تساؤلات المنهاج (1).

تساؤلات المنهاج (1). منهاجيات Fri, 08/01/2025 - 04:32

بسم الله الرحمن الرحيم

أهم تساؤلات المنهاج:

1) أين المنهاج؟

2) المحكم والمتشابه.

3) واو والراسخون.

4) التكرار.

5) السبع المثانى والفاتحة.

6) التأويل.

7) الخاتمية.

8) الإكنان.

9) الإحكام.

أولاً: أين المنهاج؟

نعلم أن هذه المادة المنهاجية غريبة على الأسماع، شبه منقطعة عن السائد فى الأدبيات والفكر والمقولات الإسلامية، التفاسير بوجه خاص. لكنا نقول بأن القرآن محيط لا برور له فى الدلالة، كما يقول العليم الحكيم:

﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ    (لقمان: 27)

شبهناه ببنان الإنسان التى لا تشبه بعضها بعضاً منذ آدم عليه السلام (كتاب "إشراق المنهاج")، والمعتقد أنه تعالى علمه أنزل القرآن على نبيه، عليه الصلاة والسلام، للناس ليتدبروا آياته، وطلب التدبر يؤول إلى أن به مابهم إليه الحاجة، من أوله إلى آخره، محكماُ ومتشابهاً، كما قال الإمام الطبرى، رحمه الله: "غير جائز أن يكون فـيه ما لا حاجة بهم إلـيه،...". وباطل فى حق التنزيل أن ينزل تعالى ما يستأثر بعلمه، كما قيل فى التفاسير، لأن ما إستأثر علام الغيوب بعلمه لم يوحى به. حتى أنباء غيب الآخرة فيها دلالات منهاجية تعد من المتشابه، بالعباد حاجة إليها كما أوضحنا في "إشراق المنهاج". إذا كان الأمر كذلك، يثور السؤال المعضل: ما جدوى المتشابه فى حياة العباد؟ وما فحوى المنهاج الذى جاء نصا معطوفاً على الشرعة فكانا سواء بسواء في الإستدلال. نطرح التساؤلات التى تدور حول هذا الموضوع الشائك والمهم للإسلام والمسلمين، نجدُ فى أن نجدَ الإجابة عليها، التى ليست مع أهل التفسير إلى اليوم، وبها توضيح مسارنا الفكرى والمنهجى نحو الكشف عن المنهاج. والله المستعان.

أول التساؤلات فى قول أحكم الحاكمين :

﴿ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَىٰ الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ       (المائدة، 48)

 معلومة الشرعة فى هذه الآية الكريمة والتى فسرها ابن عباس، رضى الله عنهما، بالسنة كما جاء فى التفاسير، ما نص عليه القرآن من أحكام شرعية وسنة المصطفى، عليه الصلاة والسلام، وأنها أحكام وردت فى القرآن من قوله تعالى: " جعلنا ومتى إرتبط المنهاج بالشرعة بواو العطف، لزم من قوله تعالى: "جعلنا " أن يكون المنهاج أيضا منصوص عليه فى القرآن، لكن لم يره أحد حتى الآن، فأين  هو؟ ما قيل فى التفاسير لا ينير الطريق إلى الإشارة إلى مثل هذه النصوص، رغم طلب التدبر. بالمقارنة بالنصوص التشربعية لزم أن تكون نصوص المنهاج متكاثره مثل الشرعة سواء بسواء، على الأقل. قيل أن نصوص الشريعة تحتل تقريبا ثلث القرآن، فهل الثلثان الباقيان فيهما المنهاج؟ وهل هذا المتبقى ليس للعباد فيه حاجة، غير الإعتقاد والعبرة والإيمان به كمنزل من عند الله؟

قالوا فى التفاسير فى شبه إتفاق أن الشرعة لغويا تعنى مطلع الطريق أو مبتداه، وأن المنهاج هو الطريق الواضح المستمر، فما نسبة هذه المعانى إلى ما ورد فى القرآن؟ هل ما ورد فيه عن الشرعة هو مبتدى الطريق إلى الإيمان والعبادة؟ فماذا عن الطريق المستمر فى القرآن الذى هو المنهاج؟  يترتب علي هذه المعانى أن تكون نصوص المنهاج أكثر من الشرعة، مطلع الطريق، فأين هو؟ الرازى، رحمه الله، فى تفسيره لم يجد هذا التفسير اللفظى كافياً أو مقنعاً، خاصة فيما يتعلق بالمنهاج، فخلص إلى القول بأن: "الله أعلم بأسراره"! وحيث أن الشرعة فى القرآنً محكمة ومعلومة، ليست سراً، لزم أن يكون المنهاج هو السر الكبير من أسرار القرآن، وهو عندنا كذلك.

جل المفسرين فى قوله تعالى: "منكم"، لتعلقه بالشرعة، فرضوا أن هناك تقديم و تأخير، أى أن المقصود هو: "جعلنا لكل أمة من الأمم (منكم) شرعة ومنهاجا"، لكنه تعالت حكمته فى الحج رتب الآية بلا تقديم ولا تأخير فى قوله: " لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا "، تكرر مرتين، فيكتنف التشابه آية المنهاج لما فيها من التقديم والتأخير، أى المجاز الذى لم ينعكس على تقريرات المفسرين. هذا مثال لرد المتشابه إلى المحكم، ولابد من إعتبار للفارق بينهما (آيتى المائدة والحج)، ما لم نقف عليه فى التفاسير. أما الجعل فى القرآن ليس في مفعوله مجاز، من المحكمات، مثل قوله عز وجل: " الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً " (البقرة: 22)، " إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ " (البقرة: 30)، " وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا " (البقرة: 125)، فلا يجوز اعتبار الشرعة والمنهاج بمعنى واحد أو مترادفين، مثلهما مثل الأرض والسماء فى البقرة (22) مع التباين بينهما، لا يغير من محكم المفعول به فيها كون الصفة متشابهة "فراشاً" و"بناءاً". إنما الصحيح فى نظرنا أنه تعالى وضع شريعة لكل أمة، ووضع منهاجا لكل الأمم. قارب فى ذلك من قال بأن الشرائع تختلف من أمة لأخرى، أماعقيدة التوحيد فواحدة فى كل الأديان. عُلمت الشريعة جعلاً ووضعاً، ولم يُعلم بعد ما هو المنهاج الذي وضعه تعالى لعباده. قالوا هو الطريق الواضح والمستمر، فأين هو فى القرآن؟ إن لزم وجود الشريعة فى القرآن جعلاً منه تعالى طبقاً لما جاء في الآية الكريمة، لزم ذلك جعلاً أيضاً للمنهاج، بلا مجاز، سواء كان المنهاج مختلفاً بين الأمم مثل الشرعة أم لا. فالآية الكريمة عويصة التأويل، شأنها شأن متشابه القرآن. فى كتاب "إشراق المنهاج" التفسير الذى نراه معقولاً بإعتبار المنهاج. في كل هذا نقدر إجتهاد علمائنا الأجلاء، لكل مجتهد نصيب، وإذا إختلفنا معهم فلا ندعى التأليف، إنما تدبر القرآن بمعاول قرآنية، وبما هدانا الله إليه من علمه وفضله. والله المستعان على مسألته.