تساؤلات المنهاج (5).
تساؤلات المنهاج (5).
بسم الله الرحمن الرحيم
أهم تساؤلات المنهاج:
1- أين المنهاج؟
2- المحكمات والمتشابهات.
3- واو والراسخون.
4- متشابه التكرار.
5- التأويل الإفرادي (اللغوي).
6= التأويل المنهاجى (التكراري).
7- السبع المثانى والفاتحة.
8- أبواب المنهاج.
9-خاتمية الرسالة.
10- الإكنان.
11- الإحكام.
12- المصطلح.
خامساً: التأويل الإفرادى (اللغوى).
التأويل إشكال الفكر اللغوي في مختلف اللغات والعلوم الإنسانية، من فلاسفة اليونان القدامى وفيلون السكندري (Philo of Alexandria) مع تأويل التوراة، المعروف بالتأويل الرمزي، إلى وقتنا الحاضر مع الوضعيات الحديثة والهرمنيوطيقا (Hermeneutics) التي داخلتها المثانى حديثاً. تراوح في الفكر الإسلامي بين الإيجاز مع الإمام الغزالي، رحمه الله، ومقولة "صرف المجاز إلى الحقيقة بدليل"، وبين الإسهاب مع تلميذه أبو بكر العربي، رحمه الله، في مصنفه "قانون التأويل" الذي حاول فيه جاهداً أن "يقنن" التأويل، ونحن فى هذا المرام، لكن لا تجد معه هذا التوصيف، إلاً أنه خطى خطوة قيمة – عن نظائره في المسألة - بتأويل المادي بالمعنوي أو العكس، مثل تأويل الماء بالحق أو العلم، تناولناه فى كتاب "إشراق المنهاج"، لنا فيه مقالة بعون الله.
التأويل عندنا نوعان أساسيان حسب المؤوًل من المجاز: الأول “التأويل الإفرادي (اللغوي)” ويقصد به تأويل النص بلا تكرار، أي في آحاد التكرار وهو المتبع في الفكر الإسلامي، سواء التفسير أو الأصول أو علم الكلام، مبناه نقل المجاز اللغوي إلى الحقيقة، في قول اللغويين: "صرف اللفظ عن ظاهره بدليل يحتمله". أما الثاني فهو “التأويل المنهاجى (التكراري)”، ينصب على المتكرر من النص، أو الآحاد المتكررة، اهتمامنا بالنسبة للمنهاج. في الأول تأويل المجاز اللغوي، وفي الثاني تأويل المجاز التكراري، معينه المنهاج، وفي كلًِ مجاز. هذا التقسيم بناءاً على معطيات الذكر الحكيم من أن هناك نوعان من المتشابه، متشابه آل عمران (7)، يرجع إلى المجاز اللغوي في بعض القرآن من قوله تعالى: "مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ"، والثاني متشابه المثانى في الزمر وقوله: "اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ" (الزمر: 23)، يرجع إلى التكرار الذي يشمل القرآن الكريم جميعه. يمكن وصف النوع الأول بالتأويل العمراني والثاني التأويل الزُمري نسبة للسورة، وهو تمييز يفض النزاع القائم في سؤال هل القرآن كله متشابه؟ سبق بيانه في ثاني التساؤلات. لكنا نركن إلى التمييز الذي يتأسس على نوعية المتشابه الذي يناله التأويل، حيث دلالة المسمى أليق وأقرب للمضمون من دلالة مكانية في القرآن. تختلف قواعد التأويل بين النوعين، وعلى هذا تقسيمنا، وجاز التفريع على كل منهما، معلوم في الأوًل عند أهل الصنعة مثل قريب وبعيد.
قال الحكيم العليم عن يوسف، عليه السلام:
* وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ * (يوسف: 6)
تكرر ثلاثاً في نفس السورة بإشارة المنهاج، ومقترنا بفعل التعليم في أحوال ثلاثة. هل المجاز في لفظ "تَأْوِيلِ" أم في "الْأَحَادِيثِ"، فهذا مفرد والثاني جمع، فلم يقل "من تأويلات الأحاديث" أو "تأويل الحديث"؟ إن عولنا على التكرار ثلاثاً بإشارة المنهاج، فالمقصود هو إما تأويل المنهاج، وإما أن الأحاديث بنوعيات ثلاث تقتضي ثلاثة طرق للتأويل، خاصة أن في السورة ثلاثة رؤى، تلك التي تأولها يوسف، عليه السلام، فرؤياه هو تأولها العليم الحكيم. نحن نركن إلى الأول بنسبة المجاز والتكرار، لأن السورة وما فيها من رُؤي فيها دلالة على السبع المثانى وأبواب المنهاج. على هذا ميزنا "التأويل المنهاجى". لكن "مِن" التبعيضية تجعل المجاز في "تَأْوِيلِ"، وتأخذنا إلى الإحتمال الثاني وطرق متعددة للتأويل فتشمل طريقة تأويل المتشابه في آل عمران، أحد أنواع الأحاديث، والذي ميزناه بالتأويل الإفرادي، المعلوم عند أهل الصنعة، وجاز غير هذين النوعين باحتمال أن يكون النوع الثالث من الأحاديث هو الرؤى والأحلام، جاز أيضاً التفريع عليها للجمع، والقصة تطول. والله أعلم.
هذا فصل من الباب الرابع من كتاب "إشراق المنهاج" عن التأويل الإفرادي اللغوي أو المتداول بين علماء الإسلام، ننقله هنا بلا تغيير. جاء الفصل في معرض تفنيد مقالات المرتد د. نصر أبوزيد، والذي اتخذنا فكره كجانب تطبيقي على السبع المثانى، لشرحها وبيان موقعها من مشهور الفكر الإسلامي. الكلام في هذا الفصل عن اعتبار التأويل وسيلة غايتها المضمون أو المغزى عنده، تطبيقاً لثنائية "الغاية والوسيلة". سبق على هذه المدونة اقتباس آخر من الكتاب لتفنيد دعواه في التأويل تحت عنوان "ابو زيد يشرح كيف تجر العربة الحصان". وعلى الله قصد السبيل.
ب) خطـوات التأويل
الوسيلة للكشف عن حقيقة المغزى أو الباطن في عملية التأويل تشمل: تمييز الدليل (الأول)، بأن هنا يلزم نقل من المجاز إلى الحقيقة لغوياّ، ويمكن تسمية هذه الخطوة باكتشاف الدلالة. كما تشمل صياغة الظاهر من المجاز على حقيقته، بمقتضى المقرر من قواعد في لسان العرب. ثم نقل معنى هذا الظاهر الحقيقي للمجاز إلى المعنى الباطن، المضمون المقصود في الخطاب بناءً على دليل (الثاني) نعرفه بأنه "الشاهد" للتفرقة بين الدليلين الأول والثاني. هذا النقل هو عملية التأويل، الذي لا يتم ولا يصوغ ولا خوض فيه ولا تعتبر نتيجته حقيقية إلاَّ باكتشاف الشاهد عليه والتيقن منه (دليل نقلى أو عقلي أو علمي أو طبيعي)، الذي به يستعان على معرفة المضمون الحقيقي، المغزى عنده.
الوسيلة إذن تتضمن: اكتشاف مجاز (دليل لغوى)، ونقله إلى ظاهره اللغوي الحقيقي، والوقوف على شاهد التأويل، والكشف الذي هو عملية التأويل، أربع خطوات: اكتشاف ونقل ووقوف وكشف. من ثم فإن اكتشاف الدلالة هي جزء أو خطوة في الوسيلة، بمعنى أدق الطريقة، لا الوسيلة كلها. اعتبار الدلالة (الدليل أو الاستدلال بمعنى أوَّلى) في محل الوسيلة، لا يؤثر كثيراً فيما نذهب إليه.
تأسس هذا التقسيم والتركيب للوسيلة وخطواتها حسب ما رأينا ميل علماء الإسلام إليه أوفر في المجاز والتأويل، بالإضافة إلى شواهد وأدلة نقلية وعقليـة، نخص بالذكر منها قول الإمام الشاطبي، رحمه الله: "وكون الباطن هو المراد يشترط فيه شرطان، أحدهما أن يصح على مقتضى الظاهر المقرر في لسان العرب ويجرى على المقاصد العربية. والثاني أن يكون له شاهد نصاً أو ظاهراً في محل آخر يشهد لصحته من غير معارض " ]19ب4[. لقد جد واجتهد بعض علماء المسلمين في اكتشاف المجاز في القرآن الكريم، كما دأبوا على إجرائه على حقيقته الظاهرية، نحوا أو بلاغة، بشواهد متنوعة منها النقلية أو العقلية أو الطبيعيـة أو العادية (الأخيرتان كانتا تعنيان عندهم العلوم الطبيعية والإنسانية)، أو يجريه على مقتضى الظاهر في لسان العرب والمقاصد العربية في القول، كما في حالة تقدير المحذوف في المجاز، أي دليل لغوى. لكنهم توقفوا عند هذه الخطوة ولم يكملوا مشوار منهجية التأويل في معظم الأحوال فيما يخص المتشابه، لم يتخلف عنهم أبوزيد. بينما كان الإمام الشاطبي من القلائل الذين عوَّلوا في التأويل على الشاهد بإطلاق.
ما زال ذلك رأيهم لغوياً في المقام الأول، حتى ظهرت مؤخراً اجتهادات في الإعجاز العلمي في القرآن التي تخطت ذلك الحاجز اللغوي إلى الشاهد، وما تم ذلك إلاَّ على أيدى علماء طبيعيين في الغالب مقتفيين الأثر الجنيني لمحمد عبده ورشيد رضا، رحمهما الله، في تفسيرهما "المنار". حتى هؤلاء لم يتبعوا طرق التأويل الصحيحة، فكانوا في ذلك يعولون على المعنى التركيبي الذي ذكره الإمام الشاطبي ]19أ3[.
البُون شاسع بين الغرضين في الحالتين. مع الصدر الأول كانوا يشتغلون بالمحكم من النص ومعهم بيان الصادق الأمين، ﷺ. لم تكن مهمة التأويل شاقة للتنقيب عن مجهول بعيد المدى في القرون والعلم، حال الإعجاز العلمي. فكان الصواب قريب التهديف مبنياً على معاني تركيبية، لا تحتاج إلى كثير تمحيص في اللفظ أو قواعد لغة، خاصة في الشريعة. مع ذلك فقد أعطوا المهمة كل الجهد والاجتهاد ونصبوا لها العناية الفائقة تحرزا للخطأ أو الغلط في الشريعة أو التقول على الله. يكفي في ذلك ما أنتجته المذاهب الأربعة في الفقه وعلومه، وما تفرعت إلا بسبب من التدقيق والتحرز، كل يحرص بطريقته. فهي بصحيح القول مذاهب حرص على الشريعة، لا مذاهب تختلف على الشرع. أما الإعجاز العلمي فتأويله مفتقِر إلى الإثنين، المعنى الإفرادي والتركيبي إلى جانب مصوغات للتأويل خاصة بهذا المجال لنفس التحرز، بقواعد منضبطة مستقيمة كالقانون إن لم تتلبسه، ما لم نتوفر عليه إلى يومنا هذا في شأنه. من هنا كان الغلط والتقول على الله، نستغفره ونتوب اليه، وارد باحتمال كبير.
بهذا النظر فنحن لا نحث على اغلاق باب الاجتهاد في هذه المسألة. انما معتقدنا اقتفاء العلم في قواعده وقوانينه، أسسه ومنهجياته البحثية كما كان دأب علماء الإسلام في نهضته، تحريا للدقة وتحرزا للغلط ووصولا إلى الحقيقة اليقينية التي لا مراء فيها. منهجية فرض الفروض ثم اثبات أحدها بالدليل أو بالتجربة بدأت مع الإمام الشافعي، رحمه الله، في أصول الفقه، ثم تبعها العلم الكوني في نهضته إسلاميا وأوروبيا لا يحيد عنها إلى وقتنا الحاضر. أنك تحوم حول المعنى المقصود باحتمالات عدة، ولا تقطع باليقين في أحدها إلا بدليل باتّْ لا شبهة فيه، مسمَّاه الشاهد. في الإعجاز العلمي كذلك، أنه من الجائز أن تحوم حولـه بالاحتمال في الدليل اللغوي والشاهد العلمي كليهما، ثم تحمِّل البتّْ على دليل أو شاهد ناصع بادي الإدراك والوضوح للعقل والحس سواء، يكتنفه اليقين وتحتمله العقيدة.
لا يفوتنا أن ننوه إلى المعلوم من الفارق بين التأويل في المحكم وفي المتشابه. في الأول يمكن الاقتصار على ظاهر المنطوق كما في قولـه تعـالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْن﴾، دليل واحد بلا تأويل أصلا، يؤخذ على ظاهره بأنه الحكم المطلوب. كما يمكن الاقتصار على الخطوة الثانية في التأويل، صياغة الظاهر على مقتضى لسان العرب، كما في قولـه تعالى: ﴿وَإِن كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ﴾، الآية، مطلوبها صياغة مفهوم المخالفة وهو الحكم المطلوب في حالته. مثل ذلك في تخصيص العام وتقييد المطلق وما إليها. ليس بحاجة الى الخطوة الثالثة أو الرابعة، لأن افتقار الظاهر إليها ينقله نوعيا وتمييزا من المحكم إلى المتشابه. فالمحكم من جهة الشرع ينحصر أساسا في دليل واحد غير مفتقر إلى تأويل أو دليل ثان. فقط في بعض حالات التعارض تحتاج إلى دليل ثان، غالبه نقلى أيضا (قرآن وسنة)، يفُض المتنازع عليه فالوصول إلى الحكم المطلوب. هناك بالطبع تفاصيل كثيرة وقول متكاثر على التفصيل تجده في علم الأصول. أما المتشابه فيلزم أن نجريه على الخطوات الأربع، لافتقاره إلى الدليل الثاني، الشاهد، الذي إما أن يكون نقليا أو غير نقلى: لغويا، عقليا أو علميا (كونيا في الإعجاز). لهذا السبب فيما نعتقد توقف معظم علماء الإسلام في التأويل عند الخطوة الثانية، فلم تكن هناك حاجة ماسة إلى الخطوات التالية. قليلون هم الذين أدركوا أن هناك احتمال للحاجة إلى دليل غير نقلى، من ثم نظروا في التأويل الأبعد مما تتطلبه الشريعة في العموم، نذكر منهم ابن رشد والشاطبي والعز ابن عبد السلام. الأول في كتابه "مناهج الأدلة في عقائد الملة" (مشار اليه)، قال بأن هذا التأويل الأبعد يقع في نطاق المتشابه. ولعلك تجد هنا أحد أسباب تقديم العقل في المنهاج، الحاجة إلى أدلة غير نقلية في بعض الحالات.
مما يذكر في التاريخ الإسلامي أن الإمام على، رضى الله عنه ورحمه، هو الذي وضع بذرة النحو، ثم تبعه بالسقيا أبو الأسود الدؤلي فعلماء النحو الراسخين المعروفين كالخليل وسيبويه، ولم يكن علم البلاغة قد عرف كعلم إلاَّ مع صاحب الصناعتين عبد القاهر الجرجاني، رحمه الله. فلو أننا أعدنا النظر في التأويل على هذا الطريق لخلصنا إلى إعجاز إلهي يليق بالقـرن التقني، وربما كانت تلك حكمته جل ثناؤه. في ذلك نظر وتفصيل يتهيأ له كليهما اللغويون والكونيون سواء فيما يخص الإعجاز العلمي.
يتضح ما نذهب إليه من المثال المشهور في مجاز الحذف الذي يتداوله الكثيرون في هذا الصدد وهو قوله تعالى:
﴿ وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا ۖ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ﴾ [يوسف: 82]
دليلهم على المجاز هنا أن الجماد لا يسأل لا القرية ولا العير، دليل عقلى. فقرَّروا أن هنا محذوف قدروه "بأهل"، ومنه يكون الظاهر الحقيقي على مقتضى اللسان العربي هو: "واسأل أهل القرية“. توقف علماء اللغة والمجاز، بل والتفسير أيضاً عند هذا الحد من التأويل. قالوا درءاً للشبهات حول القرآن في بعض الأحيان أنه كيف يسأل الجماد؟ لا عقل يستسيغ ذلك. لكن قوله سبحانـه على المجاز يقتضي أنه يريد ويقصد حقيقة أخرى في المضمون غير تلك المفهومة من المعنى المباشر للظاهر الحقيقي "واسأل أهل القرية" وإلاَّ لذكر المحذوف، حقيقة أخرى غير الحقيقة النحوية أو اللغوية، فما هو هذا القصد؟ يعرف بإتمام عملية التأويل بالبحث عن الشاهد، فينتج عنه معنى حقيقي باطني، المضمون، لا يجب المعنى المدرك من الظاهر الحقيقي. فيدرك المعنى الباطني الحقيقي من طريق التأويل والوقوف على شاهده بدليل إما من سياق الآية أو من سياق السورة أو القصة في هذه الحالة أو ما شابه من المجاز على التكرار في القرآن كله، طريقة الكرماني، رحمه الله، السالفة الذكر في المثانى، من جهة النقل أو من جهة العقل أو من جهة العلم في العموم تحرزاً لفوات الإعجاز العلمي ومقتضى خاتمية الرسالة، ولا نشترى بآيات الله الثمن القليل بالتوقف عند مقتضى اللسان العربي. كان الأولى في التأويل وتقدير المحذوف الاحتكام إلى المحكم في قوله جل علمه:
﴿ وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ ﴾ [الأعراف: 163]
ما يفيد بأن المحذوف له ثلاث احتمالات: أن يتوجه السؤال لأهل القرية أو عن القرية أو الاثنان فيكون المقدر "اسألهم عن القرية" مثلما في الأعراف محكماً. لكن بالنظر في التكرار المنهاجى تجد أن لفظ "القرية" كرر اثنتي عشرة مرة هي عدد أبواب المنهاج (بعض التفصيل فيما بعد)، فتعلق السؤال بالأبواب من هذه الجهة ولزم النظر في التأويل المنهاجى لاستكمال خطوات التأويل فيما وراء الخطوة الثانية وهي البسط على مقتضى اللسان العربي. بل نقول إنه متى كان هناك متشابه بأي صفة ومن أي طريق عد مجازاً، والعكس صحيح، فيلزمه التأويل المنهاجى. ونقول إنه لو كان المراد بالوضع حقيقة الظاهر لما وضع متشابهاً، ولكان الثمن القليل وعد نوعا من الدرس النحوي ولم يكن قرآناً.
ربما شكل ذلك عيب في تناول اللغويين للتأويل في القرآن، ليس في علمهم، ولكن كما سبق لأنهم حصروا أنفسهم في مجال الجملة. فالذي يترتب على سؤال أهل القرية باعتبار ما قالوه من البسط على مقتضى اللسان العربي هو حصر التأويل في تأييد السرقة من عدمه، والأخير هو المطلوب في الخطاب. أي أن أهل القرية والقافلة التي أتوْا فيها كانوا على علم بملابسات الحادثة وسلوكيات إخوة يوسف وطُلب البحث عن السارق ودليل الإثبات. الواقع أنه ليس من سرقة ولم يقتنع بذلك يعقوب، عليه السلام، فأصابه الغم وابيضت عيناه من الحزن على ما هو معروف في القصة.
وجه ثالث في التأويل ليس بتقدير المحذوف إنما من جهة الاعتبار بالأشياء ما قال به الرازي في تفسيره: " وهو أن الشيء إذا ظهر ظهوراً تاماً كاملاً فقد يقال فيه، سل السماء والأرض وجميع الأشياء عنه، والمراد أنه بلغ في الظهور إلى الغاية التي ما بقي للشك فيه مجال "، مثلما نقل الجاحظ عن الفضل بن عيسى الرقاشي قولـه: "سل الأرض فقل من شق أنهارك وغرس أشجارك وجنى ثمارك، فإن لم تجبك حواراً أجابتك اعتباراً"]11ز .[في مقامنا المنهاج لا نأخذ بالتأويلين الأخيرين إنما علاقة السؤال بأبواب المنهاج من البعيد في التأويل وليس المقام لها، والله أعلم وبه التوفيق.
ج ) التأويل وزيغ القلوب
لقد عدد العلماء نوعيات المجاز في القرآن الكريم على خلاف بينهم، بل منهم من قال أن القرآن لا يحتوي على المجاز قط. ممن قالوا في المجاز العز بن عبد السلام، وابن قتيبة والزركشي والسيوطي. منهم من وقف عند حقيقة الظاهر اللغوي في التأويل، ومنهم من وقف عند اكتشاف الدلالة، وقليل – على قدر علمنا في الموضوع - هي الحالات التي تخطوا فيها حاجز الدليل اللغوي، أظهرهم في ذلك العز بن عبد السلام. الاعتماد إذن على اكتشاف الدلالة وحده لا يفيد التأويل على تمامه، ومن اللازم الوقوف على شاهده لهذا الغرض. ذلك هو مُشْكل التأويل الماثل إلى الآن، وعليه فلا يستطيع أبوزيد أن يصل إلى المغزى الذي يطلبه بمنهجه الذي اتبعه المبتور من الشاهد، بالنظر في مجمل النص القرآني الذي يبحث فيه.
كثير من العلماء حرَّم التأويل بدون الشاهد بالرغم من ثبوت دليل المجاز أو المتشابه، وبالرغم من بسْط المجاز على مقتضى اللسان العربي. من هؤلاء ابن رشد والشاطبي وابن حزم (ثلاثتهم من علماء الأندلس ومن مدارس فكرية متباينة)، وقد خطَّأوا كثيراً من التفسيرات لهذا السبب. بل منهم من طلب التوقف عن التفسير بما فيه التأويل في حال عدم توافر الشاهد، عُد من الأهمية بمكان فيحتاج إلى بحث دقيق للوقوف على شروطه وصفاته. ليس في ذلك ظاهرية لأنه يعنى التقول على الله، نستغفره ونتوب إليه. كذلك هناك من العلماء من عَزف، بل نهي عن القول في المتشابه، فهو في علم الله وليس للعقل قبل به، ربما خشية الزيغ في القلوب حسب ما جاء في قوله جل شأنه:
﴿ هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّـهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ ]آل عمران: 7]
اشتملت الآية الكريمة على علامة المنهاج مكتملة الإشارة بأزواج ثلاثة من الألفاظ، مع الإشارة للمثاني بثنائية "الظاهر والباطن" متمثلة في قوله: ﴿آيَاتٌ﴾ و﴿قُلُوبِهِمْ ﴾. ما زال الخلاف قائماً حول "واو" والراسخون، هل هي على العطف أم الابتداء؟ ضمن عبادة الله على حرف. أما العطف فمعناه أنهم، أي الراسخين، يعلمون تأويل المتشابه ويقولون آمنا به على ظاهره وحقيقته معنى ومفهوماً، ثم الاقتداء فالارتقاء فالتطبيق فالعمران على ما هو مطلوب التنزيل. أما أن يكون الحرف على الابتداء فيمنعهم ذلك ويؤمنون به على الظاهر كسائر المؤمنين من حيث إنه تنزيل من رب العالمين، ولم يكن في ذلك مدْعى لأن يخصهم جل شأنه بالذكر. الفارق بين الحالتين هو الجمود. الإمام محمد عبده، رحمه الله، من الأئمة المتأخرين قال بالاحتمال الأول وأضاف أن العلماء المراد بهم في قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ ليسوا هم علمـاء الديـن على الحصْـر ]41[، فضمن علماء الطبيعة فيهم، من ثم العلماء على اختلاف مشاربهم، دينيين وغير.
هذه الآية الكريمة قيل فيها أنها من المحكم مع أن فيها مجاز يتمثل في قوله تعالى: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾، فضلا عن مكتشفنا مجاز التكرار، كذلك جملة "والراسخون" وقد سبق القول فيها. في الأولى تقديم وتأخير بين السبب والمسبب، من المجاز عند العز بن عبد السلام ]5ب[، والزركشي]16ب[، وباعتبار أن الواو في ﴿وَابْتِغَاءَ﴾ للتعقيب أو الترتيب، يقع المجاز لغياب الاطراد ]18ب1[ والترتيب ]18ب2[. فالاتباع الذي يؤدى إلى الفتنـه لا يحدث إلاَّ بسبب التأويل الزائغ عن الحقيقة أولاً وليس آخراً. فهم يتأولون فيخْطئون فيَفْتنون، وليس العكس في الترتيب. وهم يخطئون التأويل لأن في قلوبهم زَيْغ، أي أن تأويلهم يؤدى إلى حقيقة (القلب) غير التي وضع لها النص وتضمنها.
يمكن حمل الزيغ في القلوب على أنه الزيغ عن حقيقة الباطن المضمون بالتأويل. بمعنى أنهم لا يستطيعون الوصول إلى حقيقة المعنى المقصود من المتشابه، لسبب من الأسباب. ربما في أدوات التأويل وربما عن جهل بعلمه ومادته، فيتحصلون على غيره بأنه الحقيقة وفي ذلك زيغ عنها، وربما العمد في تأويل فاسد فتحدث الفتنة. من ثم فالترتيب السببي والمنطقي هو على هذا النحو: إرادة الفتنة، ثم تقرير الوسيلة بالقول في المتشابـه، ثم إنتاج ما يرونه بالأهواء على أنه حقيقة المجاز لأنه ليس بمحكم فالفرصة سانحة للتقول، ثم التأويل المغرض الذي ينتج عنه الزيغ عن الحقيقة فيحدثون الفتنة. ذلك إذا كان العمد وارداً. مما يؤيده اشتراك ﴿ابْتِغَاءَ﴾ مع الفتنـة والتأويـل. منه أن قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ يعنى أنهم يزيغون عن حقيقة الباطن إما بالعمد في الفتنة وإما بالجهل أو الخطأ في التأويل. تأكيد أن القلوب يراد بها المضمون نجده في ذكر الجلود والقلوب في قول علاَّم الغيوب:
﴿ اللَّـهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّـهِ ﴾ [الزمر: 23]
اقترنت الجلود والقلوب بمتشابه المثانى. ففي الآيتين (آل عمران: 7، الزمر:23) متشابه، وباشتراك القرينة في الحالتين (القلوب) كما في حالة ﴿وَابْتِغَاءَ﴾، وجرياً على ما ذكر من قبل مع الإمام ابن العربي، رحمه الله، في قانونه للتأويل بإحالة المادي إلى المعنوي متى ثبت المجاز والمتشابه، فإن الجلود على المجاز تعنى الشكل أو الظاهر، والقلوب تعنى المضمون أو الباطن. نتيجته أن الزيغ في القلوب هو زيغ عن المعنى الحقيقي للمتشابه من طريق تأويل فاسد، ويحتمل العمد فيه للفتنة ويحتمل الجهل بعلمه، فالفتنة أيضاً. من التأويل البعيد التدليل على أن التكرار فيه التشابه ومن ثم المجاز. فقد تكرر لفظ الجلود مرتين مع ذكر أحسن الحديث الكتاب يفيد الظاهر. فما تكرر مرتين لفظياً دلَّ على المثانى، سبق برهانه. وهو وجه التشابه المشهور بين العلماء وقولهم بأن المتشابهات في المنطوق. والله أعلم.
من هنا كنا مع القائلين بعدم جواز التأويل دون حصول الشاهد اليقيني عليه، مع جواز التفسير على المجاز بحقيقة الظاهر، وبالاحتمال على الحقيقة بحقيقة المضمون دون قطع فيه إلاَّ بدليل بين وشاهد لا لبس فيه درءاً للزيغ عن المقاصد وقصد الحقيقة في التأويل لا يخالطها شك ]19ب5[. أبوزيد لم يُعِر شاهد التأويل هذا اعتباراً في قراءته المنتِجة معولاً فيها على جدلية الدلالة/المغزى، قفز من البداية إلى النهاية دفعة واحدة متكئاً على كشف الدلالة كخطوة ضرورية ووحيدة تفضي إلى المغزى مباشرة.
نحن هنا لا نصادر على اعمال العقل بهذه القاعدة، بل العكس هو الصحيح. فالتقول من طريق تأويل زائغ منهي عنه ومقصود في الآية الكريمة. فلا فائدة تُرجَى من اعمال العقل بالشطط عن الحق إلاَّ الضلال. نقول بالعكس لأن إعمال العقل مطلوب للوقوف على الشاهد الصحيح واليقيني، تمحيصه وتحريره وتمكينه مكانته الصحيحة للوصول إلى حقيقة لا مراء فيها. تجاهل هذه الخطوة أو القفز عليها هو عدم إعمال للعقل وكسله وقعوده عن المثابرة بالاستدلال في سبيل الحق والعدل والاستنارة. قال الرازي، رحمه الله، في فوائد المتشابه: " إن القرآن إذا كان مشتملاً على المحكم والمتشابه، افتقر الناظر فيه إلى الاستعانة بدليل العقل، وحينئذ يتخلص عن ظلمة التقليد، ويصل إلى ضياء الاستدلال والبينة، أما لو كان كله محكماً لم يفتقر إلى التمسك بالدلائل العقلية فحينئذٍ كان يبقى في الجهل والتقليد " ]15ب2[. وصاحب الجدليات الضالة بتغافله عن خطوة الشاهد في التأويل يُظلم العقل من حيث يريده أن يستنير، ويؤجج الفتنة من حيث يريد أن يوالف بين العقول والقلوب تحديثا حسب توجهاته ودعواته في كتبه ومقالاته، كالمستعمر يتلبَّس الحلة الوطنية.
************
تحديث:
مثال آخر على ما قصدناه في خطوات التأويل الأربع، قول الخلاق العليم:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ۚ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴿٣٨﴾
ابن عاشور، رحمه الله، بتفسيره قال:
>... و{اثَّاقلتم} أصله تثاقلتم قلبت التاء المثنّاة ثاء مثلّثة لتقارب مخرجيهما طلباً للإدغام، واجتلبت همزة الوصل لإمكان تسكين الحرف الأول من الكلمة عند إدغامه. والتثاقل تكلّف الثقل، أي إظهار أنّه ثقيل لا يستطيع النهوض. والثِقَل حالة في الجسم تقتضي شدّة تطلّبه للنزول إلى أسفل، وعُسرَ انتقاله، وهو مستعمل هنا في البطء مجازاً مرسلاً، وفيه تعريض بأنّ بُطأهم ليس عن عجز، ولكنّه عن تعلّق بالإقامة في بلادهم وأموالهم. وعُدّي التثاقل بــــ {إلى} لأنّه ضمن معنى المَيل والإخلاد، كأنّه تثاقل يطلب فاعله الوصول إلى الأرض للقعود والسكون بها. والأرض ما يمشي عليه الناس. ومجموع قوله {اثّاقلتم إلى الأرض} تمثيل لحال الكارهين للغزو المتطلّبين للعُذر عن الجهاد كسلاً وجبناً بحال من يُطلب منه النهوض والخروج، فيقابل ذلك الطلب بالالتصاق بالأرض، والتمكّن من القعود، فيأبى النهوض فضلاً عن السير. وقوله {إلى الأرض} كلام موجه بديع لأنّ تباطؤهم عن الغزو، وتطلّبهم العذر، كان أعظم بواعثه رغبتهم البقاء في حوائطهم وثمارهم، حتّى جعل بعض المفسّرين معنى اثاقلتم إلى الأرض ملتم إلى أرضكم ودياركم.<.
هكذا كثير من المفسرين رَبَتوا على المجاز في قوله تعالى: "اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ"، والمعنى الذي توصلوا إليه لا يتغير فيه شيء لو كان الفعل على أصله "تثاقلتم"، فلم إدغام التاء في الثاء؟ تأولناه في بحث سابق ("التثاقل والهدى ونيوتن") على أنه تضعيف في الفعل يثبته قوله تعالى: "إِلَى الْأَرْضِ"، وقد قارب معنا ابن عاشور في مقالته هذه: "والتثاقل تكلّف الثقل"، والتكلف يعنى التضعيف، قال به دون المجاز في "اثَّاقَلْتُمْ"، فتأكد التضعيف في وضع الظاهر.
بذلك خطونا خطوتين من خطوات التأويل، اكتشاف الدلالة في الظاهر "اثَّاقَلْتُمْ" على أنها مجاز، والثانية بسط الظاهر على مقتضى اللسان العربي بأصل الفعل "تثاقلتم" والذي مازال به المجاز المرسل بالتباطؤ والتكاسل إلى الجهاد. هم تأولوه بذلك على وجه السياق وهو النفور إلى الجهاد في غزوة تبوك. لكنه تعالت حكمته يقصد وجهاً آخر بتضمين التضعيف في الفعل، ما لم يراه المفسرون، مقصدنا في القول بأنهم لم يتخطوا الخطوة الثانية في التأويل وهي بسط المجاز على مقتضى اللسان العربي إلى المراد الحقيقي في تضمين مجاز التضعيف في الفعل، والذي قدرناه في مقالتنا السالفة الذكر بأنه الإعجاز العلمي في الجاذبية الأرضية، والذي به خطونا الخطوتان الثالثة بتدبير الشاهد، الجاذبية الأرضية، من ترتيبات العلم الطبيعي الحديث، لم يتوفر مع علمائنا الأوائل، رحمهم الله، ثم الخطوة الرابعة التأويل بالتوفيق بين دليل المجاز في الآية الكريمة والشاهد العلمي، مهمة العلماء بمقتضى خاتميه الرسالة المحمدية (ناقشناه في "التساؤل الثالث"). المرشد في التوفيق هو قوله تعالى علمه: "إِلَى الْأَرْضِ" لا يحتاج إليه في وجه النفور الذي يوفيه "تثاقلتم"، لكنه يفيد الجاذبية "إِلَى الْأَرْضِ". وما توفيقي إلا بالله، هو الأعلم.
- 13 views