التلازم فى المثانى.
التلازم فى المثانى.
من حديث المثانى الاقتران والتلازم بين عنصري الثنائية، ذكرناه من قبل، أنهما لا ينفكان عن بعضهما البعض وجودا وعدما، فمتى كان هناك شكل كان له مضمون، ومتى كانت هناك غاية كانت لها وسيلة، ومتى كان هناك عام كان تحته خصوص، والعكس صحيح فى كليات الوجود.
نحن لا نقول في المثانى إلا بأدلة من الذكر الحكيم، فإذا تماشت الوضعيات مع القرآنيات فليس معنى ذلك أننا نستدل بالأولى على الأخيرة. في مواضع آخري قلنا ما معناه إن حدث ذلك فهنا مكان لهدى الله المباشر. في الاقتران والتلازم بين عنصري الثنائية دليله في الذكر الحكيم وقوله أحكم الحاكمين:
* لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّـهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّـهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * (البقرة: 256)
وقوله:
* وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّـهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ ۗ وَإِلَى اللَّـهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ * (لقمان: 20 -2)
ذكر لفظ الجلالة مرتين في كل آية من الآيتين، وكرر الاستمساك بالعروة الوثقى على مدار الذكر الحكيم مرتين فقط إشارة للمثاني، اقترنت الأولى بعدم الانفصام، قوله تعالي: "لَا انفِصَامَ لَهَا" صفة للعروة الوثقى. أن من الصفات الأساسية للسبع المثانى التلازم، لا ينفك أحد عنصري أو طرفي الثنائية عن الآخر، وجودا وعدما.
لا نعتقد - على قدر علمنا - أن الفلسفات الوضعية قد نبهت لهذه الصفة في الجدل. عند ماركس (MARX) مثلا، وهو متأخر عن هيجل (HEGEL) أبو الجدل الحديث (DIALECTICS)، هناك البروليتاريا والرأسمالية كعنصري جدلية التناقض والصراع. مآل الحل أو صيرورة الجدل أن يختفي أحد الطرفين، الرأسمالية، بالتالي لا تلازم. صاحباه ماركس وإنجلز (ENGLES) وصفاه بالجدل المادي (DIALECTICAL MATERIALISM). وهو كذلك فليس بجدل منهاجي ولا من السبع المثانى (SEVEN DUALISMS) التي هي كليات الوجود (UNIVERSALITIES/CATEGORIES OF BEING). أما هيجل، رحمه الله، رغم صعوبة قراءة فلسفته كما يقول الهيجليون أنفسهم، إلا أننا نستطيع القول بأنه لم يقل بتحول أحد العنصرين للآخر كما فعل ماركس، كما لم يشدد على مسألة التلازم بين عنصري الثنائية أو الجدلية، فإن كان من انتقال أو تحول فهو للجدلية برمتها، العنصران سويا في مركب جديد، أصحاب الفلسفة أدرى بشعابها. الذي نبه إلى هذا التلازم قبل أهل الجدل الغربيين هو الإمام الغزالي، رحمه الله، في قوله: "وكل علم مطلوب فلا يمكن أن يستفاد إلا من علمين هما أصلان، ولا كل أصلين بل إذا وقع بينهما ازدواج على وجه مخصوص وشرط مخصوص. فإذا وقع الازدواج على شرطه أفاد علماً ثالثاً وهو المطلوب"، سبق في مقالة "النسخ على المثانى". جدير بالذكر أن الإمام لم يستند في مقولته هذه على الدليل النقلي من الذكر الحكيم الذي نحن بصدده، كما أن التلازم فيها بين العلمين (العنصرين أو طرفي الثنائية) ليس مباشراً إنما يستفاد عقليا من شرط الازدواج. غالب الأمر هدى من الله جل فضله من خلال التصوف والتقرب إلى الخالق. غنى عن القول أن لغة المنهاج هذه لم تكن معروفة قبلنا، ولله الفضل والمنة، (انظر: "تساؤلات المنهاج").
صفة التلازم تفرق بين أنواع من المثانى، السبع المثانى فقط هي التي تجد فيها هذه الصفة. فإن قلت أن الأبيض والأسود ثنائية من الثنائيات فهى ليست كلية من كليات الوجود وليست من السبع المثانى لأنه يمكن أن يكون عندك أبيض بلا أسود معه أو مستتر فيه واقعا إلا في المنطق والمعرفة، من ثم لا تلازم في الثنائية من حيث الإدراك والواقع. أما أن تقول بأن اللون يعبر عن شكل من الأشكال فلا بد من موضوع تحته، جوهر بلغة القدماء، ماهية بلغة المناطقة، ثنائية كلية جامعة لكل ما يعرفه البشر من موجودات مادية كانت أو عقلية. فما هو هذا الأبيض إجابة الموضوع. مثل ذلك في الأديان، إن قلنا أن الجنة والنار ثنائية على التقابل ليس فيها ولا يلزمها تلازم، فليست من كليات الوجود وإن كانت تشكل صيرورته، إما أن ينال المرء الجنة فى الثواب أو تناله النار بالعذاب، منفصلان من حيث الجزاء واقعا. أما أن الجنة والنار متلازمان من حيث الوجود ككينونة دينية عقائدية فمحل نظر فى علم المثانى، فيها تفصيل للتمييز بينها وبين الأنواع الأخرى من المثانى.
المرتد الدكتور نصر حامد أبوزيد في كتاباته عن القرآن أسهب وأسهل في الجدليات حتى فاضت صفحاته بالجدليات، كل شيء عنده في جدلية ما معتبرا اللغويات، لا يطلق عليها ثنائية. من ذلك جدلية الله / الإنسان (يضعها هكذا بين العنصرين شرطة مائلة). فلو اعتبرناها جدلية صحيحة أو ثنائية من السبع المثانى، كان التلازم فيها يعنى الكفر. من ثم خرجت من حيز الثنائيات المعتبرة وليست بجدلية حقيقية إلا فى دماغه. مسألة كلامية أن الإنسان مخلوق لله، وما تلازم أو سبق المخلوق الخالق، والله غنى عن العلمين، الإنسان يفنى ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام، فليس من تلازم وجودا وعدما، والعدم يرجع إلى الإنسان. أما أن هناك "جدل" بين العبد والرب فمسألة تكتنف الكفر أيضا، لم تستبين على المثانى عندنا بعد، تقتضي التعريف والتفرقة بين الجدل والجدال. أما أن هناك "جدال" بينهما فهذا وارد ثابت في الذكر الحكيم، قول الجليل الباقي جل ذكره:
* هَا أَنتُمْ هَـٰؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللَّـهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا * (النساء: 109)
ذكر فعل الجدال مرتين في نفس الآية دليل المثانى قاطع. ألم تر أن ذكر العروة الوثقى في سورة لقمان جاء تعقيبا على الحديث عن ثنائية الباطن والظاهر ثم الجدل والعلم فجمع بين النوع وصفته؟ قوله أحكم الحاكمين:
* أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّـهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ۗ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّـهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّـهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۚ أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ السَّعِيرِ * وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّـهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ ۗ وَإِلَى اللَّـهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ * (لقمان: 20 -2)
يمثل هذا الموضوع الدسم انعطافه كبيرة في دراسات المثانى والثنائيات والجدل والجدليات والسبع المثانى على وجه الخصوص، لكل مجتهد نصيب. هي انعطافه تبرهن على أن علم الله لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا في العقول حيث تقازمت الوضعيات. هنا نستدعى مقولة شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، في الحكم بين الناس بما أنزل الله والشهادة عليهم، قال فى كتابه "درء تعارض النقل والعقل":
< والسلف والأئمة الذين ذموا وبدعوا الكلام فى الجوهر والجسم والعرض تضمن كلامهم ذم من يدخل المعاني التي يقصدها هؤلاء بهذه الألفاظ في أصول الدين، في دلائله وفى مسائله، نفيا وإثباتا. فأما إذا عرفت المعاني الصحيحة الثابتة بالكتاب والسنة وعبر عنها لمن يفهم بهذه الألفاظ ليتبين ما وافق الحق من معاني هؤلاء وما خالفه، فهذا عظيم المنفعة، وهو من الحكم بالكتاب بين الناس فيما اختلفوا فيه، كما قال تعالى:
* كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * (البقرة: 213)
وهو مثل الحكم بين سائر الأمم بالكتاب فيما اختلفوا فيه من المعاني التي يعبرون عنها بوضعهم وعرفهم، وذلك يحتاج إلى معرفة معاني الكتاب والسنة، ومعرفة معاني هؤلاء بألفاظهم، ثم اعتبار هذه المعاني بهذه المعاني ليظهر الموافق والمخالف.>
فى الآية الكريمة المشهود بها كرر كل من لفظ الجلالة والاختلاف ثلاث مرات، والناس والحق والهدى على المثانى، دليلا على منهاج الله على المثانى والاختلاف فيه بين الأمم، فساغت مقولة شيخ الإسلام في هذا المقام.
والله أعلم، هو الهادي إلى سواء الصراط.
في كتاب "إشراق المنهاج" إحاطة وتفصيل أكثر عن السبع المثانى والتلازم فيها، وبالله التوفيق.
---------------
- 53 views