السُّكْرُ مِن المسكر قبل تحريمه، ثم نُسِخَ وحُرِّم.
وقد روى أبو مَيْسَرة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لما نَزَلَتْ: {لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنتُمْ سُكارَى} كان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقام الصَّلاةَ نادى: لا يقربَنَّ الصَّلاةَ سكران.
وقد قال عكرمة: إن قوله: {لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى} نسخه قولُه: {يَا أيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] الآية. يريد أنه كان أُبيحَ لَهُم أن يُؤَخِّروا الصلاةَ في حال السُّكْر حتى يزولَ السُّكر، إذ كانت الخمرُ غيرَ مُحَرَّمة، ثم نُسِخَ ذلك فأُمروا بالصلاة على كل حال، ونُسِخَ شُرْبُ المسكر بقوله: {فَهَلْ أَنتُم مُنتَهُونَ} [المائدة: 91]، وبقوله: {فاجْتَنِبُوه} [المائدة: 91]، فنسخَ ما فُهِمَ مِن الخطاب بتحريم الخمر في قوله: {فَهَلْ أَنتُم مُنتَهُون}. وهذا قولُ أَكثرِ العُلماء.
وقيل: الآيةُ مُحْكَمة، ومعنى السُّكْر فيها: السُّكْر من النوم لا من المسكر، وهو قول الضحاك وزيد بن أسلم. ويجب أن يكونَ المفهومَ من الخطاب على هذا القول (جوازُ قربانها) بسُكْر غير سُكْرِ النوم، ثم نُسِخَ هذا المفهوم بتحريم المسكر والسُّكْر بقوله: {فَهَلْ أَنتُم مُنتَهُون}.
ومن مفهوم الآية أيضاً جوازُ قرب الصَّلاة في غير حال السُّكْرِ جوازاً عاماً بغير شرط وضوء ولا غُسْل، فنسخ ذلك آيةُ الوضوء والغُسْلِ في المائدة، وصار الفرضُ المحكم أَلاَّ تُقْرَبَ الصَّلاةُ إلا في غير حال سكر بوضوء وطُهر، ويجوز أن يكون ذلك بياناً (وتفسيراً لآية النساء)، وليس بنسخ المفهوم منها.>ا.ه
تضاربت الأقوال لأنه ليس بقاعدة تحت ما يقولون، وما قالوه من نسخ ليس إلا تأويلا وتفسيرا بالمفهوم، ليس نصا قرآنيا. التضارب ينسحب على هل يكون النسخ في ذات القرآن أم أن النسخ بين الشرائع. قد كان شرب الخمر مباحا في شرع من قبلنا ثم حرم تحريما صريحا بلا تأويل في آية أخرى، قوله: "إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ..." الآية، وما حرم هنا هو الصلاة مع السكر، نسخ لشرع من قبلنا، ومن قال بذلك فقد أصاب. أما أن هذه الآية منسوخة بآية المائدة فلم يرد بهذا النسخ نص قرآني، بل ما قالوه من قبل المفهوم، المفهوم في العقل لا النقل، ولا ينسخ القرآن بتأويل، وما نري فيها شبهة آيات متشابهات تفتقر إلى تأويل.
نسخ النساء بالمائدة:
حول آية المائدة قالوا:
< ... قوله تعالى: {يَا أَيُّها الذينَ آمَنُوا إذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلوا وُجُوهَكُمْ}.
(هذه الآية) عند جماعة ناسخةٌ لقوله: {لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وأَنتُمْ سُكَارَى} [النساء:43]؛ لأن مفهومَ الخطاب جوازُ قُرْبِ الصلاةِ لغير السَّكران جوازاً عاماً بلا شرط غَسلٍ ولا وضوء، ثم منع في هذه الآية أن تُقْرَبَ الصَّلاةُ إلاّ بالغسل المذكور للأعضاء المذكورة، والمسح للرأس.
وقيل: الآيةُ ناسخةٌ لفعل النبي - عليه السلام - كان إذا أَحدَثَ لم يُكلِّم أحداً حتى يتوضأ، فنسخَ اللهُ ذلك بالأمر بالوضوء عند القيام إلى الصَّلاة. ...
وقد قيل: إن ظاهرَ الآية إيجابُ الوضوء على كل مَن قام إلى صَلاةٍ، وإن كان على وضوء، لكنه نسخ بتواتر الأخبار أن النبي - عليه السلام - كان يُصَلِّي صلواتٍ بوضوء واحد، وبالإِجماع على جواز ذلك وفعله.
والأحسن أن يقال: خُصِّصَ وبُيِّنَ بالإِجماع على جواز صلواتٍ بوضوء واحد، وبالسُّنَّةِ المتواترة بفعل [النبي صلى الله عليه وسلم] ذلك، فيكون مخصَّصاً ومبيَّناً أولى من أن يكون منسوخاً، هذا على قول من لم يُجِزْ النسخ بالإِجماع ولا بالسنّة المتواترة؛ إذ لا اختلاف في جواز تخصيص القرآن وتبيينه (بالإِجماع وبالسُّنَّةِ المتواترة). ...
وقد قال زيدُ بنُ أسلم: الآية مخصوصةٌ يراد بها مَن كان على غير طهارة، والمعنى: إذا قمتم إلى الصلاة محدثين، وعليه جماعة الفقهاء، وهو الصواب، إن شاء الله. فيدخل تحت الحدث النوم وغيره؛ فالآية محكمة في هذه الأقوال.
وقد روي عن ابن عباس أنه قال: فَرْضُ غَسْلِ الرِّجْلَين ناسخٌ للمسح على الخفين. وعن عائشة وأبي هريرة أنهما منعا المسح على الخفين وهي رواية ضعيفة.
وأكثر الفقهاء وأهل السنّة وأهل الحديث، وأكثر الرواة عن الصحابة والتابعين على جواز المسح على الخفين في (السفر والحضر). فهو غير منسوخ، بل هو توسعة وتخفيف على المسلمين. وهو بدل من الغسل.
فأمّا من قرأ: "وأرجُلِكُم" - بالخفض - فهي قراءة مُجْمَعٌ عليه لا اختلاف في جوازها والقراءة بها. وهي توجب جواز المسح على (الأرجل) وليس على ذلك عمل. وقد قيل فيه أقوال:
وقيل: هو (محكم) منسوخ بفعل النبي - عليه السلام - وغسله لرجليه دون أن يمسح، نقل ذلك نقلاً متواتراً...
فأما المسح على الخفين:
فإن ابن عباس يقول: "مسح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الخفين قبل نزول المائدة"، فلما نزلت المائدة بالغَسْل نسخَ ذلك المسحَ، وقال: "والله ما مسح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد المائدة".
وقال جريرُ بن عبد الله: مسح النبي - عليه السلام - على الخفين بعد نزول المائدة - وكان إسلامُ جرير بعد نزول المائدة في (شهر) رمضان سنة عشر - وعلى هذا أكثر الناس لأن من أثبت أولى بالقبول ممّن نفي. هذا أصل مجمع عليه.
وقد اختلف قولُ مالك في جواز المسح (على الخفين) للمقيم. وعلى جوازه أكثر أهل السنّة.> ا.ه.
قال جماعة أن آية المائدة ناسخة لآية النساء وفي الأخيرة تحريم الصلاة عند السكر، مستندين إلى مفهوم الخطاب في العقل لا النقل، ولا حول ولا قوة إلا بالله. النكتة أن منهم من قال أن الآيات محكمة، كليهما النساء والمائدة، فما مكان التأويل بالمفهوم، وكيف ينسخ محكما؟ ومنهم من يقول أن هذه مخصصة أو مبينة لتلك، ولا ضير. ومنهم من يجيز النسخ في القرآن بالإجماع أو بالسنة المتواترة، نستغفر الله ونتوب إليه. من ثم لا قاعدة مشهودة يقينية تسري مسرى اليقين في الذكر الحكيم إذا كان الأمر متعلقا بآياته. لقد ذكروا الشاهد الذي نسعى إليه: "من أثبت أولى بالقبول ممن نفي. هذا أصل مجمع عليه". فكل تدبر للقرآن يلزمه قاعدة أو قانون مثل هذا الأصل، إما مجمع عليه أو أن في ذاته اليقين من الذكر الحكيم. لا نقصد القول بالنسخ إنما قاعدة تأويلية ينبني عليها النسخ أيا كان مثل ما ذكروه من أصل مجمع عليه. وفي الخلاصة كما قلنا لم ينزل القرآن كي ينسخه بشر بتأويل، كان إجماعا أو سنة متواترة، فالسنة لا تنسخ القرآن، إنما مبينة له معلوم لدى الكافة، ذكر فيما قالوه عاليه، قوله الكبير المتعال:
* وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ * (النحل: 44)
يتفكرون في البيان لا في نسخ ما هو في حاجة إلى بيان، ولم ينم إلى علمنا أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال بنسخ أحاديثه للقرآن لأنه يعلم أن ذلك من الكفر. نحن لا نطعن على المفهوم ولا المفهوم المخالف، لا الإجماع ولا السنة المتواترة أو أى من طرق التدبر والتقعيد، إنما طعننا على تلبيسها في نسخ آيات الله البينات وكلامه المقدس.
قد كان ذلك المرصد الأول لإبطال مقولات النسخ في الذكر الحكيم، أن ليس هناك قاعدة أو قانون، إنما تأويلات على هوى العقول. الثاني أن القرآن الكريم لم يتنزل كى ينسخه بشر بتأويل، معلوم ابتداءاً. الثالث أن ليس هناك نص قرآني صريح بنسخ في ذات القرآن، كما يقولون نسخ للقرآن بالقرآن. الرابع أن ما اشتبهوا في نسخه من المتشابه غالبه وفيه المنهاج والمثاني على ما رأينا، وعلى ما سطر الإمام الشاطبي، رحمه الله، ومن ماثله من الأصوليين، من أن نسخهم غالبه في العام والمتشابه. الخامس أن المعنى الحقيقي للنسخ في قوله: "مَا نَنسَخْ..." الآية، هو نسخ لآيات الإعجاز لا التلاوة، وما ورد منه في الذكر الحكيم هو نسخ بين الشرائع، شرع من قبلنا وقبلهم، لا في ذات القرآن، سبق تبيينه مع مقالات "الطير في الفاتيكان". السادس أن هنا ثنائية من السبع المثانى وفيها التلازم، ثنائية المجتمع والفرد، لا ينسخ المجتمع بالفرد ولا العكس، مثله لا ينسخ الخاص العام ولا العكس لتلازمهما تلازم "كينونة". فرخصة الإفطار على شرط المرض أو السفر سارية فرضت برحمته أرحم الرحمين في كل صيام، في كل الشرائع السماوية، العموم الثابت مع تقلب الأزمنة. فإن نسخت كأنها نسخ لرحمته تعالى بعباده في الرخص تحت أية رسالة أو نبوة، نستغفره ونتوب إليه. ما نقصده هو التلاوة وليس الحكم الذي لازمه التخصيص. يقولون بنسخ آية المائدة لآية النساء وفيهما سويا بنيان منهاجي يستأهل كتابا بكامله أو يزيد تبيانا لمنهاج الله.
المثال البين في تلازم العام والخاص بحيث لا يستتبع نسخا هو في قبلة الصلاة. قال العزيز الحكيم:
* وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّـهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا ۚ أُولَـٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ ۚ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * وَلِلَّـهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّـهِ ۚ إِنَّ اللَّـهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * (البقرة: 114 - 5).
في التثنية قال:
* سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ۚ قُل لِّلَّـهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * (البقرة: 142)
السؤال عن التغير في القبلة والجواب بالعام لا الخاص، وأن ذلك من السفهاء باطل أصله، راجع إلى أحكم الحاكمين جل شأنه. جاءت الآيات الكريمة في سياق الحديث عن القبلة في سورة البقرة، بدأها سبحانه بالعام عن المساجد ثم في أن القبلة أينما كانت فهي صحيحة، ليس من ذنب يرتكب في التوجه إلى الله حيث وجهه تعالى ليس محددا بمكان، من صفات الذات الإلهية في قوله: "أَيْنَمَا تُوَلُّوا"، ما يدخل مع المتكلمين في مشكل "الجهة" أو المكان، حيث تغاضى بعضهم عن أن الله مطلق الأزمنة والأمكنة في وجوده، فيه تفصيل بإذنه تعالى.
ثني قوله: "لِّلَّـهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ" تدليلا على المثانى في القبلة، ثنائية العام والخاص. جاء الخاص تاليا للعام في نفس سياق الحديث عن القبلة دليلا على أسبقية العام فقال أحكم الحاكمين:
* وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّـهُ ۗ وَمَا كَانَ اللَّـهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّـهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ * قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ۗ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۗ وَمَا اللَّـهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ* (البقرة: 143 - 4)
وردت فيها ثنائية المجتمع والفرد، سبق تبيانها، وفيها القبلة الإسلامية التي هي الخاص من التوجه إلى الله حيث هو في كل مكان. وقد كان قبلها في النصرانية واليهودية قبلة خاصة بهم كما هو معلوم، حتى أن اليهود كانوا يتخذون من بيوتهم قبلة للصلاة، قوله: "وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً"، قبلة غير موحدة بخلاف قبلة الإسلام، بيت الله الحرام، فيها التوحد بين المسلمين في الإيمان. كلها من حيث هي قبلة تخضع لهذا العام من أنه أينما تولوا للصلاة فثمة وجه الله الكريم. في الإسلام إن كان مسافرا في قطار، أو طائرة، أو سفينة أو سفينة فضاء، مكان متحرك لا يعدم فيه عدم التيقن من القبلة، فأينما ولى وجهه للصلاة فصلاته صحيحة، وأينما ولى وجهه للصلاة متوخيا التوجه لبيت الله الحرام ثم تغيرت بحركة المقلة فليس عليه من ذنب، وصلاته صحيحة بهذا العام في الإيمان، قصد الخاص المعمول به وسانده العام فيما فيه تغير.
في حقيقة الأمر أن التوجه يكون إلى العام لا إلى الخاص بذاته وصفاته. فتولى المسجد الحرام هو تولى لوجه الله حيث هو في كل مكان من زاوية معينة محددة مخصصة للإسلام، أن الصلاة ليست للمسجد الحرام، مفروغ منه. فإن كان من نسخ للعام هنا كما يقول أهل النسخ، وقعت الصلاة للمسجد الحرام لا لوجه الله، ووجب الإستغفار ومن سبقونا بالإيمان. قارب المعنى في ذلك قول الإمام الشاطبي، رحمه الله، أن الخاص المعمول به هو جزء من الكلى أو العام لا ينسخ سائره: "إلا أن اللفظ العام لم يهمل مدلوله جملة وإنما أهمل منه ما دل عليه الخاص وبقي السائر على الحكم الأول". من ثم يكمننا القول بأن العام هو المطلوب أصلا بإعمال الخصوص، من حيث أن العام ضالع في ثوابت الدين ومن حيث هي شرعة، أما الخاص فمتغيره.
ما أفاده الشاطبي من طريق النسخ: "لما تقرر أن المنزل بمكة من أحكام الشريعة هو ما كان من الأحكام الكلية والقواعد الأصولية في الدين على غالب الأمر اقتضى ذلك أن النسخ فيها قليل لا كثير لأن النسخ لا يكون في الكليات وقوعا وإن أمكن عقلا. ويدل على ذلك الاستقراء التام وأن الشريعة مبنية على حفظ الضروريات والحاجيات والتحسينيات وجميع ذلك لم ينسخ منه شئ بل إنما أتى بالمدينة ما يقويها ويحكمها ويحصنها وإذا كان كذلك لم يثبت نسخ لكلي ألبتة. ومن استقرى كتب الناسخ والمنسوخ تحقق هذا المعنى فإنما يكون النسخ في الجزئيات منها والجزئيات المكية قليلة."
أما قول الواسع العليم جل ذكره:
* وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ ۚ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ۚ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ۚ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙ إِنَّكَ إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ * (البقرة: 145)
فيه إشارة المنهاج ومثانيه بتكرار القبلة ثلاث مرات، وتثنية الإتباع على الفعل مرتين ومصدر الفعل مرتين. وفيه الخصوص بأن لكل شريعة قبلتها. من المتشابهات من جهتين: جهة التكرار وجهة أنه لم يكن لليهود قبلة محددة مثل قبلة الإسلام المسجد الحرام، فاحتمل المعنى غير قبلة الصلاة الطبيعية، قبلة معنوية كسبل العبادة وطرائقها في العموم، ما يشير إلى العام في المقصود، يؤكده قوله: "بِكُلِّ آيَةٍ"، ويؤكده التبعيض المثنى، في حاجة إلى تفصيل. هنا يصدق قول الأصوليون أن الخاص هو ما يعمل به لا ينفي العام ولا ينسخه، مقالة الشاطبي على سبيل المثال. مغزى العموم ينسحب على مناطين، أولهما فيما بين الشرائع من عموم كالإيمان بالخالق لا إله إلا هو واحد أحد لا شريك له ولا صاحبة ولا ولد، وأنى تولوا تحت أية نبوة أو رسالة، كأنه توحيد للشرائع على منهاج الحق تعالت حكمته وصراطه المستقيم. ثانيهما في الشريعة نفسها لضبط الخاص بالعام أو تكييفه بلغة الأصوليين. تجد هذه المرجعية في قوله الحكيم العليم:
* يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا * (النساء: 59)
وقوله:
* وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا * (النساء: 83)
الآيتان في سورة واحدة معتنيتان بالرد والمرجعية. الأولى فيها ثلاث ثنائيات فالإشارة للمنهاج ومثانيه، يرد إليهما ما أختلف عليه في الشرعة. في التعقيب أن هذا المنهج هو أخير من رد التنازع إلى قواعد أو أهواء أخرى كما هو معلوم، وهو في آن أحسن تأويلا. في الثانية تثليث لفظ الجلالة وتثنية الرد وأولى الأمر، الرباط أو القرينة (لم تحرر بعد قواعدها في المنهاج) بين الآيتين، تأكيدا للمطلوب تكييف الشرعة بالمنهاج. أساس ذلك أن ليس في المنهاج تغير بين الشرائع، الأزمنة والأمكنة، ثباته من كليته وهو المثل الأعلى، فكانت مرجعيته في الرد، وهي عموم مسندات المرجعية في النظر في كل العلوم، باحتمال إعجاز علمي على هذا الوجه، والله أعلم. أما الشرعة فثابت التغير فيها، إما زمنيا بين الشرائع والرسالات، وإما في نفس الشريعة، وإن دار الحكم مع العلة ثباتا، علة الأصول في مبناها. فيه تفصيل أصحاب الأصول لهم اليد، والله أعلم.
منه فقد لزم الخاص العام، لا ينفك عنه لأنه أصل له لا يستقيم إلا به، وقد يكون من تغير مع الأزمنة، والأمكنة والشرائط والشرائع. وعليه فمن نافلة القول أن من يتوجه إلى الله وهو على دين الإسلام ولم يحز توجهه تمام قبلة المسجد الحرام فلم يحنث، ولم يفترق عن دين الإسلام بهذا العموم في القبلة والإيمان بالخالق حيث هو أينما تولوا، بالطبع بشرط النية، التوجه الخالص لوجه الله. مثل هذا التلازم في كل السبع المثانى إن كان من نص فيها وقع له نسخ بتأويل وما أكثره على ما رأينا، وقد دللنا على أنه باطل برمته. هنا مثال على ضبط الأحكام الشرعية وتكييفها بمنهاج المثانى، أهل الأصول أهل لها بهذا الاعتبار. والله أعلم، منه الهدى وله الفضل.
أحياكم الله وإيانا إلى رمضانيات أخر، وكل عام وأنتم رافلين في حلل من الإيمان واليقين والرخاء والسلام، بإذنه تعالى الملك القدوس السلام.
------------------
تحديث:
ما بين العام والكلى:
للإمام الشاطبى، رحمه الله، فيما سلف منظوران، الأول في العام وقوله: " اللفظ العام لم يهمل مدلوله جملة وإنما أهمل منه ما دل عليه الخاص وبقي السائر على الحكم الأول"، يتكلم عن المدلول العام للفظ بمعنى أن اللفظ لا ينتج كلياً، وتخصيص هذا العام يؤدى إلى إهمال جزء منه والباقي منه مازال عاماً نسبة إلى عاديات زمنية أخرى غير الذي أصابه التخصيص، ما لا نتفق معه. فالعام منهاجياً يبقى عاماً بكامله في العقل والواقع. لأن العام هو المقصود في العبادة، والخاص هو المعمول به تفعيلاً لذلك العام، وإلا تآكل بإهمال الأجزاء مع كثرة التفعيل. فقوله تعالى: "أَيْنَمَا تُوَلُّوا"، لا ينقص ولا يهمل منه شيئاً بتخصيص المسجد الحرام، ولا ينسخ بالتفعيل ولأن به الدلالة من وجه آخر عقيدي على أن الله موجود في كل الوجود، عز وجل.
المنظور الثاني كلى من قوله: " النسخ لا يكون في الكليات وقوعا وإن أمكن عقلا. ويدل على ذلك الاستقراء التام"، فالكليات الأصولية محصلة الاستقراء، والاستقراء من متعدد الأدلة، بينما العام في الشريعة لا ينتج من الاستقراء، إنما من مدلوله الذي وضع له مثل قوله عز وجل: "أَيْنَمَا تُوَلُّوا"، وليس فيه دلالة على كلى، إلا من جهة أنه عنصر من عنصري ثنائية "الخاص والعام" ويعنى بها في العاديات والعينيات والتي كليتها "الجزئي والكلى" من السبع المثانى، المجردات. فبان الفارق بين المنظور العام والكلى والمنهاجي. فإن جاز القول بالنسخ فهو في خاص العام، وليس في جزئي من كلى، ما نختلف فيه مع الإمام. ومن حيث إنه كلام الله منه المحكمات بما فيها من عموم وخصوص، ومنه المتشابهات التي تنتج كليات بالاستقراء، فلا نجيز نسخاً على أى وجه. الشارع الواضع الحكيم هو الذي شرع العام وشرع الخاص، فيبقى العام على عمومه رحمة بعباده، حتى كحكم شرعي لقول البعض أن النسخ في الحكم الشرعي، حكم الناسخ يرفع حكم المنسوخ، لا في التلاوة. قالوا الحق في التلاوة أنه لا تبديل ولا نسخ بعد العرضة الأخيرة.
بعض من المفكرين والفلاسفة والأصوليين خلطوا بين الكلى والعام ومقابلهما الجزئي والخاص. من منظور المنهاج فالكلى والجزئي كليهما كليات عقلية مجردة مستقرأة من العينيات التي يقال فيها بمفهوم العام والخاص. فالفارق واضح بين الحالتين، متى ثبت الكلى بالاستقراء تبعه الجزئي في العقل والإثبات والاستدلال في ثنائية من السبع المثانى. ثنائية "العام والخاص" ليست من السبع المثانى إنما مقابلة في التطبيق لثنائية "الكلى والجزئي" من السبع المثانى، التي هي أصلها. الأولى في العينيات فلسفيا وفي العاديات شرعيا، يمكن أن تخضع للتغير أو التبدل سارية مسرى الزمنيات تتأثر بها، أما الثانية ففي العقل، لا ينالها التبدل والتغير مع الزمان لأنها كلية من كليات الوجود المجردة. في هذا تبين الفارق منهاجيا ووضح المفهوم. فإن جاز القول بالنسخ فلا نسخ في المجردات العقلية، إنما جاز في العينيات والعاديات. الإمام أجاز النسخ في الجزئي: " فإنما يكون النسخ في الجزئيات منها والجزئيات المكية قليلة"، ما لا يتماشى مع المنهاج ومثانيه، أولاً: لأن الجزئيات مجردات عقلية، والمستهدف الدلالة القرآنية، وثانياً: لأنها مستقرأة، والمستقرآ يتبعه آحاده، وثالثاً: للتلازم بين الكليات والجزئيات، فإن نسخت إحداها نسخت الأخرى بالضرورة. بهذا التبيين فتقريرنا هو أن النسخ في العاديات، الخصوص بين الشرائع، أو في العينيات ومنها الإعجاز. فضلاً عن أن النسخ في الكليات والجزئيات والعام هو كهف ظلامي يقبع فيه التعصب والتعنت والتزمت، يعسًر الدين وهو يسر، كهف يرقم سلطة الدين لمن يهواها، وهو كهف يُتهم برسم طريق التخلف الذي حكا عنه التاريخ.
نقول في المنهاج أنه يفترق عن الفلسفة بالمثال الذي يقتدى به في التطبيق (كتاب "إشراق المنهاج")، وفارق آخر جوهري في الاستدلال والتأسيس أن السبع المثانى هي كليات مُستقرأة من تجريد العينيات، عنصري أو طرفي الثنائية، مثل الباطن والظاهر في ثنائية "المضمون والشكل" من السبع المثانى. فالمضمون والشكل كليتان مستقرأتان من معطيات القرآن العينية مثل قوله عز وجل: "وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ" (البقرة: 221)، بالتجريد تقدم فيه المضمون على الشكل. مثل ذلك في آحاد الاستقراء الأخرى كالشطر الثاني من الآية الكريمة. ومثل ذلك في ثنائية "الكلى والجزئي" كليهما كليتان مستقرأتان، لا المفهوم الدارج لدى الفلاسفة والأصوليين من أن الكليات مستقرأة من الجزئيات، وليست الجزئيات عندهم بكليات عقلية تحت هذا المنظور. مثل قولهم إن الجنس كلية مستقرأة من آحاد الأنواع التي تعد عندهم جزئيات أو خصوص في بعض الأحيان، يعتبرونها عينيات نسبة للكلي المستقرأ. فبان الفارق بين المنظور المنهاجي والآخر الفلسفي في هذه الثنائية "الكلى والجزئي". على ذلك فتجويز الإمام للنسخ في الجزئيات بمفهوم فلسفي منطقي يؤول إلى النسخ في الخاص العيني، ما يختلف عن المنظور المنهاجي، مسار الخلاف بيننا وبينه، رحمه الله. تفصيل وإحاطة أكثر مع التجريد في قواعد التأويل المنهاجية في كتاب "إشراق المنهاج". ولله الحمد، له الفضل والمنة.
تأصيل: ليس يمكن في منظورهم تصور تقدم أحد العنصرين في القيمة، مثل ما في قوله تعالى: "فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ" (يوسف: 76)، تقدم الكلى على الجزئي قيمةً في التطبيق. مع تتويج القصة قال جلت حكمته: "نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي" (يوسف: 100)، عكس السابق بتقدم الجزئي على الكلى في القيمة. فى كل تلازم وابطال النسخ. أيضاً ليس يمكن معهم تصور توازن بين العنصرين، مثل الجزئي والكلى أو المضمون والشكل، وهو من مثاليات الجدل المنهاجى. في ذلك تقرير يرتوى من عمق الجدل المنهاجى في مقام آخر بمشيئة الرحمن. وما توفيق إلا بالله، هو الأعلم والمستعان.
-----------------------------
الإنشاء : [Minhageat.com]
أغسطس 2014
- 65 views